Same indexed hadith bihar-35732; it ends on this printed page after beginning on pages 378-444.
Show complete hadith text
أعلام الدين : قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: من مدح غير المستحق فقد قام مقام المتهم. وقال عليه السلام: لا يعرف النعمة إلا الشاكر، ولا يشكر النعمة إلا العارف. وقال عليه السلام: ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا. واعلم أن الالحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه فما أقرب الصنيع من الملهوف، والامن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع من أدب الله، والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تدرك، وإنما تنالها في أوانها، واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها، فيضيق قلبك وصدرك ويخشاك القنوط، واعلم أن للسخاء مقدارا، فان زاد عليه فهو سرف، وأن للحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو تهور، واحذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا خربت. وقال عليه السلام: خير إخوانك من نسي ذنبك وذكر إحسانك إليه. وقال عليه السلام: أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته. وقال عليه السلام: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال عليه السلام: أولى الناس بالمحبة منهم من أملوه. وقال عليه السلام: من آنس بالله استوحش الناس، وعلامة الانس بالله الوحشة من الناس. وقال عليه السلام: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال عليه السلام: إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودعوها. وقال عليه السلام: اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره. وقال عليه السلام: الجهل خصم، والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلوب من لم يجرعه الحلم غصص الصبر والغيظ. وقال عليه السلام: من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة. وقال عليه السلام: المقادير الغالبة لا تدفع بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا تنال بالشره، ولا تدفع بالامساك عنها. وقال عليه السلام: نائل الكريم يحببك إليه ويقربك منه، ونائل اللئيم يباعدك منه ويبغضك إليه. وقال عليه السلام: من كان الورع سجيته، والكرم طبيعته، والحلم خلته كثر صديقه، والثناء عليه، وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه. وقال عليه السلام: السهر ألذ للمنام والجوع أزيد في طيب الطعام. (رغب به عليه السلام على صوم النهار وقيام الليل). وقال عليه السلام: إن الوصول إلى الله عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل. من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي. وقال عليه السلام للمتوكل: لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه فإنما قلب غيرك لك كقلبك له. 30. * (باب) * * " (مواعظ القائم عليه السلام وحكمه) " * 1 - الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة: مما كتبه عليه السلام جوابا لإسحاق بن يعقوب إلى العمري - رحمه الله - أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكل فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث، وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب، وإني أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء. 31. * (باب) * (وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة) 1 - تحف العقول : أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. اتقوا الله وقولوا قولا معروفا. وابتغوا رضوان الله واخشوا سخطه. وحافظوا على سنة الله ولا تتعدوا حدود الله. وراقبوا الله في جميع أموركم. وارضوا بقضائه فيما لكم وعليكم. ألا وعليكم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ألا ومن أحسن إليكم فزيدوه إحسانا