Same indexed hadith bihar-24549; it ends on this printed page after beginning on pages 304-326.
Show complete hadith text
كمال الدين: بإسناده إلى الرضا عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين - الحديث -. وأقول: الاخبار في ذلك كثيرة قد أوردناها في أبواب فضائل النبي صلى الله عليه وآله و الأئمة عليهم السلام فليرجع إليها. تذييل قال السيد الاجل المرتضى في كتاب الغرر بعد أن سئل عن تفسير قوله تعالى " خلق الانسان من عجل ": قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل، نحن نذكرها و نرجح الأرجح منها: فأولها أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا، ولهم عادة في استعمال مثل هذا اللفظ عند المبالغة، كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلا من نوم، وما خلق فلان إلا من شر، إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه، وربما قالوا: إنما أنت أكل وشرب، وما أشبه ذلك. قالت الخنساء تصف بقرة: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * وإنما هي إقبال وإدبار. وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الاقبال والادبار منها، ويشهد لهذا التأويل قوله عز وجل في موضع آخر " وكان الانسان عجولا " ويطابقه أيضا قوله تعالى " فلا تستعجلون " لان وصفهم بكثرة العجلة وأن من شأنهم فعلها توبيخا لهم و تقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال، وقادرين على التثبت والتأيد. وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب [بن المستنير] وغيرهما من أن في الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الانسان، واستشهدوا على ذلك بقوله سبحانه " وقد بلغني الكبر " أي قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة " و المعنى أن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو: عرضت الحوض على الناقة، ثم ذكر - ره - شواهد وأبياتا كثيرة في ذلك، ثم قال: ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال: وما المعنى والفائدة في قوله عز وجل " خلق العجل من الانسان "؟ أتريدون بذلك أن الله تعالى خلق العجلة في الانسان؟ وهذا لا يجوز، لان العجلة فعل من أفعال الانسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره؟ ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول " سأريكم آياتي فلا تستعجلون " لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم، فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها، لكنه أراد كثرة فعل الانسان لها وأنه لا يزال يستعملها، قيل لهم: هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير، وإذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه. وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقواه، و سأل نفسه عنه وقال: كيف جاز أن يقول: فلا تستعجلون، وهو خلق العجلة فيهم؟ وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طبائعهم وكفها، وقد يكون الانسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، وأمرهم في كثير من الأوقات بالامتناع منه، وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعي إليه، والشهوة المتناولة له، و يجب أيضا أن يكون المراد ب " من " ههنا " في " لان شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الانسان، وإنما تكون فيه، وهذا تجوز على تجوز، وتوسع على توسع، لان القلب أولا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر، و إقامة " من " مقام " في " كذلك، على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله عز وجل " فلا تستعجلون " أي معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم، والطبع الداعي إليها - على ما عبر به البلخي -؟ وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم، وأيسر الأحوال أن لا يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى. وفي الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه عز وجل، فالجواب الأول أوضح وأصح. وثالثها جواب روي عن الحسن، قال: يعني بقوله " من عجل " أي من ضعف وهي النطفة المنتنة المهينة الضعيفة، وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل يكون عبارة عن الضعف أو عن معناه. ورابعها ما حكي أن أبا الحسن الأخفش أجاب به، وهو أن يكون المراد أن الانسان خلق من تعجيل الامر، لأنه تعالى قال: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد " فلا تستعجلون "؟ قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنه لما استعجلوا بالآيات واستبطؤوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شئ إذا أراده ولا يمتنع عليه، وأن من خلق الانسان بلا كلفة ولا مؤونة بأن قال له كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة وعجائب الحكمة التي يعجز عنها كل قادر ويحار فيها كل ناظر لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الانسان من طين، كما قال في موضع آخر " بدأ خلق الانسان من طين " واستشهد بقول الشاعر: والنبع يخرج بين الصخر ضاحية * والنخل ينبت بين الماء والعجل ووجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه إلا أن البيت الذي أنشدناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه تغلب عن ابن الأعرابي وخالف في شئ من ألفاظه، وإذا صح هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى " فلا تستعجلون " على نحو ما ذكرناه، وهو أن من خلق الانسان مع الحكمة الظاهرة فيه من الطين لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات، أو يكون المعنى أنه لا يجب بمن خلق من الطين المهين وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله تعالى وآياته وشرائعه، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية: " وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ". وسادسها أن يكون المراد بالإنسان آدم عليه السلام ومعنى " من عجل " أي في سرعة من خلقه، لأنه تعالى لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره وإنما ابتدأه الله ابتداء وأنشأه إنشاء، فكأنه تعالى نبه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له، وأنه عز وجل يري عباده من آياته وبيناته [أولا] أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم. وسابعها ما روي عن مجاهد وغيره أن الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شئ آخر نهار يوم الجمعة على سرعة معاجلا به غروب الشمس، وروي أن آدم عليه السلام لما نفخت فيه الروح وبلغت أعالي جسده ولم تبلغ أسافله قال: رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وثامنها ما روي عن ابن عباس والسدي أن آدم عليه السلام لما خلق وجعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى ثمار الجنة. وقال: قوم بل هم بالوثوب، فهذا معنى قوله " خلق الانسان من عجل " وهذه الأجوبة الثلاثة المتأخرة مبنية على أن المراد بالإنسان فيها آدم عليه السلام دون غيره. 40 (باب آخر) نورد ما ذكره محمد بن بحر الشيباني المعروف بالدهني في كتابه من قول مفضلي الأنبياء والرسل [والأئمة] والحجج على الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين على ما أورده الصدوق - ره - في كتاب علل الشرائع ناقلا عنه حيث قال: قال مفضلو الأنبياء والرسل والحجج على الملائكة: إنا نظرنا إلى جميع ما خلق الله عز وجل من شئ علا علوا طبعا واختيارا أو علي به قسرا واضطرارا، وما سفل شئ طبعا واختيارا أو ما سفل به قسرا واضطرارا، فإذا هي ثلاثة أشياء باجماع: حيوان نام وجماد، وأفلاك سائرة، وبالطبع الذي طبعها عليه صانعها دائرة، وفي ما دونها عن إرادة خالقها مؤثرة. وإنهم نظروا في الأنواع الثلاثة وفي الأشياء التي هي أجناس منقسمة إلى جنس الأجناس الذي هو شئ إذ يعطي كل شئ اسمه. قالوا: ونظرنا أي الثلاثة هو نوع لما فوقه وجنس لما تحته أنفع وأرفع، وأيها أدون وأوضع. فوجدنا أرفع الثلاثة الحيوان، وذلك بحق الحياة التي بان بها النامي والجماد، وإنما رفعة الحيوان عندنا في حكمة الصانع وترتيبها أن الله تقدست أسماؤه جعل النامي له أغذاء، وجعل له عند كل داء دواء، وفي ما قدر له صحة وشفاء فسبحانه ما أحسن ما دبره في ترتيب حكمته! إذ الحيوان الرفيع مما دونه يغذو، ومنه لوقاية الحر والبرد يكسو، وعليه أيام حياته ينشو. وجعل الجماد له مركزا ومكديا فامتهنه له امتهانا، وجعل له مسرحا وأكنانا، ومجامع وبلدانا، ومصانع وأوطانا، و جعل له حزنا محتاجا وسهلا محتاجا إليه، وعلوا ينتفع بعلوه، وسفلا ينتفع به وبمكاسبه برا وبحرا. فالحيوان مستمتع، فيستمتع بما جعل له فيه من وجوه المنفعة والزيادة والزبول عند الزبول وتتخذ المركز عند التجسيم والتأليف من الجسم المؤلف، تبارك الله رب العالمين. قالوا: ثم [إنا] نظرنا، فإذا الله عز وجل قد جعل المتخذ بالروح والنمو والجسم أعلى وأرفع مما يتخذ بالنمو والجسم والتأليف والتصريف، ثم جعل الحي الذي هو بالحياة التي هي غيره نوعين: ناطقا وأعجم، ثم أبان الناطق من الأعجم بالنطق والبيان اللذين جعلهما له، فجعله أعلى منه بفضيلة النطق والبيان. ثم جعل الناطق نوعين: حجة ومحجوجا، فجعل الحجة أعلى من المحجوج، لإبانة الله الحجة واختصاصه إياه بعلم علوي يخصه له دون المحجوجين، فجعله معلما من جهة باختصاصه إياه، وعلما بأمره إياه أن يعلم بأن الله عز وجل معلم الحجة دون أن يكله إلى أحد من خلقه، فهو متعال به، وبعضهم يتعالى على بعض بعلم يصل إلى المحجوجين من جهة الحجة. قالوا: ثم رأينا أصل الشئ الذي هو آدم، فوجدناه قد جعله [علما] على كل روحاني خلقه قبله، وجسماني ذرأه وبرأه منه، فعلمه علما خصه به لم يعلمهم قبل ولا بعد، وفهمه فهما لم يفهمهم قبل ولا بعد. ثم جعل ذلك العلم الذي علمه ميراثا فيه لإقامة الحجج من نسله على نسله، ثم جعل آدم لرفعة قدره وعلو أمره للملائكة الروحانيين قبلة، وأقامه لهم محنة، فابتلاهم بالسجود إليه، فجعل - لا محالة - من اسجد له له أعلى وأفضل ممن أسجدهم، ولان من جعل بلوى وحجة أفضل ممن حجهم