Same indexed hadith bihar-38311; it ends on this printed page after beginning on pages 51-55.
Show complete hadith text
النهاية للشيخ: قال: من توجه إلى القبلة من أهل العراق والمشرق قاطبة، فعليه أن يتياسر قليلا، ليكون متوجها إلى الحرم، بذلك جاء الأثر عنهم عليهم السلام . توفيق وتدقيق وتنقيح وتوضيح اعلم أن القبلة في اللغة الحالة التي عليها الانسان حال استقبال الشئ، ثم نقلت في العرف إلى ما يجب استقبال عينه أو جهته في الصلاة، واختلف الأصحاب فيما يجب استقباله، فذهب المرتضى وابن الجنيد وأبو الصلاح وابن إدريس والمحقق في المعتبر والنافع والعلامة وأكثر المتأخرين إلى أنه عين الكعبة لمن يتمكن من العلم بها، من غير مشقة كثيرة عادة، كالمصلي في بيوت مكة، وجهتها لغيره. وذهب الشيخان وجماعة منهم سلار وابن البراج وابن حمزة والمحقق في الشرايع إلى أن الكعبة قبلة لمن كان في المسجد، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم والحرم قبلة لمن كان خارجا عنه، ونسبه في الذكرى إلى أكثر الأصحاب وادعى الشيخ الاجماع عليه. والظاهر أنه لا خلاف بين الفريقين في وجوب التوجه إلى الكعبة للمشاهد ومن هو بحكمه، وإن كان خارج المسجد، فقد صرح به من أصحاب القول الثاني الشيخ في المبسوط وابن حمزة وابن زهرة ونقل المحقق الاجماع عليه، لكن ظاهر كلام الشيخ في النهاية والخلاف يخالف ذلك، وأيضا الظاهر أن الفريق الثاني أيضا متفقون على أن فرض النائي الجهة لا التوجه إلى عين الحرم، و إن لم يصرحوا بذلك، للاتفاق على وجوب التعويل على الامارات عند تعذر المشاهدة ومعلوم أنها لا تفيد العلم بالمقابلة الحقيقية، لكن المتأخرين فهموا من كلام الفريق الثاني عدم اعتبار الجهة فقالوا يلزم عليهم خروج بعض الصف المستطيل عن سمت القبلة. ثم الظاهر من أكثر الاخبار أن الكعبة هي القبلة عينا أو جهة، وظاهر تلك الأخبار التي نقلناها أخيرا التفصيل الذي اختاره الفريق الثاني، فربما تحمل الاخبار الأولة على المسامحة من حيث إن الكعبة أشرف أجزاء الحرم، والمنظور إليه فيها، ويمكن أن تكون العلة في تلك المسامحة التقية أيضا لان الكعبة قبلة عند جمهور العامة. وربما تحمل الأخبار الأخيرة على أن الغرض فيها بيان اتساع الجهة بحسب البعد، فكلما كان البعد أكثر كانت الجهة أوسع وقد تحمل على التقية أيضا لان العامة رووا مثله عن مكحول بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله وهو بعيد، لأنه خبر شاذ بينهم والمشهور عندهم هو الأول. والحق أن المسألة لا تخلو من إشكال، إذ الاخبار متعارضة، وإن رجحت الاخبار الأولى بقوة أسانيدها وكثرتها فالاخبار الأخيرة معتضدة بالشهرة بين القدماء ومخالفة العامة. وكون التأويل فيها أبعد. والآية غير دالة على أحد المذهبين كما عرفت. فالاحتياط يقتضي استقبال عين الكعبة إذا أمكن، وكذا عين المسجد إذا تيسر وكذا عين الحرم إذا أمكن ذلك، وأما النائي الذي لا يمكنه تحصيل عين الحرم، فالظاهر عدم النزاع في التوجه إلى الجهة، ولا فرق بين جهة الكعبة وجهة الحرم، فان الامارات مشتركة، وأما القول بنفي اعتبار الجهة أصلا فلا يخفى