واعفوا عمن أساء إليكم. وافعلوا بالناس ما تحبون أن يفعلوه بكم. ألا وخالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه وإنكم أحرى أن لا تجعلوا عليكم سبيلا. عليكم بالفقه في دين الله والورع عن محارمه وحسن الصحابة لمن صحبكم برا كان أو فاجرا. ألا وعليكم بالورع الشديد، فإن ملاك الدين الورع. صلوا الصلوات لمواقيتها وأدوا الفرائض على حدودها. ألا ولا تقصروا فيما فرض الله عليكم وبما يرضى عنكم، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " تفقهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". وعليكم بالقصد في الغنى والفقر. واستعينوا ببعض الدنيا على الآخرة، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " استعينوا ببعض هذه على هذه ولا تكونوا كلا على الناس ". عليكم بالبر بجميع من خالطتموه وحسن الصنيع إليه. ألا وإياكم والبغي، فإن أبا عبد الله عليه السلام كان يقول: " إن أسرع الشر عقوبة البغي ". أدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والصوم وسائر فرائض الله وأدوا الزكاة المفروضة إلى أهلها فإن أبا عبد الله عليه السلام قال: " يا مفضل قل لأصحابك: يضعون الزكاة في أهلها وإني ضامن لما ذهب لهم ". عليكم بولاية آل محمد صلى الله عليه وآله. أصلحوا ذات بينكم ولا يغتب بعضكم بعضا. تزاوروا وتحابوا وليحسن بعضكم إلى بعض. وتلاقوا وتحدثوا ولا يبطنن بعضكم عن بعض وإياكم والتصارم وإياكم والهجران فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " والله لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران إلا برئت من أحدهما ولعنته وأكثر ما أفعل ذلك بكليهما، فقال له معتب : جعلت فداك هذا الظالم فما بال المظلوم؟ قال: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، سمعت أبي وهو يقول: " إذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الاخر فليرجع المظلوم إلي صاحبه حتى يقول له: يا أخي أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما، إن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم ". لا تحقروا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد عليهم السلام وألطفوهم وأعطوهم من الحق الذي جعله الله لهم في أموالكم وأحسنوا إليهم. لا تأكلوا الناس بآل محمد، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا، فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا، فسيحشرهم الله إلى النار. وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم نارا يسلط عليهم الجوع والعطش. وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فأولئك منا ونحن منهم " ولا تدعوا صلة آل محمد عليهم السلام من أموالكم: من كان غنيا فبقدر غناه ومن كان فقيرا فبقدر فقره، فمن أراد أن يقضي الله له أهم الحوائج إليه فليصل آل محمد وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله. لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم. ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به، فإن المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به. وقال أبو عبد الله عليه السلام مرة وأنا معه: يا مفضل كم أصحابك؟ فقلت: وقليل، فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت علي الشيعة فمزقوني كل ممزق: يأكلون لحمي ويشتمون عرضي حتى أن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي، ورموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله عليه السلام، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أول ما استقبلني به بعد تسليمه علي أن قال، يا مفضل ما هذا الذي بلغني أن هؤلاء يقولون لك وفيك؟ قلت: وما علي من قولهم، قال: " أجل بل ذلك عليهم، أيغضبون بؤس لهم، إنك قلت: إن أصحابك قليل. لا والله ما هم لنا شيعة ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزوا منه، لقد وصف الله شيعتنا بغير ما هم عليه، وما شيعة جعفر إلا من كف لسانه وعمل لخالقه ورجا سيده وخاف الله حق خيفته، ويحهم أفيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة؟ أو قد صار كالتائه من شدة الخوف، أو كالضرير من الخشوع، أو كالضني من الصيام، أو كالأخرس من طول الصمت والسكوت، أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام وأدأب نهاره من الصيام، أو منع نفسه لذات الدنيا ونعيمها خوفا من الله وشوقا إلينا - أهل البيت - أنى يكونون لنا شيعة وإنهم ليخاصمون عدونا فينا حتى يزيدوهم عداوة وانهم ليهرون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب، أما إني لولا أنني أتخوف عليهم أن أغريهم بك لامرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ولكن إن جاؤوك فاقبل منهم، فإن الله قد جعلهم حجة على أنفسهم واحتج بهم على غيرهم ". لا تغرنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها وملكها فإنها لا تصلح لكم، فوالله ما صلحت لأهلها. 32. * (باب) * * " (قصة بلوهر ويوذاسف) " * 1 - إكمال الدين عن أبي علي أحمد بن الحسن القطان عن الحسن بن علي العسكري قال: حدثنا محمد بن زكريا أن ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند، واسع المملكة، مهيبا في أنفس الناس، مظفرا علي الأعداء، وكان مع ذلك عظيم النهمة في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها، مؤثرا لهواه، مطيعا له، وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه، وأبغض الناس إليه و أغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنه وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس و ضبطهم، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له، وخضع له كل صعب وذلول، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان، والشهوة والعجب، ثم قوي ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته، وانقياد الناس له، فاستطال على الناس واحتقرهم، ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده، فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا إلا ناله، غير أنه كان مئناثا لا يولد له ذكر، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه وقرب أهل الأوثان، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة، وفضلهم و شرفهم، وسجد لأصنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد أن يستعين به على بعض أموره ويحبوه ويكرمه، فقيل له أيها الملك إنه قد خلع الدنيا وخلي منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك، و شق عليه، ثم إنه أرسل إليه فأوتي به، فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم ويقابله المذكار وهي التي تلد الذكور كثيرا. زبره وشتمه وقال له: بينا أنت من عبيدي وعيون أهل مملكتي ووجههم وأشرافهم إذ فضحت نفسك وضيعت أهلك ومالك واتبعت أهل البطالة والخسارة حتى صرت ضحكة ومثلا، وقد كنت أعددتك لمهم أموري، والاستعانة بك على ما ينوبني، فقال له: أيها الملك إن لم يكن لي عليك حق فلعقلك عليك حق، فاستمع قولي بغير غضب، ثم ائمر بما بدا لك بعد الفهم والتثبيت، فإن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول ما بين صاحبه وبين الفهم، قال له الملك: قل ما بدا لك. قال الناسك: فإني أسألك أيها الملك أفي ذنبي على نفسي عتبت علي أم في ذنب مني إليك سالف؟. قال الملك: إن ذنبك إلى نفسك أعظم الذنوب عندي، وليس كلما أراد رجل من رعيتي أن يهلك نفسه أخلي بينه وبين ذلك، ولكني أعد إهلاكه لنفسه كإهلاكه لغيره ممن أنا وليه والحاكم عليه وله، فأنا أحكم عليك لنفسك وآخذ لها منك إذ ضيعت أنت ذلك، فقال له الناسك: أراك أيها الملك لا تأخذني إلا بحجة ولا نفاذ لحجة إلا عند قاض، وليس عليك من الناس قاض، لكن عندك قضاة وأنت لأحكامهم منفذ، وأنا ببعضهم راض، ومن بعضهم مشفق. قال الملك: وما أولئك القضاة، قال: أما الذي أرضى قضاءه فعقلك، وأما الذي أنا مشفق منه فهواك، قال الملك: قل ما بدا لك وأصدقني خبرك ومتى كان هذا رأيك؟ ومن أغواك؟ قال: أما خبري فإني كنت سمعت كلمة في حداثة سني وقعت في قلبي فصارت كالحبة المزروعة ثم لم تزل تنمي حتى صارت شجرة إلى ما ترى، وذلك؟ أني كنت قد سمعت قائلا يقول: يحسب الجاهل الامر الذي هو لا شئ شيئا والامر الذي هو الشئ لا شئ، ومن لم يرفض الامر الذي هو لا شئ لم ينل الامر الذي هو شئ، ومن لم يبصر الامر الذي هو الشئ لم تطب نفسه برفض الامر الذي هو لا شئ، والشئ هو الآخرة، ولا شئ هو الدنيا، فكان لهذه الكلمة عندي قرار لأني وجدت الدنيا حياتها موتا وغناها فقرا، وفرحها ترحا، وصحتها سقما، و قوتها ضعفا، وعزها ذلا، وكيف لا تكون حياتها موتا، وإنما يحيى فيها صاحبها ليموت، وهو من الموت على يقين، ومن الحياة على قلعة، وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس أصيب أحد منها شيئا إلا احتاج لذلك الشئ إلى شئ آخر يصلحه و إلى أشياء لا بدله منها. ومثل ذلك أن الرجل ربما يحتاج إلى دابة فإذا أصابها احتاج إلى علفها وقيمها ومربطها وأدواتها، ثم احتاج لكل شئ من ذلك إلى شئ آخر يصلحه، وإلى أشياء لا بدله منها، فمتى تنقضي حاجة من هو كذلك وفاقته؟ وكيف لا يكون فرحها ترحا وهي مرصدة لكل من أصاب منها قرة أعين أن يرى من ذلك الامر بعينه أضعافه من الحزن، إن رأى سرورا في ولده فما ينتظر من الأحزان في موته وسقمه وجايحة إن أصابته أعظم من سروره به، وإن رأى السرور في مال فما يتخوف من التلف أن يدخل عليه أعظم من سروره بالمال، فإذا كان الامر كذلك فأحق الناس بأن لا يتلبس بشئ منها من عرف هذا منها، وكيف لا يكون صحتها سقما وإنما صحتها من أخلاطها وأصح أخلاطها وأقربها من الحياة الدم، وأظهر ما يكون الانسان دما أخلق ما يكون صاحبه بموت الفجأة، والذبحة والطاعون والاكلة والبرسام، وكيف لا تكون قوتها ضعفا وإنما تجمع القوى فيها ما يضره ويوبقه، وكيف لا يكون عزها ذلا ولم ير فيها عز قط إلا أورث أهلها ذلا طويلا، غير أن أيام الغر قصيرة، وأيام الذل طويلة، فأحق الناس بذم الدنيا من بسطت له الدنيا فأصاب حاجته منها، فهو يتوقع كل يوم وليلة وساعة وطرفة عين أن يعدى على ماله فيحتاج، وعلى حميمه فيختطف، وعلى جمعه فينهب، وأن يؤتى بنيانه من القواعد فيهدم، وأن يدب الموت إلى جسده فيستأصل ويفجع بكل ما هو به ضنين. فأذم إليك أيها الملك الدنيا الآخذة ما تعطي، والمورثة بعد ذلك التبعة، السالبة لمن تكسو، والمورثة بعد ذلك العرى، المواضعة لمن ترفع، والمورثة بعد ذلك الجزع، التاركة لمن يعشقها، والمورثة بعد ذلك الشقوة، المغوية لمن أطاعها واغتر بها، الغدارة بمن ائتمنها وركن إليها، هي المركب القموص والصاحب الخؤون، والطريق الزلق، والمهبط المهوي، هي المكرمة التي لا تكرم أحدا إلا أهانته، المحبوبة التي لا تحب أحدا، الملزومة التي لا تلزم أحدا، يوفى لها وتغدر، ويصدق لها وتكذب، وينجز لها وتخلف، هي المعوجة لمن استقام بها، المتلاعبة بمن استمكنت منه، بينا هي تطعمه إذ حولته مأكولا، وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادما، وبينا هي تضحكه إذ ضحكت منه، وبينا هي تشتمه إذ شتمت منه وبينا هي تبكيه إذا بكت عليه، وبينا هي قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته، وبينا هو فيها مكرم إذ أهانته، وبينا هو فيها معظم إذ صار محقورا، وبينا هو فيها رفيع إذ وضعته، وبينا هي له مطيعة إذ عصته، وبينا هو فيها مسرور إذ أخزنته، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته، وبينا هو فيها حي إذ أماتته. فأف لها من دار إذ كان هذا فعالها، وهذه صفتها، تضع التاج على رأسه غدوة وتعفر خده بالتراب عشية، وتجعلها في الأغلال غدوة [تحلى الأيدي بأسورة الذهب عشية، وتجعلها في الأغلال غدوة - خ ل] وتقعد