به، و لان اسجاده جل وعز إياهم للخضوع ألزمهم الاتضاع منهم له، والمأمورين بالاتضاع بالخضوع والخشوع والاستكانة دون من أمرهم بالخضوع له، ألا ترى إلى من أبى الائتمار لذلك الخضوع ولتلك الاستكانة فأبى واستكبر ولم يخضع لمن أمره له بالخضوع كيف لعن وطرد عن الولاية، وادخل في العداوة، فلا يرجى له من كبوته الإقالة آخر الأبد فرأينا السبب الذي أوجب الله عز وجل لآدم عليهم فضلا، فإذا هو العلم خصه الله عز وجل دونهم، فعلمه الأسماء، وبين له الأشياء، فعلا بعلمه من لا يعلم. ثم أمره جل وعز أن يسألهم سؤال تنبيه لا سؤال تكليف عما علمه بتعليم الله عز وجل إياه مما لم يكن علمهم، ليريهم جل وعز علو منزلة العلم ورفعة قدره، كيف خص العلم محلا وموضعا اختاره له، وأبان ذلك المحل عنهم بالرفعة والفضل. ثم علمنا أن سؤال آدم إياهم عما سألهم عنه مما ليس في وسعهم وطوقهم الجواب عنه سؤال تنبيه لا سؤال تكليف، لأنه جل وعز لا يكلف ما ليس في وسع المكلف القيام به. فلما لم يطيقوا الجواب عما سألوا علمنا أن السؤال كان كالتقرير منه لهم يقرن به اتضاعهم بالجهالة عما علمه إياه، وعلو خطره وقدره، واختصاصه إياه بعلم لم يخصهم به، فالتزموا الجواب بأن قالوا: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ". ثم جعل الله عز وجل آدم عليه السلام معلم الملائكة بقوله " أنبئهم " لان الانباء من النبأ تعليم، والامر بالانباء من الآمر تكليف يقتضي طاعة وعصيانا، والاصغاء من الملائكة للتعليم والتوقيف والتفهيم والتعريف تكليف يقتضي طاعة وعصيانا، فمن ذهب منكم إلى فضل المتعلم على المعلم، والموقف على الموقف، والمعرف على المعرف، كان في تفضيله تعكيس لحكمة الله عز وجل، وقلب لترتيبها التي رتبها الله عز وجل، فإنه على قياد مذهبه أن تكون الأرض التي هي المركز أعلى من النامي الذي هو عليها الذي فضله الله عز وجل بالنمو، والنامي أفضل وأعلى من الحيوان الذي فضله الله جل جلاله بالحياة والنمو والروح، والحيوان الأعجم الخارج عن التكليف والامر و الزجر أعلى وأفضل من الحيوان الناطق المكلف للامر والزجر، والحيوان الذي هو المحجوج أعلى من الحجة التي هي حجة الله عز وجل فيها، والمتعلم أعلى من المعلم وقد جعل الله عز وجل آدم حجة على كل من خلق من روحاني وجسماني إلا من جعل له أولية الحجة. فقد روي لنا أن حبيب بن مظاهر الأسدي - بيض الله وجهه - أنه قال للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام: أي شئ كنتم قبل أن يخلق الله عزو جل آدم عليه السلام؟ قال: كنا أشباح نور ندور حول عرش الرحمن، فنعلم للملائكة التسبيح والتهليل والتحميد. ولهذا تأويل دقيق ليس هذا مكان شرحه، وقد بيناه في غيره. قال مفضلو الملائكة: إن مدار الخلق روحانيا كان أو جسمانيا على الدنو من الله عز وجل والرفعة والعلو، والزلفة والسمو، وقد وصف الله جلت عظمته الملائكة من ذلك بما لم يصف به غيرهم، ثم وصفهم بالطاعة التي عليها موضع الامر و الزجر والثواب والعقاب، فقال عز وجل " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " ثم جعل محلهم الملكوت الأعلى، فبراهينهم على توحيده أكثر، وأدلتهم عليه أشهر وأوفر، وإذا كان ذلك كذلك كان حظهم من الزلفة أجل، ومن المعرفة بالصانع أفضل. قالوا: ثم رأينا الذنوب والعيوب الموردة النار ودار البوار كلها من الجنس الذي فضلتموه على من قال الله عز وجل في نعتهم لما نعتهم ووصفهم بالطاعة لما وصفهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " قالوا: كيف يجوز فضل جنس فيهم كل عيب ولهم كل ذنب على من لا عيب فيهم ولا ذنب منهم لا صغائر ولا كبائر؟ والجواب: أن مفضلي الأنبياء والحجج عليهم السلام قالوا: إنا لا نفضل ههنا الجنس على الجنس، ولكنا فضلنا النوع على النوع من الجنس، كما أن الملائكة كلهم ليسوا كإبليس وهاروت وماروت لم يكن البشر كلهم كفرعون الفراعنة وكشياطين الانس المرتكبين المحارم، المقدمين على المآثم. وأما قولكم في الزلفة والقربة فإنكم إن أردتم زلفة المسافات وقربة المداناة فالله عز وجل أجل، ومما توهمتموه أنزه، و في الأنبياء والحجج من هو أقرب إلى قربه بالصالحات، والقربات الحسنات، و بالنيات الطاهرات من كل خلق خلقهم، والقرب والبعد من الله جلت عظمته بالمسافة والمدى تشبيه له بخلقه، وهو من ذلك نزيه. وأما قولهم في الذنوب والعيوب فإن الله جلت أسماؤه جعل الامر والزجر أسبابا وعللا، والذنوب والمعاصي وجوها، فالله جل جلاله هو الذي جعل قاعدة الذنوب من جميع المذنبين من الأولين والآخرين إبليس، وهو من حزب الملائكة وممن كان في صفوفهم، وهو رأس الأبالسة، وهو الداعي إلى عصيان الصانع، والموسوس والمزين لكل من تبعه وقبل منه وركن إليه الطغيان، وقد أمهل الملعون لبلوى أهل البلوى في دار الابتلاء، فكم من برية نبيه، وفي طاعة الله عز وجل وجيه، وعن معصيته بعيد وقد أقمأ إبليس وأقصاه وزجره ونفاه، فلم يلو له على أمر إذا أمره ولا انتهى عن زجر إذا زجر له لمات في قلوب الخلق مكافئ من المعاصي لمات الرحمن، فلمات الرحمن دافعة للماته ووسوسته وخطراته، ولو كانت