المتهجد وغيره: ثم يركع فإذا رفع رأسه يقول: هذا مقام من حسناته نعمة منك، وسيئاته بعمله وذنبه عظيم، وشكره قليل، وليس لذلك إلا دفعك [رفقك] خ ورحمتك. إلهي طموح الآمال قد خابت إلا لديك، ومعاكف الهمم قد تعطلت إلا إليك ومذاهب العقول قد سمت إلا إليك، فأنت الرجاء وإليك الملتجأ، يا أكرم مقصود ويا أجود مسؤول، هربت إليك بنفسي يا ملجأ الهاربين، بأثقال الذنوب أحملها على ظهري، ولا أجد لي إليك شافعا " سوى معرفتي أنك أقرب من لجأ إليه المضطرون، وأمل ما لديه الراغبون، يا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما أمتن به على عباده كفاء لتأدية حقه. اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا تجعل للهموم على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا، اللهم إنك قلت في محكم كتابك المنزل على نبيك المرسل عليه وآله السلام " كانوا قليلا " من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون " طال هجوعي وقل قيامي، وهذا السحر وأنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يملك لنفسه نفعا " ولا ضرا "، ولا موتا " ولا حياتا " ولا نشورا " . ايضاح: طموح الآمال قال الشيخ البهائي الطموح جمع طامح كقعود جمع قاعد من طمح بمعنى ارتفع، والمراد أن الآمال الطامحة أي المرتفعة العظيمة قد خابت إلا عندك كالعفو عن ذنوبنا التي استوجبنا بها أليم العقاب، وإدخالنا الجنة تفضلا " من غير استيجاب " ومعاكف الهمم قد تقطعت إلا عليك " المعاكف جمع معكف، وهو مصدر بمعنى العكوف أي الإقامة، والمراد أن عكوفات الهمم وإقاماتها على باب كل أحد في طلب الاحسان منه قد تقطعت وخابت إلا عكوفاتها على باب جودك وإحسانك. " ومذاهب العقول قد سمت إلا إليك " المذاهب الطرق، ويطلق على الآراء أيضا وسما إلى الشئ ارتفع إليه، والمراد أن طرق العقول والآراء قد ارتفعت إلى الأشياء، أما إليك فقد قصرت عن الارتقاء، وضلت في بيداء العظمة و الكبرياء انتهى. وأقول: في أكثر النسخ " ومعاكف الهمم قد تعطلت " وفي بعضها " تقطعت " ويحتمل كون المعاكف اسم مكان، ولعله بالنسخة الأولى أنسب، ويمكن أن يكون المراد بقوله " قد سمت " أنها لا تقع على المقصود كما يقال: نبا بصره عن الشئ إذا لم يره، وهذا المعنى أنسب بالفقرتين السابقتين، أي كل جهة تذهب إليه العقول لتحصيل المطالب فلا تقع عليها إلا الطريق الذي ينتهي إليك، ويمكن أن يقرء " سمت " على بناء المجهول بتشديد الميم أي سدت، ويؤيده أن في بعض النسخ سدت. والملتجأ مصدر بمعنى الالتجاء، قوله: " بنفسي " الباء للمصاحبة، وكونها للتعدية كما توهم بعيد " يا من فتق العقول " أي وسعها وهيئها لمعرفته وجعلها قابلة لها. " وجعل ما امتن به على عباده " - قال الشيخ البهائي - ره -: أي جعل تكليفنا بعبادته مكافئا " لأداء حق نعمائه مع أن في تكليفنا بعبادته وتشريفنا بخدمته، وجعلنا أهلا " للقيام بها لطفا " جزيلا " و منة عظيمة علينا، ألا ترى أن الملك العظيم إذا شرف شخصا بخدمته وجعله أهلا " لمخاطبته، فان ذلك الشخص يعد ذلك من عظيم ألطاف ذلك الملك، وجزيل مننه عليه، فهو سبحانه لوفور كرمه جعل بعض نعمائه التي من بها علينا ووقفنا لها شكرا " ومكافاتا " منا لبعض نعمائه الأخرى، ومع ذلك قد وعدنا عليها ثوابا " جزيلا " في الآخرة فسبحانه سبحانه ما أعلى شأنه وأعظم امتنانه انتهى. وقال الكفعمي - رحمة الله عليه - أي جعل شكر ما امتن به على عباده مكافئا " لأداء حقه، والمعنى أنه تعالى كلف يسيرا " فلم يجعل ما يكافي نعمه ومننه إلا شكرها لأنه في الحقيقة لا كفو لمننه، والمكافأة المماثلة والمساواة، ومنه قوله: " لم يكن له كفوا " أحد " أي نظيرا " ومساويا "، وهو كفوك وكفيك وكفاؤك أي مساويك. ثم قال: قال ابن طاوس - ره -: معناه أنه تعالى جعل الذي من به على عباده من الهداية إلى العبادة وإلى حمده وشكره طريقا " وسببا " وكفاء لتأدية حقه، فكان له الحق أولا " علينا وقضاؤنا لحقه مما أحسن إلينا انتهى. وأقول: يحتمل وجها آخر وهو أن يكون المعنى: وهب عباده ومنحهم من الأعضاء والجوارح والقوى والآلات والأدوات ما يكون كافيا " لأداء ما أوجب عليهم من الطاعات، ولا يكلفهم ما لم يمكنهم القيام به، ولا يبعد كونه أظهر وأنسب بما تقدم. " ولا للباطل " أي لا يتطرق الباطل إلى عملي، ولا يكون مخلوطا " ببدعة أو رياء أو سمعة وغيرها مما لا يوافق رضاك، وحمل الباطل على البطلان أو المبطل بعيد.
الهوامش2
[٢]مصباح المتهجد: ١٠٩ - 110.ص 277
[1]مصباح الكفعمي: 54.ص 279