رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٠٦) من كتاب نهج البلاغة. الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، الظاهر لقلوبهم بحجته، خلق الخلق من غير روية، إذ كانت الرويات لا تليق بذوي الضمائر، وليس بذي ضمير في نفسه. خرق علمه باطن غيب السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات. [و] منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله:
Show clickable narrator chain
اختاره من شجرة الأنبياء ومشكاة الضياء وذؤابة العلياء وسرة البطحاء ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة. [و] منها: طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع من ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة. لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة، فهم في ذلك كالأنعام السائمة والصخور القاسية. قد انجابت السرائر لأهل البصائر، ووضحت محجة الحق لخابطها، وأسفرت الساعة عن وجهها، وظهرت العلامة لمتوسمها. مالي أراكم أشباحا بلا أرواح! وأرواحا بلا أشباح! ونساكا بلا صلاح! وتجارا بلا أرباح! وأيقاظا نوما! وشهودا غيبا وناظرة عمياء! وسامعة صماء! وناطقة بكماء!. راية ضلالة قد قامت على قطبها، وتفرقت بشعبها، تكيلكم بصاعها وتخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملة على الضلة، فلا يبقى يومئذ [منكم] إلا ثفالة كثفالة القدر، أو نفاضة كنفاضة العكم، تعرككم عرك الأديم، وتدوسكم دوس الحصيد، وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبة البطينة من بين هزيل الحب! أين تذهب بكم المذاهب! وتتيه بكم الغياهب وتخدعكم الكواذب! ومن أين تؤتون! وأنى تؤفكون! فلكل أجل كتاب، ولكل غيبة إياب، فاستمعوا من ربانيكم، وأحضروه قلوبكم، واستيقظوا إن هتف بكم، وليصدق رائد أهله، وليجمع شمله، وليحضر ذهنه، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة وقرفه قرف الصمغة. فعند ذلك أخذ الباطل مأخذه وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطاغية وقلت الداعية، وصال الدهر صيال السبع العقور، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم، وتواخى الناس على الفجور، وتهاجروا على الدين، وتحابوا على الكذب، وتباغضوا على الصدق. فإذا كان ذلك كان الولد غيظا، والمطر قيضا، وتفيض اللئام فيضا، وتغيض الكرام غيضا. وكان أهل ذلك الزمان ذئابا، وسلاطينه سباعا، وأوساطه أكالا، وفقراؤه أمواتا، وغار الصدق وفاض الكذب، واستعملت المودة باللسان، وتشاجر الناس بالقلوب، وصار الفسوق نسبا، والعفاف عجبا، ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا! الملحمة هي الحرب أو الوقعة العظيمة فيها. وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى. وقيل: [هي مأخوذة] من اللحم. والتجلي: الانكشاف. والخلق الثاني يحتمل المصدر والمخلوق. والروية: التفكر. والمراد بالضمير إما القلب أو ما يضمر من الصور. قوله عليه السلام: " في نفسه ": أي كائن في نفسه أو في حد ذاته إذا تأمل فيه متأمل بنظر صحيح والغامض من الأرض: المطمئن. ومن الكلام وغيره خلاف الواضح. والمشكاة: كوة غير نافذة يجعل فيها المصباح، أو عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، أو القنديل. والذؤابة بالضم مهموزا: الناصية أو منبتها من الرأس. والعلياء بالفتح والمد كل مكان مشرف، والسماء، ورأس الجبل. وسرة البطحاء: وسطها تشبيها بسرة الإنسان. والبطحاء والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. قيل: استعار [عليه السلام] الشجرة لصنف الأنبياء عليهم السلام وفروعها أشخاصهم وثمرتها العلوم والكمالات. ومشكاة الضياء لآل إبراهيم عليه السلام، وذؤابة العلياء لقريش، وسرة البطحاء لمكة، والمصابيح والينابيع هم الأنبياء عليهم السلام. والمراد بالطبيب: نفسه عليه السلام. والدوران بالطب: إتيان المرضى وتتبعهم، فهو تعريض للأصحاب بقعودهم عما يجب عليهم. أو المراد بيان كمال الطبيب، فإن الدوار أكثر تجربة من غيره كما قيل. والمرهم: طلاء لين يطلى به الجرح مشتق من الرهمة بالكسر وهي المطر الضعيف وإحكامها: إتقانها ومنعها عن الفساد. والوسم: أثر الكي والميسم - بالكسر -: المكواة. وأحماها: أي أسخنها ولعل إحكام المراهم إشارة إلى البشارة بالثواب، أو الأمر بالمعروف. وإحماء المواسم: [إشارة] إلى الإنذار من العقاب، أو النهي عن المنكر وإقامة الحدود. وقدح بالزند - كمنع -: رام الإيراء به واستخرج النار منه. والزند - بالفتح -: العود الذي يقدح به النار. وثقبت النار اتقدت. وثقب الكواكب: أضاء. والقاسية: الشديدة والغليظة. وانجابت السحابة: انكشفت. والمراد بالسرائر، ما أضمره المعاندون للحق في قلوبهم من إطفاء نور الله وهدم أركان الشريعة. وقيل: إشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسية ولأهل البصائر من استيلاء بني أمية وعموم ظلمهم. أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها. والخابط: السائر على غير هدى ولعل المراد أن ضلالهم ليس لخفاء الحق، بل للاصرار على الشقاوة والنفاق. وسفر الصبح وأسفر: أضاء وأشرق. وأسفرت المرأة: كشفت عن وجهها. والمراد بإسفار الساعة وظهور العلامة: قرب القيامة بعدم بقاء نبي ينتظر بعثته، وظهور الفتن والوقائع التي هي من أشراطها. والشبح - بالتحريك -: سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد. والمراد بكونهم أشباحا بلا أرواح: تشبيههم بالجمادات والأموات في عدم الانتفاع بالعقل، وعدم تأثير المواعظ فيهم كما قال تعالى: (كأنهم خشب مسندة) [٤ / المنافقون: ٦٣]. وأما كونهم أرواحا بلا أشباح فقيل: المراد بيان نقصهم، لأن الروح بلا جسد ناقصة عاطلة عن الأعمال. وقيل: إشارة إلى خفتهم وطيشهم في الأفعال. وقيل: المراد أن منهم من هو كالجماد والأموات، ومنهم من له عقل وفهم ولكن لا قوة له على الحرب، فالجميع عاطلون عما يراد بهم. وقيل: المراد أنهم إذا خافوا ذهلت عقولهم وطارت ألبابهم، فكانوا كأجسام بلا أرواح، وإذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنهم أرواح لا تعلق لهم بالأجسام. والنساك: العباد: أي ليست عبادتهم مقرونة بالإخلاص وعلى الوجه المأمور به ومع الشرائط المعتبرة، فإن منها معرفة الإمام وطاعته. وكونهم تجارا بلا أرباح لعدم ترتب الثواب على أعمالهم. وقوله عليه السلام: " راية ضلالة ": منقطع عما قبله التقطه السيد [الرضي] رضي الله عنه من كلامه [عليه السلام] على عادته، وكأنه إشارة إلى ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني وغيره. والقطب: حديدة تدور عليها الرحى، وملاك الأمر ومداره وسيد القوم. وقيامها على قطبها كناية عن انتظام أمرها وتفرق شعبها عن انتشار فتنتها في الآفاق وتولد فتن أخر عنها. وقيل: ليس التفرق للراية نفسها، بل لنصارها وأصحابها. وحذف المضاف، ومعنى تفرقهم أنهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرقة. [قوله عليه السلام:] " وتكيلكم بصاعها ": أي تأخذهم للإهلاك زمرة زمرة، كالكيال يأخذ ما يكيله جملة جملة. أو يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم، ويتلاعبون بكم يرفعونكم ويضعونكم كما يفعل كيال البر بها إذا كاله بصاعه. أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللام كما في قوله تعالى: (وإذا كالوهم) [٣ / المطففين: ٣٦]: أي تحملكم على دينها ودعوتها، وتعاملكم بما يعامل به من استجاب لها أو تفرز لكم من فتنها شيئا ويصل إلى كل منكم نصيب منها. والخبط - بالفتح -: ضرب الشجر بالعصى ليتناثر ورقها، وخبط البعير الأرض بيده خبطا: أي ضربها. والكلام على الوجهين يفيد الذلة والانقهار. والقيام على الضلة: الاصرار على الضلال. وثفالة القدر - بالضم -: ما ثفل فيه من الطبيخ، وهي كناية عن الأراذل ومن لا ذكر له بين الناس لعدم الاعتداد بقتلهم. والنفاضة - بالضم -: ما سقط من النفض. والعكم - بالكسر -: العدل، ونمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها. [و] قال [ابن الأثير] في [مادة " عكم " من] النهاية: العكوم: الأحمال التي تكون فيها الأمتعة وغيرها، واحدها عكم بالكسر، ومنه حديث علي عليه السلام: " نفاضة كنفاضة العكم ". انتهى. والمراد بها ما يبقى في العدل بعد التخلية من غبار أو بقية زاد لا يعبأ بها فتنفض. وعركه - كنصره -: دلكه وحكه. والأديم: الجلد أو المدبوغ منه. وداس الرجل الحنطة: دقها ليخرج الحب من السنبل. والحصيد الزرع المقطوع. واستخلصه لنفسه: أي استخصه. والغرض تخصيص المؤمن بالقتل والأذى. والبطينة: السمينة. والهزيل ضد السمين. قوله عليه السلام: " أين تذهب بكم " الباء في الموضعين للتعدية. والمذاهب: الطرق والعقائد وإسناد الإذهاب إليها على التجوز للمبالغة. وتاه يتيه تيها - بالفتح والكسر -: أي تحير وضل. والغيهب: الظلمة والشديد السواد من الليل. والكواذب: الأماني الباطلة والأوهام الفاسدة. قوله [عليه السلام:] " ومن أين تؤتون " على بناء المجهول: أي من أي جهة وطريق يأتيكم من يضلكم من الشياطين أو تلك الأمراض! " وأنى تؤفكون ": أي أنى تصرفون عن قصد السبيل! وأين تذهبون!. قوله عليه السلام: " فلكل أجل كتاب ": أي لكل أمد ووقت حكم مكتوب على العباد. والإياب - بالكسر -: الرجوع. قيل: هذا الكلام منقطع عما قبله. وقيل: تهديد بالإشارة إلى قرب الموت، وأنهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم. والرباني: منسوب إلى الرب، وفسر بالمتأله العارف بالله، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله، أو العالم المعلم، والمراد: نفسه عليه السلام. وإحضار القلب: الإقبال التام إلى كلامه ومواعظه. قوله عليه السلام: " إن هتف بكم " بكسر الهمزة وفي بعض النسخ بالفتح: أي لهتافه بكم وهو الصياح. والرائد: الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث، وفي المثل: " لا يكذب الرائد أهله ". ولعل المراد بالرائد: نفسه عليه السلام: أي وظيفتي وشأني الصدق فيما أخبركم به مما تردون عليه من الأمور المستقبلة في الدنيا والآخرة، كما أن وظيفتكم الاستماع وإحضار القلب. والشمل ما تشتت من الأمر والمراد به الأفكار والعزائم: أي يجب علي التوجه إلى نصحكم وتذكيركم بقلب فارغ عن الوساوس والشواغل، وإقبال تام على هدايتكم. ويحتمل أن يراد بالشمل من تفرق من القوم في فيافي الضلالة. والفاعل في [قوله] " فلق " هو الرائد. وقيل: المراد بالرائد: الفكر، لكونه مبعوثا من قبل النفس في طلب مرعاها وماء حياتها من العلوم وسائر الكمالات، فكنى به عنه وأهله هو النفس، فكأنه عليه السلام قال: فلتصدق أفكاركم ومتخيلاتكم نفوسكم، وصدقها إياها تصرفها على