المحنة بالملعون واقعة بالملائكة، والابتلاء به قائما كما قام في البشر، ودائما كما دام، لكثرت من الملائكة المعاصي، وقلت فيهم الطاعات، إذا تمت فيهم الآلات، فقد رأينا المبتلى من صفوف الملائكة بالأمر و الزجر مع آلات الشهوات كيف انخدع بحيث دنا من طاعته، وكيف بعد مما لم يبعد منه الأنبياء والحجج الذين اختارهم الله على علم على العالمين، إذ ليست هفوات البشر كهفوة إبليس في الاستكبار، وفعل هاروت وماروت في ارتكاب المزجور. قال مفضلو الملائكة: إن الله جل جلاله وضع الخضوع والخشوع والتضرع والخنوع حلية، فجعل مداها وغايتها آدم عليه السلام ففازت الملائكة في هذه الحلية وأخذوا منها بنصيب الفضل والسبق، فجعل للطاعة فأطاعوا الله فيه، ولو كان هناك بنو آدم لما أطاعوه فيما أمر وزجر، كما لم يطعه قابيل، فصار إمام كل قاتل. جواب مفضلي الأنبياء والحجج عليهم السلام، قالوا: إن الابتلاء الذي ابتلى به الله عز وجل الملائكة من الخشوع والخضوع لآدم عن غير شيطان مغو وعدو مطغي، فاصل بغوايته بين الطائعين والعاصين; والمقيمين على الاستقامة عن الميل، وعن غير آلات المعاصي التي هي الشهوات المركبات في عباده المبتلين، وقد ابتلى من الملائكة من ابتلى فلم يعتصم بعصمة الله الوثقى، بل استرسل للخادع الذي كان أضعف منها. وقد روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن في الملائكة من باقة بقل خير منه، والأنبياء والحجج يعلمون ذلك لهم وفيهم ما جهلناه، وقد أقر مفضلو الملائكة بالتفاضل بينهم كما أقر بالتفاضل بين ذوي الفضل من البشر. ومن قال: إن الملائكة جنس من خلق الله عز وجل تقل فيهم العصاة كهاروت وماروت وكإبليس اللعين، إذ الابتلاء فيهم قل فليس ذلك بموجب أن يكون فاضلهم أفضل من فاضل البشر الذين جعل الله عز وجل الملائكة خدمهم إذا صاروا إلى دار المقامة التي ليس فيها حزن ولا هم ولا نصب ولا سقم ولا فقر. قال مفضلو الملائكة: إن الحسن البصري يقول: إن هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وأنكر أن يكونا من الملائكة، فلم تعترضونا بالحجة بهما وبإبليس فتحتجون علينا بجني فيه. قال مفضلو الأنبياء والحجج عليهم السلام: ليس شذوذ الحسن عن جميع المفسرين من الأمة بموجب أن يكون ما يقول كما يقول، وأنتم تعلمون أن الشئ لا يستثنى إلا من جنسه، وتعلمون أن الجن سموا جنا لاجتنانهم عن الرؤية إلا إذا أرادوا الترائي بما جعل الله عز وجل فيهم من القدرة على ذلك، وأن إبليس من صفوف الملائكة وغير جائز في كلام العرب أن يقول قائل: جاءت الإبل كلها إلا حمارا، ووردت البقر كلها إلا فرسا، فإبليس من جنس ما استثني. وقول الحسن في هاروت وماروت بأنهما علجان من أهل بابل شذوذ شذ به عن جميع أهل التفسير، وقول الله عز وجل يكذبه إذ قال " وما انزل على الملكين - بفتح اللام - ببابل هاروت وماروت " وليس في قولكم عن قول الحسن فرج لكم، فادعوا ما لا فائدة فيه من علة، ولا عائدة من حجة. قال مفضلو الملائكة: قد علمتم ما للملائكة في كتاب الله عز وجل من المدح والثناء مما بانوا به عن خلق الله جل وعلا، إذ لو لم يكن فيه إلا قوله " بل هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ". قال مفضلو الأنبياء والحجج عليهم السلام: لو استقصينا آي القرآن في تفضيل الأنبياء والحجج صلوات الله عليهم أجمعين لاحتجنا لذلك إلى التطويل والاكثار، وترك الايجاز والاختصار، وفي ما جئنا به من الحجج النظرية التي تزيح العلل من الجميع مقنع، إذ ذكرنا ترتيب الله عز وجل خلقه، فجعل الأرض دون النامي، والنامي أعلى وأفضل من الأرض، وجعل النامي دون الحيوان، والحيوان أعلى وأرفع من النامي وجعل الحيوان الأعجم دون الناطق، وجعل الحيوان الناطق أفضل من الحيوان الأعجم وجعل الحيوان الجاهل الناطق دون الحيوان العالم الناطق، وجعل الحيوان العالم الناطق المحجوج دون الحيوان العالم الحجة، ويجب على هذا الترتيب أن المعرب المبين أفضل من الأعجم غير الفصيح، ويكون المأمور المزجور مع تمام الشهوات وما فيهم من طباع حب اللذات ومنع النفس من الطلبات والبغيات ومع البلوى بعدو يمهل يمتحن بمعصيته إياه وهو يزينها له محسنا بوسوسته في قلبه وعينه أفضل من المأمور المزجور مع فقد آلة الشهوات وعدم معاداة هذا المتوصل له بتزيين المعاصي والوسوسة إليه. ثم هذا الجنس نوعان: حجة ومحجوج، والحجة أفضل من المحجوج، ولم يحجج آدم الذي هو أصل البشر بواحد من الملائكة تفضيلا من الله عز وجل إياه عليهم، وحجج جماهير الملائكة آدم، فجعله العالم بما لم يعلموا وخصه بالتعليم ليبين لهم أن المخصوص بما خصه به مما لم يخصهم أفضل من غير المخصوص بما لم يخصه به وهذا الترتيب حكمة الله عز وجل، فمن ذهب يروم إفسادها ظهر منه عناد من مذهبه وإلحاد في طلبه. فانتهى الفضل إلى محمد صلى الله عليه وآله لأنه ورث آدم وجميع الأنبياء، ولأنه الاصطفاء الذي ذكره الله عز وجل فقال " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " فمحمد الصفوة والخالص، نجيب النجابة من آل إبراهيم فصار خير آل إبراهيم بقوله " ذرية بعضها من بعض " واصطفى الله جل جلاله آدم ممن اصطفاه عليهم من روحاني وجسماني. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله [و] حسبنا الله ونعم الوكيل. قال الصدوق: إنما أردت أن تكون هذه الحكاية في هذا الكتاب، وليس قولي في إبليس أنه كان من الملائكة، بل كان من الجن، إلا أنه كان يعبد الله بين الملائكة وهاروت وماروت ملكان، وليس قولي فيهما قول أهل الحشو، بل كانا عندي معصومين ومعنى هذه الآية " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان - الآية - " إنما هو: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وعلى ما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وقد أخرجت في ذلك خبرا مسندا في كتاب عيون الأخبار عن الرضا عليه السلام . قوله " هو نوع " صفة للثلاثة، أي كل منها " بان بها النامي " أي من النامي " جعل النامي له " أي للحيوان " وجعل له " أي جعله له، وكأنه كان كذلك. قوله " ومكديا " كذا في النسخ، وكأنه من الكدية، قال في النهاية: الكدية قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيها الفأس، وأكدى الحافر إذا بلغها، وفيه أن فاطمة خرجت في تعزية بعض جيرانها، فلما انصرفت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك بلغت معهم الكدى، أراد المقابر، وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع صلبة وهي جمع كدية (انتهى) ويشبه أن يكون فيه تصحيف. والمهنة - بالكسر والفتح والتحريك وككلمة -: الحذق بالخدمة وامتهنه: استعمله للمهنة. ذكره الفيروزآبادي. وقال: المصنعة كالحوض يجمع فيه ماء المطر كالمصنع، والمصانع: الجمع، والقرى، والمباني من القصور والحصون (انتهى). " دون من أمرهم " أي أدون منهم، والمدى: الغاية، ويطلق على المسافة أيضا وفي المصباح: نبه - بالضم - نباهة: شرف، وهو نبيه. وأقمأه: صغره وأذله. و في النهاية: فيه " فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد " أي لا يلتفت ولا يعطف عليه. وقال: فيه " لابن آدم لمتان: لمة من الملك، ولمة من الشيطان " اللمة: الهمة و الخطرة تقع في القلب، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان. قوله " من طاعته " أي طاعة الشيطان. والهفوة: الزلة، وفي النهاية: الخانع الذليل الخاضع. قوله " حلية " في أكثر النسخ بالياء المثناة، والأظهر أنه بالباء الموحدة في القاموس: الحلبة - بالفتح -: الدفعة من الخيل في الرهان، وخيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من إصطبل واحد (انتهى). " فجعل مداها وغايتها " أي غاية الحلبة في السباق، وعلى النسخة الأولى كان المعنى أنه كان قبلة للخنوع والخضوع، فجعل على بناء المجهول، والضمير للسبق أو آدم. وفي الصحاح: استرسل إليه: انبسط واستأنس. وقال: الباقة من البقل: الحزمة منه. وفي المصباح: العلج: الرجل الضخم من كفار العجم، وبعض العرب قد يطلق العلج على الكافر مطلقا. قوله " لاجتنانهم " أي استتارهم، وفي الصحاح: زاح الشئ يزيح زيحا: بعد وذهب. 41 (باب) * (بدء خلق الانسان في الرحم إلى آخر أحواله) * الآيات: آل عمران: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم . النساء: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . الانعام: هو الذي خلقكم من طين . هود: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . الرعد: الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار . النحل: خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين . مريم: أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا . الحج: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا . المؤمنون: ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون . الروم: ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون . لقمان: حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين . التنزيل: الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون . فاطر: والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير . يس: أولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . الزمر: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث . المؤمن: هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون . حمعسق: لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير . النجم: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم - إلى قوله تعالى - وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى . الواقعة: أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . التغابن: وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير . الملك: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون . نوح: مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا - إلى قوله تعالى - والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا . القيامة: ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى . الدهر: هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا . المرسلات: ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين . النبأ: وخلقناكم أزواجا . عبس: قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره . الانفطار: ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك . الطارق: فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب . تفسير: " هو الذي يصوركم " قال الطبرسي - رحمه الله -. أي يخلق صوركم " في الأرحام كيف يشاء " على أي صورة شاء، وعلى أي صفة شاء، من ذكر وأنثى أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير. " لا إله إلا هو العزيز " في سلطانه " الحكيم " في أفعاله. ودلت الآية على وحدانية الله سبحانه وتمام قدرته وكمال حكمته حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة، وركب فيه أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة، وقد تقرر في عقل كل عاقل أن العالم لو اجتمعوا أن يجعلوا من الماء بعوضة و يصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويعرفونه لم يقدروا على ذلك ولا وجدوا إليه سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام؟ فتبارك الله أحسن الخالقين. وهذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام . " من نفس واحدة " أي آدم " وخلق منها زوجها " حواء كما مر " وبث منهما رجالا كثيرا ونساء " أي نشر وفرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا كثيرا ونساء. وقال البيضاوي: واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر " كثيرا " حملا على الجمع . " خلقكم من طين " قيل أي ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى، أو إن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه، أو خلق أباكم، فحذف المضاف إليه (انتهى) و يحتمل أن يكون المراد الطين الذي سيأتي في الاخبار أنه يذر في النطفة. " هو أنشأكم من الأرض " قيل: أي هو كونكم منها لا غيره، فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من الأرض. " واستعمركم فيها " قيل: أي عمركم فيها واستبقاكم من العمر، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها. وقيل: هو من العمرى، بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم. " الله يعلم ما تحمل كل أنثى " قال الطبرسي - رحمه الله - يعلم ما في بطن كل حامل من ذكر أو أنثى تام أو غير تام، ويعلم لونه وصفاته " وما تغيض الأرحام " أي يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر " وما تزداد " على ذلك، عن أكثر المفسرين، وقيل: ما تغيض الولد الذي تأتي به المرأة لأقل من ستة أشهر، وما تزداد الولد الذي تأتي به لأقصى مدة الحمل، وقيل: معناه ما تنقص الأرحام من دم الحيض وهو انقطاع الحيض، وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع . وقال البيضاوي: أي وما تنقصه وما تزداد في الجنة والمدة والعدد. وقيل: المراد نقصان دم الحيض وازدياده، و " غاض " جاء لازما ومتعديا، وكذا " ازداد ". " وكل شئ عنده بمقدار " قيل: أي بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، وفي الاخبار: أي بتقدير خلق الانسان من نطفة. قال البيضاوي: من جماد لأحس بها ولا حراك، سيالة لا تحفظ الوضع والشكل " فإذا هو خصيم " منطيق مجادل " مبين " للحجة، أو خصيم مكافح لخالقه قائل: من يحيى العظام وهي رميم ؟ " ولم يك شيئا " بل كان عدما صرفا، فإنه أعجب من جميع المواد بعد التفريق الذي ينكر منكر البعث. " في ريب من البعث " قال البيضاوي: من إمكانه وكونه مقدورا " فإنا خلقناكم " أي فانظروا في بدء خلقكم، فإنه يزيح ريبكم، فإنا خلقناكم " من تراب " بخلق آدم منها والأغذية التي يتكون منها المني " ثم من نطفة " أي من مني، من النطف وهو الصب " ثم من علقة " قطعة من الدم جامدة " ثم من مضغة " قطعة من اللحم بقدر ما يمضغ " مخلقة وغير مخلقة " مسواة لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسواة أو تامة وساقطة، أو مصورة وغير مصورة " لنبين لكم " بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا فإن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى، وإن من قدر على تغييره وتصويره أولا قدر على ذلك ثانيا، وحذف المفعول إيماء إلى أن الأفعال هذه يتبين بها من قدرته وحكمته مالا يحيط به الذكر " ونقر في الأرحام ما نشاء " أن نقره " إلى أجل مسمى " هو وقت الوضع، وقرئ " ونقر " بالنصب، وكذا قوله " ثم نخرجكم " عطفا على " نبين " كأن خلقهم مدرج لغرضين: تبين القدرة، وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشؤوا، أو يبلغوا حد التكليف، و " طفلا " حال أجريت على تأويل كل واحد، أو للدلالة على الجنس، أو لأنه في الأصل مصدر " ثم لتبلغوا أشدكم " أي كمالكم في القوة والعقل، جمع شدة. " ومنكم من يتوفى " عند بلوغ الأشد أو قبله " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر " أي الهرم والخرف " لكيلا يعلم من بعد علم شيئا " أي ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسي ما علمه وينكر من عرفه، وأنه استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الانسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره . " من سلالة " من خلاصة سلت من بين الكدر " من طين " متعلق بمحذوف لأنه صفة لسلالة أو بمعنى سلالة، لأنها في معنى مسلولة، فتكون ابتدائية كالأول، و الانسان آدم خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار، وقيل: المراد بالطين آدم لأنه خلق منه، والسلالة نطفته " ثم جعلناه " أي ثم جعلنا نسله، فحذف المضاف " نطفة " بأن خلقناه منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء " في قرار مكين " أي مستقر حصين يعني الرحم " ثم خلقنا النطفة علقة " بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء " فخلقنا العلقة مضغة " أي فصيرناها قطعة لحم " فخلقنا المضغة عظاما " بأن صلبناها " فكسونا العظام لحما " مما بقي من المضغة، أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات، والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة " ثم أنشأناه خلقا آخر " هو صورة البدن والروح والقوى بنفخة فيه أو المجموع، و " ثم " لما بين الخلقتين من التفاوت " أحسن الخالقين " أي المقدرين تقديرا. " ثم إذا أنتم بشر " أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض. " وهنا " أي ذات وهن أو تهن وهنا " على وهن " أي تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها، والجملة في موضع الحال " وفصاله في عامين " أي وفطامه في انقضاء عامين. " الذي أحسن كل شئ خلقه " أي خلقه موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، و " خلقه " بدل من " كل " بدل الاشتمال، وقيل: علم كيف يخلقه. وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف " وبدأ خلق الانسان " يعني آدم " من طين ثم جعل نسله " أي ذريته، سميت به لأنها تنسل منه أي تنفصل " من سلالة من ماء مهين " أي ممتهن. وقال الطبرسي - رحمه الله - أي ضعيف، وقيل: حقير مهان، أشار إلى أنه من شئ حقير لا قيمة له وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل . " ثم سواه " قال البيضاوي: أي قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي " ونفخ من روحه " أضافه إلى نفسه تشريفا، وإظهارا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنا له مناسبة إلى الحضرة الربوبية، ولأجله من عرف نفسه فقد عرف ربه " وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة " خصوصا لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا " قليلا ما تشكرون " أي تشكرون شكرا قليلا . " من تراب " بخلق آدم منه " ثم من نطفة " بخلق ذريته منها " ثم جعلكم أزواجا " ذكرانا وإناثا " إلا بعلمه " أي إلا معلومة له " وما يعمر من معمر " أي و ما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر " ولا ينقص من عمره " من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أولا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصا، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه، أو للمعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم: لا يثيب الله عبدا ولا يعاقبه إلا بحق. وقيل: الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح، مثل أن يكون فيه: إن حج واعتمر فعمره ستون سنة وإلا فأربعون. وقيل: المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقص، فإنه يكتب في صحيفة عمره يوما فيوما " إلا في كتاب " هو علم الله أو اللوح أو الصحيفة " إن ذلك على الله يسير " إشارة إلى الحفظ أو الزيادة والنقص . " يخلقكم في بطون أمهاتكم " بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والانعام إظهارا لما فيه من عجائب القدرة، غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون " خلقا من بعد خلق " حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف " في ظلمات ثلاث " ظلمة البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن. " ثم لتبلغوا " أي ثم يبقيكم لتبلغوا، وكذا قوله تعالى " ثم لتكونوا ". " من قبل " أي من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد " ولتبلغوا " قيل: أي ويفعل ذلك لتبلغوا " أجلا مسمى " هو وقت الموت أو يوم القيامة " ولعلكم تعقلون " ما في ذلك من الحجج والعبر. " يهب لمن يشاء إناثا " قال البيضاوي: المعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشية، فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعا ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإناث لأنه أكثر لتكثير النسل، أو لان مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشية الله [تعالى] لا مشية الانسان والإناث كذلك، أو لان الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو للمحافظة على الفواصل . " هو أعلم بكم " أي أعلم بأحوالكم منكم " إذ أنشأكم " أي علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم، وحين