اقول : قال الكازروني في المنتقى : روي أن خزيمة بن حكيم السلمي كانت بينه وبين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها قرابة ، وإنه قدم عليها ، وكان إذا قدم عليها أصابته بخير ، فوجهته مع رسول الله 9 وغلام لها يقال له :
Show clickable narrator chain
ميسرة في تجارة إلى بصرى من أرض الشام ، فأحب خزيمة رسول الله 9 حبا شديدا ، فكان لا يفارقه في نومه ولا في يقظته ، فساروا حتى إذا كانوا بين الشام والحجاز قام على ميسرة بعيران لخديجة ، وكان رسول الله 9 في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعرين ، فانطلق يسعى إل رسول الله 9 فأخبره بذلك فأقبل النبي 9 إلى البعيرين فوضع يديه على أخفافهما وعوذهما ، فانطلق البعيران يسعيان في أول الركب لهما رغاء ، فلما رأى خزيمة ذلك علم أن له شأنا عظيما ، فحرص على لزومه ومحافظته ، وساروا حتى إذا دخلوا الشام نزلوا براهب من رهبان الشام ، فنزل رسول الله 9 تحت شجرة ، ونزل الناس متفرقين ، وكانت الشجرة التي نزل تحتها شجرة يابسة قحلة ، قد تساقط ورقها ، ونخر عودها ، فلما نزل رسول الله 9 واطمأن تحتها أنورت وأشرقت واعشوشب ماحولها ، وأينع ثمرها ، وتدلت أغصانها ، فرفرفت على رسول الله 9 ، وكان ذلك بعين الراهب فلم يتمالك أن انحدر من صومعته ، فقال له : سألتك باللات والعزى ، فقال : إليك عني [١]في المصدر : عاجلة وآجلة. ثكلتك امك ، فما تكلمت العرب بكلمة أثقل علي من هذه الكلمة ، وكان ذلك مكرا من الراهب ، وكان معه حين نزل من صومعته رق[١] أبيض ، فجعل ينظر فيه مرة وإلى النبي 9 اخرى ، ثم أكب ينظر فيه مليا ، فقال : هو هو ومنزل الانجيل ، فلما سمع بذلك خزيمة ظن أن الراهب يريد بالنبي 9 مكرا ، فضرب بيده إلى قائمة سيفه فانتزعه وجعل يصيح بأعلى صوته : يا آل غالب ، فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون : ما الذي راعك؟ فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها ، ثم أشرف عليهم فقال : يا قوم ما الذي راعكم مني؟ فوالذي رفع السماوات بغير عمد ما نزل بي ركب هو أحب إلي منكم ، وإني لاجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة ـ وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله 9 ـ هو رسول رب العالمين ، يبعث بالسيف المسلول ، وبالذبح الاكبر ، وهو خاتم النبيين ، فمن أطاعه نجا ، ومن عصاه غوى ، ثم أقبل على خزيمة فقال : ما تكون من هذا الرجل؟ أرجلا من قومه؟ قال : لا ، ولكن خادم له ، وحدثه بحديث البعيرين ، فقال له الراهب : أيها الرجل إنه النبي الذي يبعث في آخر الزمان ، وإني مفوض إليك أمرا ، ومستكتمك خبرا ، وعاهد إليك عهدا ، فقال : ما هو؟ فإني سامع لقولك ، وكاتم لسرك ، ومطيع لامرك ، فقال : إني أجد في هذه الصحيفة أنه يظهر على البلاد ، وينصر على العباد ، ولا ترد له راية ، ولا تدرك له غاية ، وإن له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله ، فأحذرهم عليه ، فأسر خزيمة ذلك في نفسه ، ثم أقبل على رسول الله 9 فقال : يا محمد إني لارى فيك شيئا ما رأيته في أحد من الناس ، إني لاحسبك النبي الذي يذكر أنه يخرج من تهامة ، وإنك لصريح في ميلادك ، والامين في أنفس قومك ، وإني لارى عليك من الناس محبة ، وإني مصدقك في قولك ، وناصرك على عدوك ، فانطلقوا يؤمون الشام ، فقضوا بها حوائجهم ، ثم رجعوا ، [١]الرق : جلد رقيق يكتب فيه. الصحيفة البيضاء. ثم قال : فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها ، فحضر ، ودخل رسول الله 9 في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة. وقد روى قوم أنه زوجها أبوها في حال سكره[١]. قال الواقدي : هذا غلط ، والصحيح أن عمها زوجها ، وأن أباها مات قبل الفجار. وذكر أن أبا طالب خطب يومئذ ، وذكر ما مر ، فلما أتم أبوطالب خطبته تكلم ورقة بن نوفل ، فقال » : الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت ، فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله ، لا تنكر العشيرة فضلكم ، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم ، وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم ، فاشهدوا علي معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبدالله على أربعمأة دينار ، ثم سكت ورقة ، وتكلم أبوطالب وقال : قد أحببت أن يشركك عمها ، فقال عمها ، اشهدوا علي يا معشر قريش إني قد أنكحت محمد بن عبدالله خديجة بنت خويلد ، وشهد علي بذلك صناديد قريش ، فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف ، وقالت : يا محمد مر عمك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك ، وأطعم الناس على الباب ، وهلم فقل مع [١]ذكره الطبري في تاريخه ٢ ، ٣٦ عن الواقدى ، وروى اليعقوبى في تاريخه ٢ : ١٤ و ١٥ ذلك عن عمار بن ياسر في عمه عمرو بن أسد ، إلا أنه قال فلما أصبح عمها عمرو بن أسد أنكر ما رأى فقيل له : هذا ، فقال : متى زوجته؟ قيل له : بالامس ، قال : ما فعلت ، قيل له : بلى نشهد أنك قد فعلت ، فلما رأى عمرو رسول الله قال : اشهدوا أنى لم أكن زوجته بالامس ، فقد زوجته اليوم اه. قلت : فيهما غرابة وشذوذ ، ولم يرد ذلك من طرق الامامية. بل ورد من طرق لا يعتمد عليها الامامية ، وقد عرفت قبل ذلك في رواية الكلينى أن خديجة لما رأت أن عمها تلجلج وقصر عن الجواب قالت : يا عم لست أولى من نفسى ، قد زوجتك يا محمد نفسى ، وان ثبت في حديث صحيح أن غيرها كان المزوج لها فلا ينافى ذلك بل يجمع بوقوع العقد منهما جميعا ، كما يأتى نظير ذلك في عقد ورقة بن نوفل. أهلك فأطعم الناس ، ودخل رسول الله 9 ، فقال مع أهله خديجة
الهوامش · 7⌄
[٤]الرغاء : صوت الابل.ص 17
[٥]قحل الشئ : يبس.ص 17
[٦]أينع الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه.ص 17
[٧]أى فبسطت أغصانها عليه.ص 17
[٨]في المصدر : سألتك باللات والعزى ما اسمك؟ص 17
[٢]الصريح : الخالص ، ولعل المراد أن ميلادك لم يشب بشئ من رسوم الجاهلية ، أو أن نسبك الخالص ، أو أنك خرجت من النكاح لم يدنسك السفاح. قال الكازرونى في المنتقى : أى لست بكاذب عندهم.ص 18
[٢]من قال يقيل قيلولة : نام في القائلة أى منتصف النهار.ص 19