الرجل على السرير غدوة، وترمي به في السجن عشية، تفرش له الديباج عشية، وتفرش له التراب غدوة، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية تحبب إلى أهله قربه عشية وتحبب إليهم بعده غدوة، تطيب ريحه غدوة وتنتن ريحه عشية، فهو متوقع لسطواتها، غير ناج من فتنتها وبلائها، تمتع نفسه من أحاديثها وعينه من أعاجيبها، ويده مملؤة من جمعها، ثم تصبح الكف صفرا، والعين هامدة، ذهب ما ذهب، وهوى ما هوى، وبادماباد، وهلك ما هلك، تجد في كل من كل خلفا، وترضى بكل من كل بدلا، تسكن دار كل قرن قرنا، وتطعم سؤر كل قوم قوما، تقعد الأراذل مكان الأفاضل، والعجزة مكان الحزمة تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب ، ومن الرجلة إلى المركب ومن البؤس إلى النعمة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الشقاء إلى الخفض والدعة، حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب، ونزعت منهم القوة، فعادوا إلى أبأس البؤس، وأفقر الفقر، وأجدب الجدب. فأما قولك أيها الملك في إضاعة الأهل وتركهم فإني لم أضيعهم، ولم أتركهم، بل وصلتهم وانقطعت إليهم، ولكني كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الأهل من الغرباء، ولا الأعداء من الأولياء، فلما انجلى عني السحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة، واستنبت الأعداء من الأولياء، والأقرباء من الغرباء، فإذا الذين كنت أعدهم أهلين وأصدقاء وإخوانا وخلطاء إنما هم سباع ضارية لا همة لهم إلا أن تأكلني وتأكل بي، غير أن اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوة، فمنهم كالأسد في شدة السورة ومنهم كالذئب في الغارة والنهبة، ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة، ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة، فالطرق واحدة والقلوب مختلفة. فلو أنك أيها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك، وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك، نظرت في أمرك عرفت أنك وحيد فريد، ليس معك أحد من جميع أهل الأرض، وذلك أنك قد عرفت أن عامة الأمم عدو لك، وأن هذه الأمة التي أوتيت الملك عليها كثيرة الحسد من أهل العداوة والغش لك الذين هم أشد عداوة لك من السباع الضارية، وأشد حنقا عليك من كل الأمم الغريبة، وإذا صرت إلى أهل طاعتك ومعرفتك وقرابتك وجدت لهم قوما يعملون عملا بأجر معلوم، يحرصون مع ذلك أن ينقصوك من العمل فيزدادوك من الاجر، وإذا صرت إلى أهل خاصتك وقرابتك صرت إلى قوم جعلت كدك وكدحك ومهنأك وكسبك لهم، فأنت تؤدي إليهم كل يوم الضريبة، وليس كلهم وإن وزعت بينهم جميع كدك عنك براض فإن أنت حبست عنهم ذلك فليس منهم البتة براض، أفلا ترى أنك أيها الملك وحيد لا أهل لك ولا مال. فأما أنا فإن لي أهلا ومالا وإخوانا وأخواتا وأولياء، لا يأكلوني، ولا يأكلون بي، يحبوني وأحبهم، فلا يفقد الحب بيننا، ينصحوني وأنصحهم فلا غش بيننا، ويصدقوني وأصدقهم فلا تكاذب بيننا، ويوالوني وأواليهم فلا عداوة بيننا، ينصروني وأنصرهم فلا تخاذل بيننا، يطلبون الخير الذي إن طلبته معهم لم يخافوا أن أغلبهم عليه أو أستأثر به دونهم، فلا فساد بيننا ولا تحاسد، يعملون لي وأعمل لهم بأجور لا تنفد ولا يزال العمل قائما بيننا، هم هداتي إن ضللت، ونور بصري إن عميت، وحصني إن اتيت، ومجني أن رميت وأعواني إذا فزعت، وقد تنزهنا عن البيوت والمخاني فلا يزيدها وتركنا الذخاير والمكاسب لأهل الدنيا فلا تكاثر بيننا، ولا تباغي، ولا تباغض، ولا تفاسد، ولا تحاسد، ولا تقاطع، فهؤلاء أهلي أيها الملك وإخواني وأقربائي وأحبائي، أحببتهم وانقطعت إليهم، وتركت الذين كنت أنظر إليهم بالعين المسحورة لما عرفتهم، والتمست السلامة منهم. فهذه الدنيا أيها الملك التي أخبرتك أنها لا شئ فهذا نسبها وحسبها ومسيرها إلى ما قد سمعت، قد رفضتها لما عرفتها، وأبصرت الامر الذي هو الشئ فإن كنت