حياة الحيوان: الهدهد بضم الهائين وإسكان الدال المهملة وبفتح الهاءين وإسكان الدال المهملة بينهما: طائر معروف ذو خطوط وألوان كثيرة، والجمع الهداهد بالفتح، هو طير منتن الريح طبعا لأنه يبنى افحوصته في الزبل، وهذا عام في جميع جنسه. ويذكر عنه أنه يرى الماء في باطن الأرض كما يراه الانسان في باطن الزجاج وزعموا أنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء، وبهذا تفقده لما فقده، وكان سبب غيبة الهدهد عن سليمان عليه السلام أنه لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطير والوحش ما بلغ عسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وإنه قال
Show clickable narrator chain
لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي من صفته كذا وكذا يعطى النصر على من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا: فكم بيننا وبين خروجه؟ قال: مقدار ألف عام ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل. وأقام سليمان عليه السلام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج من مكة صباحا، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسنا تزهو خضرتها فأحب النزول فيها ليصلي ويتغذى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فنظر إلى طول الدنيا وعرضها يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد من هداهد اليمن فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، فقال ليعفور: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام، فقال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش والرياح، وذكر له من عظمة ملك سليمان وما سخر له من كل شئ، فمن أين أنت؟ قال الهدهد الآخر: أنا من هذه البلاد، ووصف له ملك بلقيس وأن تحت يدها اثنى عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف مقاتل ، ثم قال: فهل أنت منطلق معي تنظر إلى ملكها؟ فقال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، فقال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فمضى معه ونظر إلى ملك بلقيس وما رجع إلى سليمان إلا بعد العصر، فكان سليمان عليه السلام قد نزل على غير ماء فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا له خبرا، فتفقد الطير وتفقد الهدهد فدعا عريف الطير وهو النسر وسأله عن الهدهد فلم يجد علمه عنده، فغضب سليمان عليه السلام عند ذلك وقال: " لأعذبنه عذابا شديدا " الآية ثم دعا بالعقاب وهو سيد الطير وقال: علي بالهدهد الساعة، فارتفع في الهواء ونظر إلى الدنيا كالقصعة في يد الرجل ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض يريده فناشده الله تعالى وقال: أسألك بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه ثم قال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف ليعذبنك أو ليذبحنك، فقال الهدهد: أوما استثنى نبي الله؟ قال: بلى " أو ليأتيني بسلطان مبين " فقال الهدهد: فنجوت إذا. ثم طار الهدهد والعقاب حتى أتيا سليمان عليه السلام فلما قرب منه الهدهد أرخى ذنبه وجناحه يجرهما على الأرض تواضعا له، فأخذ سليمان عليه السلام برأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عن سبب غيبته فأخبره بأمر بلقيس. وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من قصتها. وأما قوله: " لأعذبنه " أراد تعذيبه بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه، و قيل: كان عذاب سليمان عليه السلام للطير أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه ممعطا لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض، وهو أظهر الأقاويل، وقيل: أن يطلى بالقطران ويشمس وقيل: أن يلقى للنمل تأكله، وقيل: إيداعه القفص، وقيل: التفريق بينه وبين إلفه وقيل: إلزامه صحبة الأضداد، وعن بعضهم أنه قال: أضيق السجون صحبة الأضداد وقيل: حبسه مع غير جنسه، وقيل: إلزامه خدمة أقرانه، وقيل: تزويجه عجوزا. فان قلت: من أين حل تعذيب الهدهد؟ قلت: يجوز أن يبيح الله له ذلك كما أباح ذبح البهائم والطيور للاكل وغيره من المنافع. حكى القزويني أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام: أريد أن تكون في ضيافتي قال: أنا وحدي؟ قال: لابل أنت وأهل عسكرك في جزيرة كذا في يوم كذا، فحضر سليمان بجنوده، فطار الهدهد فاصطاد جرادة وخنقها ورمى بها في البحر وقال: كلوا يا نبي الله من فاته اللحم ناله المرق، فضحك سليمان وجنوده من ذلك حولا كاملا. وقال عكرمة: إنما صرف سليمان عليه السلام عن ذبح الهدهد لأنه كان بارا بوالديه ينقل الطعام إليهما فيزقهما في حالة كبرهما. قال الجاحظ: هو وفاء حفوظ ودود، وذلك أنه إذا غابت انثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه، فان حدث حادث أعدمه إياها لم يسفد بعدها أنثى أبدا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش ولم يشبع أبدا من طعم بل يناله منه ما يمسك رمحه إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا. وفي الكامل وشعب الايمان للبيهقي: أن نافعا سأل ابن عباس فقال: سليمان عليه السلام مع ما خوله الله تعالى من الملك كيف عني بالهدهد مع صغره؟ فقال ابن عباس: إنه احتاج إلى الماء، والهدهد كانت الأرض له كالزجاج، فقال ابن الأزرق لابن عباس: قف يا وقاف كيف ينظر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بقدر إصبع من تراب؟ فقال ابن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر. ثم قال: والأصح تحريم أكله لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن قتله ، ولأنه منتن الريح ويقتات الدود، وقيل: يحل أكله . وقال: الحبارى بضم الحاء المهملة: طائر معروف، وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى واحده وجمعه سواء، وإن شئت قلت في الجمع: حبارات، وهو من أشد الطير طيرانا وأبعدها صوتا ، وهو طائر طويل العنق، رمادي اللون في منقاره بعض طول، ويضرب بها المثل في الحمق . وقال: الصرد كرطب قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو مهمل الحروف على وزن جعل كنيته أبو كثير، وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير والجمع صردان، قاله النضر بن شميل، وهو أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود ضخم المنقار له برثن عظيم، يعنى أصابعه عظيمة، لا يرى إلا في سعفه أو في شجرة لا يقدر عليه أحد، وهو شرس النفس شديدة النقرة، غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعوا إليه شد على بعضهم وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قده من ساعته وأكله، ولا يزال كذلك، هذا دأبه، ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع. ونقل أبو الفرج بن الجوزي في المدهش في قوله تعالى: " وإذ قال موسى لفتاه " الآية عن ابن عباس والضحاك ومقاتل قالوا: إن موسى عليه السلام لما أحكم التوراة وعلم ما فيها قال في نفسه: لم يبق في الأرض أحد أعلم مني من غير أن يتكلم مع أحد فرأى في منامه كأن الله أرسل الماء بالماء حتى غرق ما بين المشرق والمغرب، فرأى فتاه على البحر فيها صردة فكانت الصردة تجيئ للماء الذي غرق الأرض فتنقل الماء بمنقارها ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبرائيل فقال: مالي أراك يا موسى كئيبا؟ فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله فلم يبق في الأرض من هو أعلم منك، وإن لله عبدا علمك في علمه كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها فدفعته في البحر، فقال: يا جبرئيل من هذا العبد؟ فقال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب يعني إبراهيم الخليل عليه السلام قال: من أين أطلبه؟ قال: اطلبه من وراء هذا البحر، فقال: من يدلني عليه؟ قال: بعض زادك قالوا: فمن حرصه على رؤياه لم يستخلف في قومه ومضى لوجهه وقال لفتاه يوشع: هل أنت موازري؟ قال: نعم، اذهب فاحتمل لنا زادا، فانطلق يوشع فاحتمل أرغفة وسمكة عتيقة مالحة، سارا في البحر حتى خاضا وحلا وطينا ولقيا تعبا ونصبا حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر خلف بحر أرمنية يقال لتلك الصخرة: قلعة الحرس. فأتياها فانطلق موسى ليتوضأ فاقتحم مكانا فوجد عينا من عيون الجنة في البحر فتوضأ منها وانصرف ولحيته تقطر ماء وكان عليه السلام حسن اللحية ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته فوقعت منها قطرة على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر فسارت، فصار مجراها في البحر سربا ونسي يوشع ذكر السمكة " فلما جاوزا قال موسى لفتاه آتنا غدائنا " الآية، فذكر له أمر السمكة فقال له: ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما فأوحى الله إلى الماء فجمد وصار سربا على قامة موسى وفتاه فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر فصار مسيره لهما جادة فسلكاها فناداهما مناد من السماء: أن دعا الجادة فإنه طريق الشياطين إلى عرش إبليس، وخذاذات اليمين. فأخذ ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة وعندها مصلى فقال موسى: ما أحسن هذا المكان ينبغي أن يكون لذلك العبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضرا، قالوا: وإنما سمى الخضر لأنه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء، فقال موسى عليه السلام: السلام عليك يا خضر، فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل، فقال: ومن أدراك من أنا؟ قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان و ما قصة القرآن العظيم انتهى. وقال القرطبي: ويقال له: الصرد الصوام، روينا في معجم عبد الغني بن قانع عن أبي غليظة أمية بن خلف الجمحي قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى يده صرد فقال: هذا أول طير صام عاشورا. وكذلك أخرجه الحافظ أبو موسى، والحديث مثل اسمه غليظ، قال الحاكم: وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين عليه السلام رواه أبو عبد الله بن معاوية بن موسى بن أبي غليظ نشيط بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي عن أبيه عن أبي غليظ قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى يده صردة قال: هذا أول طير صام عاشورا. وهو حديث باطل ورواته مجهولون. وقيل: لما خرج إبراهيم عليه السلام من الشام لبناء البيت كانت السكينة معه والصرد، وكان الصرد دليله على الموضع والسكينة بمقداره، فلما صار إلى موضع البيت وقفت السكينة في موضع البيت ونادت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن قتل النحلة والنملة والهدهد والصرد. والعرب تتشأم بصوته وشخصه، قال القاضي أبو بكر: إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله عن قتله لان العرب كانت تتشأم به، فنهى عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت فيها من اعتقادهم الشوم فيه لا أنه حرام . وقال: الشقراق بفتح الشين وكسرها وربما قالوا: الشرقراق: طائر ضعيف يسمى الأخيل، والعرب تتشأم به، وهو أخضر مليح بقدر الحمام، خضرته حسنة مشبعه، في أجنحته سواد، ويكون مخططا بحمرة وخضرة أو سواد، وفي طبعه شره و شراسة وسرقة فراخ غيره، وهو لا يزال متباعدا من الانس ويألف الروابي ورؤوس الجبال، لكنه يحضن بيضه في العمران العوالي التي لا تناله الأيدي، وعشه شديد النتن. وقال الجاحظ: إنه نوع من الغربان، وفي طبعه العفة عن السفاد، وهو كثير الاستغاثة إذا حاربه طائر ضربه وصاح كأنه المضروب، ثم قال: والأكثر على تحريمه، وقال بعض الأصحاب بحله ، وقال الفيروزآبادي: الشقراق ويكسر الشين، والشقراق كقرطاس، والشرقراق بالفتح والكسر، والشرقرق كسفرجل: طائر معروف مرقط بخضرة وحمرة وبياض وتكون بأرض الحرم انتهى. وقال الدميري الحدأ بكسر الحاء أخس الطائر ، وجمعها حدأ مثل عنبة وعنب ومن ألوانها السود والرمد وهي لا تصيد، وإنما تخطف ومن طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر، وزعم بعضهم أن الحدأة والعقاب يتبد لان فتصير الحدأة عقابا أو العقاب حدأة، وقال القزويني: إنها سنة ذكر وسنة أنثى. وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام - وفي رواية: ليس للمحرم في قتلهن جناح -: الحدأة والغراب الأبقع والعقرب والفأرة والكلب العقور. نبه صلى الله عليه وآله بذكر هذه الخمسة على جواز قتل كل مضر فيجوز قتل الفهد و النمر والذئب والصقر والباشق والشاهين والزنبور والبق والبرغوث والبعوض و الوزغ والذباب والنمل إذا آذاه . وقال: الخطاف جمعه خطاطيف ويسمى زوار الهند، وهو من الطيور القواطع إلى الناس، يقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم، ثم