تفسير : قال البيضاوي : « الله يستهزئ بهم » [١] : يجازيهم على استهزائهم ، سمي جزاء (١) قال الرضى رضوان الله عليه في تلخيص البيان في مجازات القرآن : وهاتان استعارتان : فالاولى منهما إطلاق صفة الاستهزاء على الله سبحانه ، والمراد بها أنه يجازيهم على استهزائهم بارصاد العقوبة لهم فسمى الجزاء على الاستهزاء باسمه ، إذ كان واقعا في مقابلته ، وإنما قلنا : إن الوصف بحقيقة الاستهزاء غير جائز عليه تعالى لانه عكس أوصاف الحكيم وضد طرائق الحليم. والاستعارة الاخرى قوله تعالى : « ويمدهم في طغيانهم يعمهون » إى يمد لهم كأنه يخليهم ، والامتداد عمههم والجماح في غيهم إيجابا للحجة وانتظارا للمراجعة ، تشبيها بمن أرخى الطول للفرس أو الراحلة ليتنفس خناقها ويتسع مجالها. وربما حمل قوله سبحانه : « يخادعون الله والذين آمنوا » على أنه استعارة في بعض الاقوال ، وهو أن يكون المعنى : أنهم يمنون أنفسهم أن لا يعاقبوا وقد علموا أنهم مستحقون للعقاب ، فقد أقاموا أنفسهم بذلك مقام المخادعين ، ولذلك قال سبحانه : « وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون » لان الله تعالى لا يجوز عليه الخداع ولا تخفى عنه الاسرار ، و إذا حمل قوله سبحانه : « يخادعون الله » على أن المراد به يخادعون رسول الله كان من باب إسقاط المضاف ، وجرى مجرى قوله : « واسئل القرية » وأراد أهل القرية. الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة إما لمقابلة اللفظ باللفظ ، أو لكونه مماثلا له في القدر ، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم ، فيكون كالمستهزئ بهم ، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه ، أو يعاملهم معاملة المستهزئ : أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم ، واستدراجهم بالامهال وزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأما في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنة فيسرعون نحوه ، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : « فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ». « ويمدهم في طغيانهم يعمهون » من مد الجيش وأمده : إذا زاده وقواه ، لا من المد في العمر ، فإنه يعدى باللام ، والمعتزلة قالوا : لما منعهم الله ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم وسدهم طريق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم رينا وظلمة ، وتزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا ، أو مكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغيانا ، اسند ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب ، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة ، ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ، وقال : « وإخوانهم يمدونهم في الغي » وقيل : أصله : نمد لهم بمعنى نملي لهم ، ونمد في أعمارهم كي ينتبهوا ويطيعوا ، فما زادوا إلا طغيانا عمها ، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه ، كما في قوله تعالى : « واختار موسى قومه » أو التقدير : يمدهم استصلاحا وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم. وقال في قوله تعالى : « يخادعون الله » : الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو بصدده ، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لانه لا تخفى عليه خافية ، ولانهم لم يقصدوا خديعته ، بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال : « ومن يطع الرسول فقد أطاع الله » وإما أن صورة صنعهم مع الله من إظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم استدراجا لهم ، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين. وقال في قوله تعالى : « ويمكر الله » : برد مكرهم ، أو بمجازاتهم عليه ، أو بمعاملة الماكرين معهم ، بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا. « والله خير الماكرين » إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره ، وإسناد أمثال هذا إنما يحسن للمزاوجة ، ولا يجوز إطلاقها ابتداءا لما فيه من إيهام الذم. وقال في قوله : « سخر الله منهم » : جازاهم على سخريتهم.
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
(باب ٢١) *(نفى العبث وما يوجب النقص من الاستهزاء والسخرية والمكر)* *(والخديعة عنه تعالى وتأويل الايات فيها)* الايات البقرة « ٢ » الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ١٥. النساء « ٤ » يخادعون الله وهو خادعهم ١٤٢. الانفال « ٨ » ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠. التوبة « ٩ » فيسخرون منهم سخر الله منهم ٧٩. يونس «١٠» قل الله أسرع مكرا ٢١. الرعد « ١٣ » وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ٤٢. النمل « ٢٧ » ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ٥٠. الطارق « ٨٦ » إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ١٥ ـ
يد ، مع ، ن : المعاذي ، عن أحمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال :
Show clickable narrator chain
سألت الرضا (ع) عن قول الله عزوجل : « سخر الله منهم » وعن قوله : « الله يستهزئ بهم » وعن قوله : « ومكروا ومكر الله » وعن قوله : « يخادعون الله وهو خادعهم » فقال : إن الله عزوجل لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه عزوجل يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. « يد ص ١٥٤ ، ن ص ٧١ ـ ٧٢ » ج : مرسلا مثله. « ص ٢٢٤ »
م : « يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون » قال موسى بن جعفر (ع) : لما نصب النبي (ص) عليا (ع) يوم غدير خم [١] وأمر عمر وتمام تسعة من رؤساء المهاجرين والانصار أن يبايعوه بإمرة المؤمنين ففعلوا ذلك وتواطؤوا بينهم أن يدفعوا هذا الامر عن علي 7 وأن يهلكوهما ، كان من مواطاتهم أن قال أولهم :
Show clickable narrator chain
ما اعتددت بشئ كاعتدادي بهذه البيعة ولقد رجوت أن يفسح الله بها لي في قصور الجنان ويجعلني فيها من أفضل النزال والسكان!. وقال ثانيهم : بأبي أنت وأمي يارسول الله ما وثقت بدخول الجنة والنجاة من النار إلا بهذه البيعة والله ما يسرني إن نقضتها أو نكثت بعدما اعطيت وإن لي طلاع ما بين الثرى إلى العرش لآلي رطبة وجواهر فاخرة. وقال ثالثهم : والله يارسول الله لقد صرت من الفرح بهذه البيعة ومن السرور الفسيح من الآمال في رضوان الله ما أيقنت أنه لو كانت ذنوب أهل الارض كلها علي لمحصت عني بهذه البيعة ـ وحلف على ما قال من ذلك ـ ثم تتابع بمثل هذا الاعتذار من بعدهم من الجبابرة والمتمردين ، فقال الله عزوجل لمحمد 9 : « يخادعون الله » (١) قال الفيروز آبادى في القاموس : غدير خم : موضعه على ثلاثة أميال من الجحفة بين الحرمين. يعني يخادعون رسول الله 9 بأيمانهم خلاف ما في جوانحهم « والذين آمنوا » كذلك أيضا الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب 7. ثم قال : « وما يخدعون إلا أنفسهم » ما يضرون بتلك الخديعة إلا أنفسهم فإن الله غني عنهم وعن نصرتهم ، ولولا إمهاله لهم ما قروا على شئ من فجورهم وطغيانهم « وما يشعرون » أن الامر كذلك وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم وكذبهم وكفرهم ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين ، وذلك اللعن لا يفارقهم ، في الدنيا يلعنهم خيار عباد الله ، وفي الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله « وإذا لقوا الذين آمنوا » إلى قوله : « يعمهون » قال موسى (ع) : وإذا لقي هؤلاء الناكثون للبيعة ، المواطؤن [١] على مخالفة علي (ع) ودفع الامر عنه ، الذين آمنوا قالوا آمنا كإيمانكم ، إذا لقوا سلمان والمقداد و أباذر وعمار قالوا آمنا بمحمد وسلمنا له بيعة علي وفضله كما آمنتم ، وأن أولهم وثانيهم وثالثهم إلى تاسعهم ربما كانوا يلتقون في بعض طرقهم مع سلمان وأصحابه فإذا لقوهم اشمأزوا منهم وقالوا : هؤلاء أصحاب الساحر والاهوج ـ يعنون محمدا و عليا 8 ـ فيقول أولهم : انظروا كيف أسخر منهم وأكف عاديتهم عنكم ، فإذا التقوا قال أولهم : مرحبا بسلمان بن الاسلام ، ويمدحه بما قال النبي 9 فيه ، وكذا كان يمدح تمام الاربعة ، فلما جازوا عنهم كان يقول الاول كيف رأيتم سخريتي لهؤلاء كفي عاديتهم عني وعنكم ، فيقول له : لا نزال بخير ما عشت لنا ، فيقول لهم : فهكذا فلتكن معاملتكم لهم إلى أن تنتهزوا الفرصة فيهم مثل هذا ، فإن اللبيب العاقل من تجرع على الغصة حتى ينال الفرصة ، ثم يعودون إلى أخدانهم من المنافقين المتمردين المشاركين لهم في تكذيب رسول الله 9 فيما أداه إليهم عن الله عزوجل من ذكر تفضيل أميرالمؤمنين 7 ونصبه إماما على كافة المسلمين ، قالوا لهم : إنا معكم فيما واطأناكم عليه من دفع علي عن هذا الامر إن كانت لمحمد كائنة ، فلا يغرنكم ولا يهولنكم ما تسمعونه منا من تقريظهم وترونا نجترئ عليهم من مداراتهم فإنا نحن مستهزؤون بهم ، فقال الله عزوجل : « الله يستهزئ بهم » يجازيهم جزاء استهزائهم في الدنيا [١]أى الموافقون والمساهمون. والآخرة « ويمدهم في طغيانهم يعمهون » يمهلهم ويتأتى بهم ويدعوهم إلى التوبة ، ويعدهم إذا تابوا المغفرة ، وهم يعمهون لا يرعوون عن قبيح ولا يتركون أذى بمحمد وعلي يمكنهم إيصاله إليهما إلا بلغوه. قال العالم 7 : أما استهزاء الله بهم في الدنيا فهو إجراؤه إياهم على ظاهر أحكام المسلمين لاظهارهم السمع والطاعة ، وأما استهزاؤه بهم في الآخرة فهو أن الله عزوجل إذا أقرهم في دار اللعنة والهوان وعذبهم بتلك الالوان العجيبة من العذاب وأقر هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة محمد صفي الله الملك الديان أطلعهم على هؤلاء المستهزئين بهم في الدنيا حتى يروا ما هم فيه من عجائب اللعائن وبدائع النقمات فيكون لذتهم وسرورهم بشماتتهم كلذتهم وسرورهم بنعيمهم في جنان ربهم ، فالمؤمنون يعرفون اولئك الكافرين المنافقين بأسمائهم وصفاتهم ، والكافرون والمنافقون ينظرون فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا يسخرون لما كانوا من موالاة محمد وعلي و آلهما يعتقدون ، فيرونهم في أنواع الكرامة والنعيم ، فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون على هؤلاء الكافرين المنافقين : يافلان! ويا فلان! ويا فلان! ـ حتى ينادوهم بأسمائهم ـ ما بالكم في مواقف خزيكم ماكثون؟ هلموا إلينا نفتح لكم أبواب الجنان لتخلصوا من عذابكم وتلحقوا بنا ، فيقولون : ياويلنا أنى لنا هذا؟ فيقول المؤمنون : انظروا إلى هذه الابواب ، فينظرون إلى أبواب من الجنان مفتحة يخيل إليهم أنها إلى جهنم التي فيها يعذبون ، ويقدرون أنهم يتمكنون من أن يخلصوا إليها فيأخذون في السباحة في بحار حميمها ، وعدوا من بين أيدي زبانيتها ، [١] وهم يلحقونهم يضربونهم بأعمدتهم و مرزباتهم وسياطهم فلا يزالون هكذا يسيرون هناك ، وهذه الاصناف من العذاب تمسهم حتى إذا قدروا أن قد بلغوا تلك الابواب وجدوها مردومة عنهم ، و (١) قال الجوهرى : الزبانية عند العرب : الشرط. وسموا بها بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها. تدهدههم الزبانية [١] بأعمدتها فتنكسهم إلى سواء الجحيم ، ويستلقي اولئك المؤمنون على فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم ، مستهزئين بهم ، فذلك قول الله عزوجل : « فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الارائك ينظرون ».
الهوامش · 3⌄
[٢]جمع « المرزبة » وقد يشدد الباء : عصية من حديد.ص 53
[٣]أى مسدودة.ص 53
[٢]أى لا مماسة ولا مخالطة ، لا أمس ولا امس ، عوقب السامرى في الدنيا بالمنع من مخالطة الناس ، وحرم عليهم مكالمته ومخالطته ومجالسته ومؤاكلته ، فاذا اتفق أن يماس أحدا حم الماس والممسوس ، فكان يهيم في البرية مع الوحش ، وإذا لقى أحدا قال : لا مساس ، أى لا تقربنى ولا تماسنى.ص 54