بطلانه. ثم اعلم أن التياسر الذي دل عليه خبر المفضل المشهور بين الأصحاب استحبابه لأهل العراق قليلا، وظاهر الشيخ في النهاية والخلاف والمبسوط الوجوب، واستدل عليه في الخلاف باجماع الفرقة، وبهذه الرواية، وأيدت برواية أخرى مرفوعة وهو مبني على أن قبلة البعيد هي الحرم كما صرح به المحقق. واحتمل العلامة اطراده على القولين، والاجماع غير ثابت، والخبران ضعيفان والتعليل الوارد في هذا الخبر مما يصعب فهمه جدا، إذ لو فرض أن البعيد حصل عين الكعبة، وكان بالنسبة إليه القبلة عين الحرم، كان انحرافه إلى اليسار مما يجعله محاذيا لوسط الحرم، وأنى للبعيد تحصيل عين الكعبة، وعلى تقدير تسليمه فبأدنى انحراف يصير خارجا عن الحرم، بعيدا عنه بفراسخ كثيرة، إلا أن يقال: الجهة مما فيه اتساع كثير، وبالانحراف اليسير لا يخرج عنها، وكون الحرم من جهة اليسار أكثر صار سببا مناسبا لاستحباب الانحراف من تلك الجهة، وفيه أيضا ما ترى. وقد جرى في ذلك مراسلات بين المحقق صاحب الشرايع والمحقق الطوسي قدس الله روحهما، وكتب المحقق الأول رسالة في ذلك، وهي مذكورة في المهذب لابن فهد - ره - ومن أرادها فليرجع إليه، وهو رحمة الله وإن بالغ في المجادلة، وإتمام ما حاوله لكن لم ينفع في حل عمدة الاشكال. والذي يخطر في ذلك بالبال أنه يمكن أن يكون الامر بالانحراف لان محاريب الكوفة وسائر بلاد العراق أكثرها كانت منحرفة عن خط نصف النهار كثيرا مع أن الانحراف في أكثرها يسير بحسب القواعد الرياضية كمسجد الكوفة، فان انحراف قبلته إلى اليمين أزيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا، وكذا مسجد السهلة، ومسجد يونس، ولما كان أكثر تلك المساجد مبنية، في زمن عمر، وسائر خلفاء الجور، لم يمكنهم القدح فيها تقية، فأمروا بالتياسر، وعللوا بتلك الوجوه الخطابية لاسكاتهم، وعدم التصريح بخطاء خلفاء الجور وأمرائهم. وما ذكره أصحابنا من أن محراب مسجد الكوفة محراب المعصوم، لا يجوز الانحراف عنه، إنما يثبت إذا علم أن الإمام عليه السلام بناه، ومعلوم أنه عليه السلام لم يبنه، أو صلى فيه من غير انحراف عنه وهو أيضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة، عند تعمير المسجد في زماننا، ما يدل على خلافه، كما سيأتي ذكره . مع أن الظاهر من بعض الأخبار أن هذا البناء غير البناء الذي كان في زمان أمير المؤمنين عليه السلام بل ظهر لي من بعض الأدلة والقرائن أن محراب مسجد النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة أيضا قد غير عما كان في زمانه صلى الله عليه وآله لأنه على ما شاهدنا في هذا الزمان موافق لخط نصف النهار، وهو مخالف للقواعد الرياضية من انحراف قبلة المدينة إلى اليسار قريبا من ثلاثين درجة، ومخالف لما رواه الخاصة والعامة من أنه صلى الله عليه وآله زويت له الأرض ورأي الكعبة، فجعله بإزاء الميزاب، فان من وقف بحذاء الميزاب يصير القطب الشمالي محاذيا لمنكبه الأيسر، ومخالف لبناء بيت الرسول الذي دفن فيه، مع أن الظاهر أن بناء البيت كان موافقا لبناء المسجد، و بناء البيت أوفق للقواعد من المحراب، وأيضا مخالف لمسجد قبا ومسجد الشجرة و