ما صوركم في الأرحام. " من نطفة إذا تمنى " أي تدفق في الرحم أو تخلق أو يقدر منها الولد من مني إذا قدر. " أفرأيتم ما تمنون " أي تقذفونه في الأرحام من النطف " أأنتم تخلقونه " أي تجعلونه بشرا سويا. " وصوركم فأحسن صوركم " قيل: أي فصوركم من جملة ما خلق في السماوات والأرض بأحسن صورة، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات " وإليه المصير " فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم. " وجعل لكم السمع " لتسمعوا المواعظ " والابصار " لتنظروا صنائعه " والأفئدة " لتعتبروا وتتفكروا " قليلا ما تشكرون " باستعمالها في ما خلقت لأجلها. " لا ترجون لله وقارا " قيل: أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم " وقد خلقكم أطوارا " حال مقدرة للانكار من حيث إنها موجبة للرجاء فان خلقهم أطوارا أي تارات، إذ خلقهم أولا عناصر، ثم مركبات يغذي الانسان، ثم أخلاطا ثم نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم عظاما ولحوما، ثم أنشأهم خلقا آخر، فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة، تام الحكمة. وقال علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " لا ترجون لله وقارا " يقول: لا تخافون لله عظمة. وقال علي بن إبراهيم في قوله " وقد خلقكم أطوارا " قال: على اختلاف الأهواء و الإرادات والمشيئات . " والله أنبتكم من الأرض نباتا " قيل: أي أنشأكم منها، فاستعير الانبات للانشاء لأنه أدل على الحدوث والتكوين من الأرض، وأصله: أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا، فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية " ثم يعيدكم فيها " مقبورين " ويخرجكم إخراجا " بالحشر، وأكده بالمصدر كما أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالابتداء وأنها تكون لا محالة. وقال علي بن إبراهيم: من الأرض أي على الأرض [2]. " فخلق فسوى " قيل: أي قدره فعدله " فجعل منه الزوجين " أي الصنفين. " هل أتى على الانسان " قال البيضاوي: استفهام تقرير وتقريب، ولذلك فسر
الهوامش66
[١]النحل: ٤٠.ص 307
[٢]ألم السجدة: ٧.ص 307
[٣]الأنبياء: ٣٦.ص 307
[١]كذا في جميع نسخ البحار، والمشهور ضبطه بالراء المهملة المضمومة نسبة إلى " رهنه " قرية بكرمان، وحكى ابن داود عن نسخة " الدهني " بالدال قال النجاشي: محمد ابن بحر الرهني: أبو الحسن الشيباني ساكن نرماشير من ارض كرمان قال أصحابنا انه كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه قريب من السلامة، ولا أدرى من أين قيل وقال في محكى الفهرست، محمد بن بحر الرهني من أهل سجستان وكان من المتكلمين وكان عالما بالاخبار فقيها الا انه متهم بالغلو وله نحو من خمسمائة مصنف ورسالة - انتهى - والظاهر أن منشأ اتهامه بالغلو مبالغته في تفضيل الأئمة وعلو رتبتهم عليهم السلام ولم يثبت منه قول بحلول أو اتحاد أو تفويض ونحوها فلا يبعد كونه حسنا.ص 308
[1]في بعض النسخ " الذبول " في الموضعين، وفى نسخة " الذلول " في الموضع الثاني.ص 309
[1]في العلل: يقرر.ص 310
[١]باختصاصه (خ).ص 311
[٢]البقرة: ٣٢.ص 311
[٣]التحريم: ٦.ص 311
[1]العزمات (خ).ص 312
[1]في المصدر: صنوف.ص 313
[2]في المصدر: قليل.ص 313
[١]في المصدر: صنوف.ص 314
[٢]فدعوا (خ).ص 314
[٣]الأنبياء: ٢٦ - 27. وفى المصدر بعد ذكر الآية " لكفى ".ص 314
[١]آل عمران: ٣٣.ص 315
[2]في المصدر: النجباء.ص 315
[١]البقرة: ١٠٢.ص 316
[٢]علل الشرائع: ج ١، ص 19 - 26. والحديث الذي أشار إليه في العيون: ج 1 ص 267.ص 316
[١]آل عمران: ٦.ص 317
[٢]النساء: ١.ص 317
[١]الانعام: ٢.ص 318
[٢]هود: ٦١.ص 318
[٣]الرعد: ٨.ص 318
[٤]النحل: ٤.ص 318
[٥]مريم: ٦٧.ص 318
[٦]الحج: ٥.ص 318
[٧]المؤمنون: ١٢ - ١٦.ص 318
[٨]الروم: ٢٠.ص 318
[٩]لقمان: ١٤.ص 318
[١٠]السجدة: ٧ - 9.ص 318
[١]فاطر: ١١.ص 319
[٢]يس: ٧٧.ص 319
[٣]الزمر: ٦.ص 319
[٤]المؤمن: ٦٧.ص 319
[٥]الشورى: ٤٩ - ٥٠.ص 319
[٦]النجم: ٣٢ - ٤٦.ص 319
[٧]الواقعة: ٥٨ - ٥٩.ص 319
[٨]التغابن: ٣.ص 319
[٩]الملك: ٢٣ - ٢٤.ص 319
[١٠]نوح: ١٣ - 18.ص 319
[١]القيامة: ٣٧ - ٤٠.ص 320
[٢]الدهر: ١ - ٢.ص 320
[٣]المرسلات: ٢٠ - ٢٤.ص 320
[٤]النبأ: ٨.ص 320
[٥]عبس: ١٧ - ٢٣.ص 320
[٦]الانفطار: ٦ - ٨.ص 320
[٧]الطارق: ٥ - 7.ص 320
[1]مجمع البيان: ج 2، ص 408.ص 321
[2]أنوار التنزيل: ج 1، ص 255.ص 321
[4]مجمع البيان: ج 6، ص 280.ص 321
[1]أنوار التنزيل: ج 1، ص 616.ص 322
[2]في المصدر: منطيق مناظر مجادل.ص 322
[3]أنوار التنزيل: ج 1، ص 657.ص 322
[4]في المصدر: إذ خلق آدم منه.ص 322
[5]في المصدر: وهي في الأصل قدر ما يمضغ.ص 322
[1]أنوار التنزيل: ج 2، ص 95 - 96.ص 323
[1]مجمع البيان: ج 8، ص 327 [2] في المصدر: إشعارا.ص 324
[3]أنوار التنزيل: ج 2، ص 260.ص 324
[4]في المصدر: ان حج عمرو فعمره..ص 324
[5]أنوار التنزيل: ج 2، ص 299.ص 324
[2]الشيخوخية (خ).ص 325
[3]في المصدر: لأنها.ص 325
[4]أنوار التنزيل: ج 2، ص 401.ص 325
[1]تفسير القمي:ص 326
[2]تفسير القمي:ص 326