إنها تبنى بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، وهذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة لأنه زهد فيما بأيديهم من الأقوات فأحبوه، لأنه إنما يتقوت بالبعوض والذباب ومن عجيب أمره أن عينه تقلع وترجع ولا يرى واقفا على شئ يأكله أبدا ولا مجتمعا بانثاه، والخفاش يعاديه، فلذلك إذا أفرخ يجعل في عشه قضبان الكرفس فلا يؤذيه إذا شم رائحته، ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد، ويبني عشه بناء عجيبا، وذلك أنه يبني الطين مع التبن فإذا لم يجد طينا مهيا ألقى نفسه في الماء ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلي جناحاه ويصير شبيها بالطين فإذا هيا عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو وأفراخه، ولا يلقي في عشه زبلا بل يلقيه إلى خارج، فإذا كبرت فراخه علمها ذلك، وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران، فإذا رآها صفرا ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر فيذهب فيأتي بحجر اليرقان من أرض الهند فيطرحه على فراخه، وهو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة والسواد، ويعرف بحجر السنونو فيأخذه المحتال فيعلقه عليه أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، والخطاف متى سمع صوت الرعد يكاد أن يموت. وقال أرسطو في كتاب النعوت: الخطاطيف إذا عميت أكلت من شجرة يقال لها عين شمس، فيرد بصرها لما في تلك الشجرة من المنفعة للعين. وفي رسالة القشيري في آخر باب المجبة: إن خطافا راود خطافة على قبة سليمان عليه السلام فامتنعت منه فقال لها: أتمنعين على ولو شئت لقلبت القبة على سليمان؟ فسمعه سليمان فدعاه وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم، قال: صدقت. وذكر الثعلبي وغيره في تفسير سورة النمل أن آدم عليه السلام لما خرج من الجنة اشتكى الوحشة فآنسه الله بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم انسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله العزيز وهي " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل " إلى آخر السورة، وتمد صوتها بقوله: " العزيز الحكيم " والخطاطيف أنواع منها نوع يألف سواحل البحر يحفر بيته هناك ويعشش فيه وهو صغير الجثة دون عصفور الجنة ولونه رمادي والناس يسمونه سنونو بضم السين المهملة ونونين ومنها نوع أخضر على ظهره بعض حمرة أصغر من الدرة يسميه أهل مصر الخضيري لخضرته، يقتات الفراش والذباب ونحو ذلك، ومنها نوع طويل الأجنحة رقيقها يألف الجبال ويأكل النمل، وهذا النوع يقال له: السمائم، مفرده سمامة، و منهم من يسمي هذا النوع السنونو الواحدة سنونوة، وهو كثير في المسجد الحرام يعشش في سقفه في باب بنى شيبة، وبعض الناس يزعم أن ذلك هو الأبابيل الذي عذب الله تعالى به أصحاب الفيل. ثم قال: يحرم أكل الخطاطيف لما روى عبد الرحمن بن معاوية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن قتل الخطاطيف . وعن إبراهيم بن طهمان عن عبادة بن إسحاق عن أبيه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل الخطاطيف عواد البيوت [3]. وعن ابن عمر قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخطاف فإنه لما خرب بيت المقدس قال: رب سلطني على البحر حتى اغرقهم . وقال في الضفدع: هو بكسر الضاد مثل الخنصر واحد الضفادع والأنثى ضفدعة، وناس يقولون: ضفدع بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف: درهم وهجرع - وهو الطويل - وهبلع - وهو الأكول - وقلعم و هو اسم. وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال وفتحها أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصية، وقد أنكره بعض أئمة اللغة، وقال البطليوسي في شرح أدب الكاتب: وحكي أيضا ضفدع بضم الضاد وفتح الدال وهو نادر حكاه المطرزي أيضا قال في الكفاية: وذكر الضفادع يقال له: العلجوم بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو وآخره ميم، والضفدع أنواع كثيرة، وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري ومن العفونات وعقب الأمطار الغزيرة حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحه عقيب. المطر والريح، وليس ذلك عن ذكر وأنثى، وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة من طباع تلك التربة، وهي من الحيوان التي لا عظام لها، ومنها من ينق ومنها ما لا ينق والذي منها ينق يخرج صوته من قرب اذنه، ويوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء، وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق، قال عبد القاهر: والثعبان: يستدل بصياح الضفدع عليه فيأتي على صياحه فيأكله، وتعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها وتتعجب منها لأنها تنق، فإذا أبصرت النار سكتت. ولا تزال تدمن النظر إليها وأول نشوها في الماء أن تظهر مثل حب الدخن الأسود، ثم تخرج منه وهي كالد عموس، ثم بعد ذلك ينبت لها الأعضاء، فسبحان القادر على ما يشاء وعلى ما يريد سبحانه لا إله غيره إلا هو. وفي الكامل لابن عدي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من قتل ضفدعا فعليه شاة محرما كان أو حلالا. قال سفيان: يقال: إنه ليس شئ أكثر ذكرا لله منه. وفيه أنه روي عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس أن ضفدعا ألقت نفسها في النار من مخافة الله فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نقيقهن التسبيح، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل الضفدع والصرد والنحلة. قال: ولا أعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث. وفي كتاب الزاهر لأبي عبد الله القرطبي أن داود عليه السلام قال: لا سبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدعة من ساقية في داره: يا داود تفخر على الله بتسبيحك؟ إن لي لسبعين سنة ما جف لساني من ذكر الله تعالى، وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين، فقال: ماهما؟ قالت: يا مسبحا بكل لسان ومذكورا بكل مكان، فقال داود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا؟ وروى البيهقي في شعبه عن أنس بن مالك أنه قال: إن نبي الله داود ظن في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما يمدحه به ، فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه والبركة إلى جانبه، فقال: يا داود افهم ما تصوت به الضفدعة فأنصت إليها فإذا هي تقول: سبحانك وبحمدك منتهى علمك، فقال له الملك: كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي كتاب فضل الذكر لجعفر بن محمد الفريابي الحافظ العلامة عن عكرمة أنه قال: صوت الضفدع تسبيح. وفيه أيضا عن الأعمش عن أبي صالح أنه سمع صوت صرير باب فقال: هذا منه تسبيح. قال الرئيس ابن سينا: إذا كثرت الضفادع في سنة وزادت عن العادة يقع الوبا عقيبها. وقال القزويني: الضفادع تبيض في الرمل مثل السلحفاة، وهي نوعان: جبلية ومائية. ونقل الزمخشري في الفائق عن عمر بن عبد العزيز قال: سأل رجل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم رجلا كالبلور يرى داخله من خارجه، ورأي الشيطان في صورة الضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له فإذا ذكر الله خنس. وروى ابن عدي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقها تسبيح. وقال الزمخشري: إنها تقول في نقيقها: سبحان الملك القدوس. وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع فإنها مرت بنار إبراهيم عليه السلام فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار. وفي الشفاء الصدور عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تقتلوا الضفادع فان نقيقهن تسبيح . فذلكة: اعلم أن أكثر الأصحاب حكموا بكراهة أكل الهدهد والفاختة و القبرة والحبارى والصرد والصوام والشقراق، واختلفوا في الخطاف فذهب أكثر المتأخرين إلى الكراهة، وذهب الشيخ في النهاية والقاضي وابن إدريس إلى التحريم بل ادعى ابن إدريس عليه الاجماع، واستدلوا على كراهة أكثر ما ذكر بما مر من الأخبار الناهية عن قتلها وإيذائها، ولا يخفى أنها لا تدل على كراهة أكل لحمها بعد القتل، فان الظاهر أن ذلك لكرامتها واحترامها، لا لكراهة لحومها وحرمتها والأخبار الآتية في الفاختة إنما تدل على كراهة إيوائها في البيوت، بل ربما يشعر بحسن قتلها