غيرهما من المساجد التي بناها النبي صلى الله عليه وآله أو صلى فيها. ولذا خص بعض الأفاضل ممن كان في عصرنا - ره - حديث المفضل وأمثاله على مسجد المدينة، وقال لما كانت الجهة وسيعة، وكان الأفضل بناء المحراب على وسط الجهات إلا أن تعارضه مصلحة كمسجد المدينة حيث بني محرابه على خط نصف النهار لسهولة استعلام الأوقات، مع أن وسط الجهات فيه منحرف نحو اليسار فلذا حكموا باستحباب التياسر فيه ليحاذي المصلي وسط الجهة المتسعة وسيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد مع الاخبار والقرائن الدالة عليها في كتاب المزار والله أعلم وحججه عليهم السلام بحقائق الاخبار والآثار. والذي يسهل العسر ويهين الامر في ذلك أنه يظهر من الآية والأخبار الواردة في القبلة أن فيها اتساعا كثيرا، وأنه يكفي فيها التوجه إلى ما يصدق عليه عرفا أنه جهة الكعبة، وناحيتها، لما عرفت من تفسير الآية، وأنه لا يستفاد منها إلا الشطر والجهة، ولقولهم عليهم السلام " ما بين المشرق والمغرب قبلة " وقولهم عليهم السلام: ضع الجدي على قفاك وصل، فان بناء الامر على هذه العلامة التي تختلف بحسب البلاد اختلافا فاحشا يرشد إلى توسعة عظيمة، وخلو الاخبار عما زاد على ذلك، وكذا كتب الأقدمين مع شدة الحاجة، وتوفر الدواعي على النقل والمعرفة، وعظم إشفاقهم على الشيعة، مما يؤيد ذلك. والظاهر أنه لا تجب الاستعانة بعلم الهيئة، وتعلم مسائله، لأنه علم دقيق، ومسائلها مبنية على مقدمات كثيرة يحتاج تحصيلها إلى زمان طويل، وهمة عظيمة وفطرة سليمة، والتكليف بذلك لجمهور الناس مباين للشريعة السمحة السهلة، وإن أمكن أن يقال: أكثر مسائل الفقه تحقيقها وترجيحها موقوف على مقدمات كثيرة لا يطلع عليها ولا يحققها إلا أوحدي الناس، وسائر الناس يرجعون إليه بالتقليد فيمكن أن يكون أمر القبلة أيضا كذلك لان الظن الحاصل من ذلك أقوى من سائر الامارات المفيدة له، ولا ريب أنه أحوط وأولى. لكن الحكم بوجوبه وتعيينه مشكل، إذ لو كان ذلك واجبا لكان له في طرق الأصحاب أو سائر فرق المسلمين خبر أو يجئ به أثر، فلما لم يكن ذلك في الاخبار ولا عمل المتقدمين الانسين بسير أهل البيت عليهم السلام علمنا انتفاءه، مع أن غاية ما يحصل عنه بعد بذل غاية الجهد ليس إلا الظن والتخمين، لا القطع واليقين، وكل ذلك لا ينافي كون الرجوع إليه أولى، لكونه أوفق من ساير الظنون وأقوى، والله الموفق للخير والهدى.
الهوامش6
[١]النهاية: ١٤.ص 51
[2]وذلك لقوله تعالى " فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام " والشطر: الناحية والجهة.ص 51
[1]ويؤيد هذا الحمل خبر أبي غرة، إذ لم يقل بظاهره أحد، فلا بد من حمله على ذلك. ومنه رحمة الله بخطه في هامش الأصل.ص 52
[١]رواه الشيخ في التهذيب ج ١ ص ١٤٦.ص 53
[1]راجع ج 100 ص 431 - 434 من كتاب المزار طبعتنا هذه.ص 54
[2]كلام هذا الفاضل وهكذا ما قالوه في ساير المشاهد والمساجد مبنى على تعويلهم على زيج الغ بيك، وأما الان فقد ظهر أن قبلة المدينة - التي أسسها النبي صلى الله عليه وآله - هو الحق الصحيح، وأن مكة والمدينة وقعا على خط واحد من خطوط نصف النهار.ص 54