وقال أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني ره في كتاب الأنوار: روي عن أمير المؤمنين أنه قال:
Show clickable narrator chain
كان الله ولا شئ معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام، فلما خلق الله تعالى نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله بقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفا يسبحه ويحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد والمريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته، فتلألأ نوره وارتفع شعاعه، فخلق الله منه اثني عشر حجابا أولها حجاب القدرة، ثم حجاب العظمة، ثم حجاب العزة، ثم حجاب الهيبة، ثم حجاب الجبروت، ثم حجاب الرحمة، ثم حجاب النبوة، ثم حجاب الكبرياء، ثم حجاب المنزلة، ثم حجاب الرفعة، ثم حجاب السعادة، ثم حجاب الشفاعة، ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل في حجاب القدرة، فدخل وهو يقول: سبحان العلي الأعلى وبقي على ذلك اثني عشر ألف عام، ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة، فدخل وهو يقول: سبحان عالم السر وأخفى، أحد عشر ألف عام، ثم دخل في حجاب العزة وهو يقول: سبحان الملك المنان، عشرة آلاف عام ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول: سبحان من هو غني لا يفتقر، تسعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول: سبحان الكريم الأكرم، ثمانية آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول: سبحان رب العرش العظيم، سبعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب النبوة وهو يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، ستة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الكبرياء وهو يقول: سبحان العظيم الأعظم، خمسة آلاف عام، ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول: سبحان العليم الكريم، أربعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرفعة وهو يقول: سبحان ذي الملك والملكوت، ثلاثة آلاف عام، ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول: سبحان من يزيل الأشياء ولا يزول، ألفي عام، ثم دخل في حجاب الشفاعة وهو يقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، ألف عام. قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: ثم إن الله تعالى خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله عشرين بحرا من نور، في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى ثم قال لنور محمد صلى الله عليه وآله: انزل في بحر العز فنزل، ثم في بحر الصبر، ثم في بحر الخشوع، ثم في بحر التواضع، ثم في بحر الرضا، ثم في بحر الوفاء، ثم في بحر الحلم، ثم في بحر التقى، ثم في بحر الخشية، ثم في بحر الإنابة، ثم في بحر العمل، ثم في بحر المزيد، ثم في بحر الهدى، ثم في بحر الصيانة، ثم في بحر الحياء، حتى تقلب في عشرين بحرا، فلما خرج من آخر الأبحر قال الله تعالى: يا حبيبي ويا سيد رسلي ويا أول مخلوقاتي ويا آخر رسلي، أنت الشفيع يوم المحشر فخر النور ساجدا. ثم قال : فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا من الأنبياء فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمد صلى الله عليه وآله كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام، وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون: سبحان من هو عالم لا يجهل، سبحان من هو عليم لا يعجل، سبحان من هو غني لا يفتقر. فناداهم الله تعالى: تعرفون من أنا؟ فسبق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل الأنوار ونادى: أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، رب الأرباب، وملك الملوك. فإذا بالنداء من قبل الحق: أنت صفيي، وأنت حبيبي، وأنت خير خلقي، أمتك خير أمة أخرجت للناس. ثم خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله جوهرة وقسمها قسمين، فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماء عذبا، ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الكرسي من نور العرش، وخلق من نور الكرسي اللوح، وخلق من نور اللوح القلم، وقال له: اكتب توحيدي، فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى، فلما أفاق قال: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فلما سمع القلم اسم محمد صلى الله عليه وآله خر ساجدا وقال: سبحان الواحد القهار، سبحان العظيم الأعظم، ثم رفع رأسه من السجود وكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ثم قال: يا رب ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك، وذكره بذكرك؟ قال الله تعالى له: يا قلم، فلولاه ما خلقتك، ولا خلقت خلقي إلا لأجله، فهو بشير ونذير، وسراج منير، وشفيع وحبيب، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد، ثم قال القلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال الله تعالى: وعليك السلام مني ورحمة الله وبركاته، فلأجل هذا صار السلام سنة والرد فريضة، ثم قال الله تعالى: اكتب قضائي وقدري وما أنا خالقه إلى يوم القيامة. ثم خلق الله ملائكة يصلون على محمد وآل محمد، ويستغفرون لامته إلى يوم القيامة، ثم خلق الله تعالى من نور محمد صلى الله عليه وآله الجنة وزينها بأربعة أشياء: التعظيم والجلالة والسخاء والأمانة، وجعلها لأوليائه وأهل طاعته، ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق من دخانها السماوات، ومن زبدها الأرضين فلما خلق الله تبارك وتعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الله الجبال فأرساها بها، ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الأرض، ثم لم يكن لقدمي الملك قرار، فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق لها ثورا عظيما لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه واسم ذلك الثور (لهوتا) ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا عظيما واسم ذلك الحوت (به موت) فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت فالأرض كلها على كاهل الملك، والملك على الصخرة، والصخرة على الثور، والثور على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة. ثم خلق الله تعالى العرش من ضيائين: أحدهما الفضل، والثاني العدل، ثم أمر الضيائين فانتفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء ثم خلق من العقل الخوف، وخلق من العلم الرضا، ومن الحلم المودة، ومن السخاء المحبة، ثم عجن هذه الأشياء في طينة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وآله فلما تكاملت الأنوار سكن نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى، فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الثانية، ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد [الله] أن يخلق آدم عليه السلام إلى آخر ما مر في المجلد السادس.
الهوامش3
[2]هو الشيخ الجليل أحمد بن عبد الله بن محمد البكري صاحب كتاب الأنوار في مولد النبي صلى الله عليه وآله وكتاب مقتل أمير المؤمنين عليه السلام وكتاب وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام أحد مشايخ الشهيد الثاني، سمع عليه بمصر جملة من الكتب في الفقه والتفسير وبعض شرحه على المنهاج، كان كثير الأبهة والمهابة عند العوام والدولة، وكان إذا حج يجاور سنة ويقيم بمصر سنة، ويحج ومعه من الكتب عدة أحمال. توفى رحمه الله سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة بمصر، وكان يوم موته يوما عظيما لكثرة الجمع، ودفن بجانب قبر الشافعي، وبنو أعليه قبة عظيمة.ص 198
[1]في بعض النسخ: ثم قام.ص 200
[2]في المخطوطة: (حليم) وهو الأظهر.ص 200