وفي رواية: لعن الله الذي وسمه . * (باب 10) * النحل والنمل وسائر ما نهى عن قتله من الحيوانات، وما يحل قتله منها من الحيات والعقارب والغربان وغيرها والنهى عن حرق الحيوانات وتعذيبها الآيات:
Show clickable narrator chain
المائدة 5: فبعث الله غرابا الآية 30. النحل 16: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون 68 و 69. النمل 27: حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها - إلى قوله تعالى - وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين الآيات 18 - 21. تفسير: قد مرت قصة الغراب الذي علم قابيل كيف يواري جسد هابيل عليه السلام حين قتله قوله تعالى: " وأوحى ربك " قال الرازي يقال: وحى وأوحى وهو الالهام، و المراد من الالهام أنه تعالى قرر في نفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول أنها تبنى البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار، والثاني أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة ما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء تلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية و الدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. والثالث: أن النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه، وذلك أيضا من الأعاجيب. والرابع أنها إذا ذهبت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقي، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذه أيضا حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ليس إلا على سبيل الالهام وهو حالة شبيهة بالوحي، لاجرم قال تعالى في حقها: " وأوحى ربك إلى النحل " واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " وفي الأولياء أيضا قال تعالى: " وإذا أوحيت إلى الحواريين " وبمعنى الالهام في حق البشر " وأوحينا إلى أم موسى " وفي حق سائر الحيوان خاص وقال الزجاج: يجوز أن يقال: سمى هذا الحيوان نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين الواحدة إلا الهاء " أن اتخذي " أن مفسرة لان في الايحاء معنى القول " ومما يعرشون " أي يبنون ويسقفون، وقرء بضم الراء وكسرها. واعلم أن النحل نوعان: أحدهما ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس، والنوع الثاني التي يسكن بيوت الناس ويكون في تعهدات الناس فالأول هو المراد بقوله: " أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر " والثاني هو المراد بقوله: " ومما يعرشون " وإنما قال: " من الجبال ومن الشجر " لئلا تبنى بيوتها في كل جبل وشجر بل في مساكن يوافق مصالحها ويليق بها، واختلفوا في هذا الامر: فمن الناس من يقول: لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول وأن يتوجه عليها من الله أمر ونهي، وقال آخرون: ليس الامر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبايع توجب هذه الأحوال " ثم كلي من كل الثمرات " من للتبعيض أو لابتداء الغاية، رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي، ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة الصور متفرقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة، أما القسم الثاني فإنه مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وذلك محسوس، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل تلتقط تلك الذرات من الأزهار و أوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء ثم تذهب بها إلى بيوتها وتضعها هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شئ كثير فذاك هو العسل. ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بطنه عسلا، ثم إنها تقئ مرة أخرى فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة للاستقراء فان طبيعة الترنجبين قريبة إلى العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار، فكذا هاهنا، وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما تغتذي بالعسل، ولذلك فانا إذا أخرجنا العسل من بيوت النحل تركنا لها بقية من ذلك العسل لأجل أن تغتذي بها، فعلمنا أنها تغتذي بالعسل، و أنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الاجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: " كلى من كل الثمرات " كلمة " من " ها هنا تكون لابتداء الغاية ولا تكون للتبعيض على هذا القول " فاسلكي سبل ربك أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك، وفي قوله: " ذللا " قولان: الأول أنه حال من السبل لان الله تعالى ذللها لها ووطئها وسهلها كقوله: " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا " . الثاني أنه حال من الضمير في قوله " فاسلكي " أي وائتي يا أيتها النحل ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة " يخرج من بطونها " هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة، والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الانسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلى، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الانسان وقال: إنما ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، ثم إنا ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: " يخرج من بطونها " أي من أفواهها، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنا، ألا ترى أنهم يقولون: " بطون الدماغ " وعنوا بها تجاويف الدماغ فكذا ههنا " يخرج من بطونها " أي أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر وهو أن النحل تأكل الأوراق والثمرات ثم تقئ فذلك هو العسل فالكلام ظاهر، ثم وصف العسل بكونه شرابا لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة، وبأنه مختلف ألوانه والمقصود منه إبطال القول بالطبع لهذا الجسم مع كونه متشابه الطبيعة، لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل إيجاب الطبيعة، وبأن فيه شفاء للناس وفيه قولان: الأول وهو الصحيح أنه صفة للعسل. فان قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرار؟ قلنا: إنه تعالى لم يقل: إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء في الجملة، إنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله يحصل بالعجن بالعسل وأيضا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع. والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد أن القرآن فيه شفاء للناس، و على هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: " مختلف ألوانه " ثم ابتدأ وقال: " فيه شفاء للناس " أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة مثل هذا الذي مر في قصة النحل، وعن ابن مسعود أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن فيه شفاء لما في الصدور. واعلم أن هذا القول ضعيف من وجهين الأول أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: " شراب مختلف ألوانه " وأما الحكم بعوده إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. الثاني ما روى أبو سعيد الخدري أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلا، فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم تغن عنه فقال عليه السلام: " اذهب فاسقه عسلا " وقال: " صدق الله وكذب بطن أخيك " فسقاه فبرأ كأنما نشط من عقال. وحملوا قوله: " صدق الله " على قوله تعالى: " فيه شفاء للناس " وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل. فان قال قائل: فما المراد من قوله عليه السلام: صدق الله وكذب بطن أخيك؟ قلنا: العلة أنه عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان هذا جاريا مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ انتهى . وآيات النمل قد مر تفسيرها وتدل على شرافة في الجملة للنملة وعلى بعض ما سيأتي ذكره، وكذا آيات الهدهد تدل على كرامته وبعض ما سيأتي من أحواله وقد مضت قصته وسيأتي بعضها. وقال الدميري في حياة الحيوان: النحل: ذباب العسل، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " الذباب كله في النار إلا النحل " وواحدة النحل نحلة، و قرأ يحيى بن وثاب: " وأوحى ربك إلى النحل " بفتح الحاء والجمهور بالاسكان قال الزجاج في تفسير سورة النساء: سميت نحلا لان الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها، إذا النحلة العطية، وكفاها شرفا قول الله عز وجل: " وأوحى ربك إلى النحل " فأوحى الله سبحانه وتعالى إليها فأثنى عليها، فعلمت مساقط الأنوار من وراء البيداء فتقع هناك على كل نورة عبقة وزهرة أنقة ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا . قال في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر: " يوم الرحمة " إذ أوحى الله تعالى فيه إلى النحل صنعة العسل فبين سبحانه أن في النحل أعظم اعتبار، وهو حيوان فهيم ذو كيس وشجاعة ونظر في العواقب ومعرفة بفصول السنة وأوقات المطر وتدبير المراتع والمطاعم، والطاعة لكبيرة والاستكانة لاميره وقائده، وبديع الصنعة و عجيب الفطرة. قال أرسطو: النحل تسعة أصناف: منها ستة يأوي بعضها إلى بعض وغذاؤها من الفضول الحلوة والرطوبات التي ترشح بها الزهر والورق، ويجمع ذلك كله ويدخره وهو العسل وأوعيته، ويجمع مع ذلك رطوبات دسمة يتخذ منها بيوت العسل وهي الشمع، وهو يلقطها بخرطومه ويحملها على فخذيه وينقلها من فخذيه إلى صلبه هكذا. قال: والقرآن يدل على أنها ترعى الزهر فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه من أفواهها، فيجمع منه القناطير المقنطرة، قال تعالى: " ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس " وقوله: " من كل الثمرات " المراد به بعضها نظيره قوله: " وأوتيت من كل شئ " يريد به البعض، واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل ، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: " جرست نحلة العرفط " حين شبهت رائحته برائحة المغافير، والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما. ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بني فيه بيتا من الشمع ثم يبني البيوت التي يأوى فيها الملوك، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل فيها شيئا والذكور أصغر جرما من الإناث، وهي تكثر المادة داخل الخلية، وهي إذا طارت تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية، والنحل تعمل الشمع أولا ثم تلقي البزر لأنه له بمنزلة العش للطائر فإذا ألقته قعدت وتحضنه كما تحضن الطير فيتكون من ذلك البزر دود ثم تنهض الدود فتغذي أنفسها ثم تطير، والنحل لا يقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد، وتملا بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك إما أن تعزله أو تقتله، وأكثر ما تقتل خارج الخلية، والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، والملك إذا عجز عن الطيران حملته وسيأتي بيان هذا في أواخرا كتاب في لفظ اليعسوب، ومن خصايص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، وأفضل ملوكها الشقر، وأسوأها الرقط بسواد والنحل تجتمع فتقسم الأعمال، فبعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل العسل، وبعضها يسقي الماء، و بعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدس الذي لا ينخرق ، كأنه استنبط بقياس هندسي ثم هو في دائرة مسدسة لا يوجد فيها اختلاف فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك لان الاشكال من الثلاث إلى العشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينها فروج إلا الشكل المسدس، فإنه إذا اجتمع إلى أمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة، وكل هذا بغير مقياس ولا آلة ولا فكرة ، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها كما قال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " الآية. فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها، كيف اتخذت بيوتا في هذه الأمكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس " حيث يعرشون " أي حيث يبنون العروش فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الثلاثة البتة، وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال وهي المتقدمة في الآية، ثم الأشجار وهي دون ذلك، ثم فيما يعرش الناس، وهي أقل بيوتها، فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى، وهي تتخذها أولا فإذا استقر لها بيت خرجت عنه فرعت وأكلت من كل الثمرات، ثم آوت إلى بيوتها لان ربها سبحانه وتعالى أمرها باتخاذ البيوت أولا ثم بالاكل بعد ذلك. قال في الاحياء: انظر إلى النحلة كيف أوحى الله إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها من النجاسات و الأقذار وطاعتها لواحد من جملتها وهو أكثرها شخصا وهو أميرها، ثم ما سخر الله سبحانه وتعالى أميرها من العدل والانصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا على نفسك ، وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك، ثم دع عنك جميع ذلك فانظر إلى بنيانها بيتها من الشمع واختيارها من جميع الاشكال المسدس فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فيه فهم المهندس وهو أن أوسع الاشكال وأحوالها المسدس وما يقرب منه فان المربع يخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا يبقى الزوايا فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فان الاشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الاشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه، ليتهيأ عيشه ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه. وفي طبعه أنه يهرب بعضه عن بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك الملسوع، وإذا هلك منها شئ داخل الخلايا أخرجته الاحياء إلى الخارج، وفي طبعه أيضا النظافة فلذلك يخرج رجيعه من الخلية لأنه منتن الريح، وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله في الربيع أجود والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان عذبا صافيا يطلبه حيث كان ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية قذفه بالماء ليكثر خوفا على نفسه من نفاده لأنه إذا نفد أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك. قال حكيم من اليونانيين لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا أبعدته وأقصته عن الخلية لأنه يضيق المكان ويفنى العسل، ويعلم النشيط الكسل. والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة، ويضره السوس، ودواؤه أن يطرح في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة و يدخن بأخثاء البقر. وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه، وأهل