حسب إشارة العقل بلا مشاركة الهوى. أو المراد بالرائد: أشخاص من حضر عنده، فإن كلا منهم له أهل وقبيلة يرجع إليهم، فأمرهم أن يصدقهم بتبليغ ما سمع على الوجه الذي ينبغي والنصيحة والدعوة إليه. وقوله [عليه السلام:] " وليجمع شمله ": أي ما تفرق وتشعب من خواطره في أمور الدنيا ومهماتها. " وليحضر ذهنه ": أي يوجهه إلى ما أقول. انتهى. والفلق: الشق. والخرزة - بالتحريك -: الجوهر. " وقرفه قرف الصمغة ": أي قشره كما تقشر الصمغة من عود الشجرة وتقلع، لأنها إذا قلعت لم يبق لها أثر، وهذا مثل، والمعنى أوضح لكم أمر الفتن أو طريق الحق إيضاحا تاما، فأظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقها، ولا أدخر عنكم شيئا بل ألقي الأمر بكليته إليكم. قوله عليه السلام: " فعند ذلك " قيل: هو متصل بقوله: " من بين هزيل الحب "، فيكون التشويش من السيد رضي الله عنه. ويمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين. [قوله عليه السلام:] " وأخذ الشئ مآخذه ": أي تمكن واستحكم. والطاغية مصدر بمعنى الطغيان أو صفة محذوف: أي الفئة الطاغية. وكذا الداعية تحتمل الوجهين. وفي بعض النسخ " الراعية " بالراء المهملة. والفنيق: الفحل من الإبل " وهدر " ردد صوته في حنجرته في غير شقشقة. والكظوم: الامساك والسكوت. وكون الولد غيظا لكثرة العقوق أو لاشتغال كل امرء بنفسه، فيتمنى أن لا يكون له ولد. والمطر قيضا. بالضاد المعجمة: أي كثيرا. قيل: إنه من علامات تلك الشرور أو من أشراط الساعة. وقيل: إنه أيضا من الشرور إذا جاوز الحد. وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة: وهو صميم الصيف وهو المطابق لما في النهاية، قال: ومنه حديث أشراط الساعة: " أن يكون الولد غيضا والمطر قيضا "، لأن المطر إنما يراد للنبات وبرد الهواء، والقيظ ضد ذلك انتهى. وحينئذ يحتمل أن يكون المراد تبدل المطر بشدة الحر وقلة المطر، أو كثرته في الصيف دون الربيع والشتاء. أو المراد أنه يصير سببا لاشتداد الحر لكثرته في الصيف، إذ تثور به الأبخرة ويفسد الهواء، أو يصير على خلاف العادة سببا لشدة الحر. " وتفيض اللئام ": أي تكثر. و " تغيض الكرام ": أي تقل. [قوله عليه السلام:] " وأهل ذلك الزمان ": أي أكابرهم. " أكالا " بالضم والتشديد: جمع آكل. وقال بعض الشارحين: روي " أكالا " بفتح الهمزة وتخفيف الكاف يقال: ما ذقت أكالا: أي طعاما، وقال: لم ينقل هذا إلا في النفي، فالأجود الرواية الأخرى وهي " آكالا " بمد الهمزة على أفعال جمع أكل وهو ما أكل، وقد روي " أكالا " بضم الهمزة على فعال. وقالوا: إنه جمع آكل للمأكول كعرق وعراق، إلا أنه شاذ: أي صار أوساط الناس طعمة للولاة وأصحاب السلاطين كالفريسة للأسد. وغار الماء: ذهب في الأرض. وفاض: أي كثر حتى سال. وفي بعض النسخ " وفار الكذب ". قوله عليه السلام: " وصار الفسوق نسبا ": أي يحصل أنسابهم من الزنا. وقيل: أي يصير الفاسق صديقا للفاسق حتى يكون ذلك كالنسب بينهم. وأما لبسهم الإسلام لبس الفرو فالظاهر أن المراد به: تبديل شرائع الإسلام وقلب أحكامه، أو إظهار النيات الحسنة والأفعال الحسنة وإبطان خلافها. وقيل: وجه القلب، أنه لما كان الغرض الأصلي من الإسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب ويظهر به منفعة، فقلب المنافقون غرضه واستعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم، فأشبه قلبهم له لبس الفرو، إذ كان أصله أن يكون حمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الذي هو لباسه، فاستعمله الناس مقلوبا.