وأكلها، قال المحقق الأردبيلي قدس سره بعد إيراد روايات النهي عن قتل الهدهد: وظاهر الدليل هو التحريم، والحمل على الكراهة كأنه للأصل والعمومات وحصر المحرمات ولعدم القائل بالتحريم على الظاهر تأمل. ثم اعلم أن الكلام في كراهة أكل اللحم والدليل ما دل عليه بل على النهي عن أذاه وقتله، وهو غير مستلزم للنهي عن أكل لحمه، وهو ظاهر، فان في أكله بعد القتل ليس أذاه، وأيضا يحتمل أن يكون المراد بالنهي قتله لا للاكل بل لاذاه، يؤيده قوله: " لا يؤذى " والعلة أيضا فان كونه " نعم الطير " لا يستلزم عدم قتله للاكل، فان الغنم أيضا موصوف بأنه نعم المال أو مال مبارك ونحو ذلك، مع أنه خلق للاكل، ولا شك أن الاجتناب عن أذاه أولى وأحوط. ثم قال رحمه الله في حديث الخطاف المتقدم: يفهم منه أن المراد بالنهي عن القتل النهي عن الاكل حيث دحا به بعد أن كان مذبوحا ، ثم نقل النهي عن القتل فتأمل، ولكن في السند جهالة واضطراب. وقال قدس سره: وأما كراهة الحبارى فليس عليها دليل واضح سوى أنه مذكور في أكثر الكتب، قال في التحرير: وبها رواية شاذة، نعم في صحيحة عبد الله ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا أسمع ما تقول في الحبارى؟ قال: إن كانت له قانصة فكل. الخبر. وهي مشعرة بعدم ظهور حالها فالاجتناب أولى فتأمل انتهى. وأقول: كأن وجه التأمل أنه لا إشعار في كلامه عليه السلام بالكراهة، بل الظاهر أن غرضه عليه السلام بيان القاعدة الكلية لبعد عدم علمه عليه السلام بذلك، ويحتمل أن يكون في هذا التعبير مصلحة أخرى كتقية ونحوها، وبالجملة عدم الكراهة أظهر لما ورد في الصحيح عن كردين المسمعي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحبارى قال: لوددت أن عندي منه فآكل حتى أمتلي [2]. ولرواية بسطام بن صالح. وأما الحيات فالظاهر جواز قتلها مطلقا إلا عوامر البيوت إذا لم تؤذ أصحاب البيت، فإنه يحتمل أن تكون فيها كراهة، لكن ينبغي أن لا يكون الاحتراز عن قتلهن لتوهم إثم في قتلهن أو ضرر منهن، وأما التفاصيل الواردة في أخبار العامة فلم نجده في أخبارنا، وأما سائر المؤذيات فلا بأس بقتلهن وما لم يؤذ منها فلعل الأفضل الاجتناب عن قتلها تنزها لا تحريما للتعليلات الواردة في بعض الأخبار فتفطن. وأما تعذيب الحيوان الحي بلا مصلحة داعية إلى ذلك فهو قبيح عقلا، ويشعر فحاوي بعض الأخبار بالمنع عنه فالأحوط تركه، ولم يتعرض أكثر أصحابنا لتلك الأحكام إلا نادرا. * (باب 11) * القبرة والعصفور وأشباههما
الهوامش30
[6]الإفحوصة: الموضع الذي تفحص القطاة التراب عنه لتبيض فيه.ص 285
[1]المصدر: طول مقامه بمكة.ص 286
[2]بين مولده صلى الله عليه وآله ونبوة سليمان (ع) أكثر من الف وخمسمائة عام، ولعل الوهم من الراوي.ص 286
[1]فيه غرابة شديدة.ص 287
[3]في المصدر: ففقده الهدهد.ص 287
[1]معط الريش: نتفه.ص 288
[1]في المصدر: عن اكله.ص 289
[2]حياة الحيوان 2: 272 - 274.ص 289
[3]في المصدر: وأبعدها شوطا.ص 289
[4]حياة الحيوان 1: 163.ص 289
[1]هكذا في الكتاب وفى المصدر: " قتاة " ولعله مصحف: قنات أي نبات.ص 290
[2]في المصدر: على لقياه لم يستخلف على قومه.ص 290
[1]في المصدر: وعلى يدي صرد.ص 291
[2]في المصدر: وعلى يدي صرد.ص 291
[3]حياة الحيوان 2: 41 و 42.ص 291
[1]في المصدر: وهو طائر صغير.ص 292
[2]حياة الحيوان 2: 38.ص 292
[3]في المصدر: أخس الطير.ص 292
[4]زاد في المصدر: من حديث ابن عمر وعائشة وحفصة.ص 292
[5]حياة الحيوان 1: 165 و 166.ص 292
[1]في المصدر: ثم ترجع.ص 293
[1]في المصدر: في باب إبراهيم وباب.ص 294
[2]زاد في المصدر: وقال: لا تقتلوا هذه العوذ انها تعوذ بكم من غيركم، ورواه البيهقي وقال: انه منقطع. قال: ورواه إبراهيم بن طهمان اه.ص 294
[3]في المصدر: عوذ البيوت. ومن هذه الطريق رواه أبو داود في مراسيله، قال البيهقي: وهو منقطع أيضا لكن صح عن عبد الله بن عمر. اه.ص 294
[4]حياة الحيوان 1: 212 و 213.ص 294
[1]في المصدر: تفتخر على الله بتسبيحك وان لي.ص 296
[2]في المصدر: مما مدحه به.ص 296
[1]حياة الحيوان 2: 57 و 58.ص 297
[١]ولعل ذلك كان لشدة غضبه عليه السلام على قتله فلا يدل على حرمة الاكل بعد ذبحه.ص 298
[٢]من لا يحضره الفقيه ٣: ٢٠٦.ص 298