مصر يحولون أبواب الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا فتخرج النحل منها و يرعى يومه أجمع فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة مكانها من الخلية لا تتخطاه . وروى أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا وقعت فلم تكسر ولم تفسد. وفي شعب البيهقي عن مجاهد قال: صاحبت عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا هذا الحديث: إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك وإن شاورته نفعك وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع وكذلك النحلة كل شأنها منافع. قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته وقلة أذاه وحقارته ومنفعته وقنوعه وسعيه في النهار وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، و أنه لا يأكل من كسب غيره ونحوله، وطاعته لاميره، وللنحل آفات تقطعه عن عمله، منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات تفتره عن عمله، منها ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وماء السعة ونار الهوى. وفي مستدرك الدارمي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها ، وخالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزائلوهم بأعمالكم وقلوبكم فان للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب. وفيه أيضا عن ابن عباس أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة و يكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافئ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحامدون يحمدون الله تعالى في كل سراء وضراء، يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوسطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء. وذكر ابن خلكان في ترجمة عبد المؤمن بن علي ملك المغرب أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وإنه كان في صغره نائما في دار أبيه وأبوه يعمل الطين، فسمع أبوه دويا في السماء فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم فغطته وأقامت عليه مدة ثم ارتفعت عنه وما تألم منها، وكان بالقرب منه رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك أهل المغرب ، فكان كذلك، وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الاعلى والأدنى. وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل. وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال تحقيرا للدنيا: " أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة، وأشرف شرابه فيها رجيع نحلة " وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية، والمعروف أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح و مشموم، فأشرف المطعوم العسل وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس و عليه تقتل الرجال، وأشرف المنكوح المرأة وهو مبال في مبال، وأشرف المشموم المسك وهو دم حيوان. والتحقيق أن العسل يخرج من بطونها لكن لا ندري أمن فمها أم من غيره، ولا يتم صلاحه إلا بحمو أنفاسها وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره، وروينا في تفسير الكواشي الأوسط أن العسل ينزل من السماء فينبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض الناس من أن العسل من فضلات الغذاء وإنه قد استحال في المعدة عسلا هذه عبارته والله أعلم .
الهوامش28
[8]حياة الحيوان 1: 182 فيه: " من فعل هذا " وفيه: وسم هذا.ص 228
[١]الشورى: ٥١.ص 230
[٢]المائدة: ١١١.ص 230
[٣]القصص: ٧.ص 230
[١]من العجائب التي لم يعلم رمزها إلى زماننا هذا هي أن النحل بكثرتها كيف كيف تهتدى إلى خليته مع كثرة الخلايا، وأظن أن قوله: " فاسلكي سبل ربك ذللا " إشارة إلى الطريقة التي علمها ربها للاهتداء إلى ذلك.ص 232
[٢]الملك: ١٥.ص 232
[1]تفسير الرازي.ص 233
[1]في المصدر: قال القزويني في عجائب المخلوقات.ص 234
[1]في المصدر: بحسب اختلاف النحل والمرعى.ص 235
[2]في المصدر: بيوتا من الشمع أولا ثم بنى.ص 235
[3]في المصدر: لا تعمل شيئا.ص 235
[4]في المصدر: قعدت عليه وحضنته كما يحضن الطير.ص 235
[5]في المصدر: دود أبيض ثم ينهض الدود وتغذى نفسها.ص 235
[1]في المصدر: لا ينحرف.ص 236
[2]في المصدر: ولا بركار.ص 236
[1]في المصدر: في نفسك.ص 237
[2]في المصدر: يقصر فهم المهندس عن درك ذلك.ص 237
[3]في المصدر: ليهنأ عيشه.ص 237
[4]في المصدر: يعسله.ص 237
[1]في المصدر: وكيف النحل في الخلايا؟ص 238
[2]في المصدر: من الخلية لا تتغير عنه.ص 238
[3]في المصدر: وان للنحل آفات.ص 238
[1]في المصدر: ما فعلت ذلك بها، خالطوا.ص 239
[2]في المصدر: الحمادون.ص 239
[3]في المصدر: جميع أهل المغرب.ص 239
[1]في المصدر: والمعروف عنه أنه قال.ص 240
[2]أي بحرارة أنفاسها. وفى المصدر: بحمى أنفاسها.ص 240
[3]حياة الحيوان 2: 245 - 248.ص 240