تحب أيها الملك أن أصف لك ما أعرف عن أمر الآخرة التي هي الشئ فاستعد إلى السماع، تسمع غير ما كنت تسمع به من الأشياء. فلم يزده الملك عليه إلا أن قال له: كذبت لم تصب شيئا، ولم تظفر إلا بالشقاء والعناء، فاخرج ولا تقيمن في شئ من مملكتي، فإنك فاسد مفسد. وولد للملك في تلك الأيام بعد إياسه من الذكور غلام لم ير الناس مولودا مثله قط حسنا وجمالا وضياء، فبلغ السرور من الملك مبلغا عظيما كاد يشرف منه على هلاك نفسه من الفرح، وزعم أن الأوثان التي كان يعبدها هي التي وهبت له الغلام، فقسم عامة ما كان في بيوت أمواله على بيوت أوثانه، وأمر الناس بالاكل والشرب سنة وسمى الغلام يوذاسف، وجمع العلماء والمنجمين لتقويم ميلاده، فرفع المنجمون إليه أنهم يجدون الغلام يبلغ من الشرف والمنزلة مالا يبلغه أحد قط في أرض الهند، واتفقوا على ذلك جميعا، غير أن رجلا قال: ما أظن الشرف والمنزلة والفضل الذي وجدناه يبلغه هذا الغلام إلا شرف الآخرة ولا أحسبه إلا أن يكون إماما في الدين والنسك وذا فضيلة في درجات الآخرة لأني أرى الشرف الذي تبلغه ليس يشبه شيئا من شرف الدنيا وهو شبيه بشرف الآخرة. فوقع ذلك القول من الملك موقعا كاد أن ينغصه سروره بالغلام، وكان المنجم الذي أخبره بذلك من أوثق المنجمين في نفسه وأعلمهم وأصدقهم عنده، وأمر الملك للغلام بمدينة فأخلاها وتخير له من الظؤرة والخدم كل ثقة وتقدم إليهم أن لا يذكر فيما بينهم موت ولا آخرة ولا حزن ولا مرض ولا فناء حتى تعتاد ذلك ألسنتهم وتنساه قلوبهم، وأمرهم إذا بلغ الغلام أن لا ينطقوا عنده بذكر شئ مما يتخوفونه عليه خشية أن يقع في قلبه منه شئ فيكون ذلك داعية إلى اهتمامه بالدين والنسك، وأن يتحفظوا ويتحرزوا من ذلك، ويتفقد بعضهم من بعض، وازداد الملك عند ذلك حنقا على النساك مخافة على ابنه. وكان لذلك الملك وزير قد كفل أمره وحمل عنه مؤونة سلطانه، وكان لا يخونه ولا يكذبه ولا يكتمه، ولا يؤثر عليه، ولا يتوانى في شئ من علمه، ولا يضيعه، وكان الوزير مع ذلك رجلا لطيفا طلقا معروفا بالخير يحبه الناس ويرضون به إلا أن أحباء الملك وأقربائه كانوا يحسدونه، ويبغون عليه، ويستثقلون بمكانه. ثم إن الملك خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه ذلك الوزير فأتى به في شعب من الشعاب على رجل قد أصابته زمانة شديدة في رجليه، ملقى في أصل شجرة لا يستطيع براحا فسأله الوزير عن شأنه فأخبره أن السباع أصابته، فرق له الوزير فقال له الرجل: ضمني إليك واحملني إلى منزلك فإنك تجد عندي منفعة فقال الوزير: إني لفاعل وإن لم أجد عندك منفعة، ولكن يا هذا ما المنفعة التي تعدينها، هل تعمل عملا أو تحسن شيئا؟ فقال الرجل: نعم أنا أرتق الكلام فقال، وكيف ترتق الكلام؟ قال: إذا كان فيه فتق أرتقه حتى لا يجيئ من قبله فساد، فلم ير الوزير قوله شيئا، وأمر بحمله إلى منزله وأمر له بما يصلحه حتى إذ كان بعد ذلك احتال أحباء الملك للوزير وضربوا له الأمور ظهرا وبطنا فاجمع رأيهم على أن دسوا رجلا منهم إلى الملك، فقال له: أيها الملك إن هذا الوزير يطمع في ملكك أن يغلب عليه عقبك من بعدك فهو يصانع الناس على ذلك، ويعمل عليه دائبا، فإن أردت أن تعلم صدق ذلك فأخبره أنه قد بدا لك أن ترفض الملك وتلحق بالنساك، فإنك سترى من فرحه بذلك ما تعرف به أمره، وكان القوم قد عرفوا من الوزير رقة عند ذكر فناء الدنيا والموت ولينا للنساك وحبا لهم فعملوا فيه من الوجه الذي ظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم منه، فقال الملك: لئن هجمت منه على هذا لم أسأل عما سواه، فلما أن دخل عليه الوزير قال له الملك: إنك قد عرفت حرصي على الدنيا وطلب الملك وإني ذكرت ما مضى من ذلك فلم أجد معي منه طائلا، وقد عرفت أن الذي بقي منه كالذي مضى فإنه يوشك أن ينقضي ذلك كله بأجمعه فلا يصير في يدي منه شئ، وأنا أريد أن أعمل في حال الآخرة عملا قويا على قدر ما كان من عملي في الدنيا وقد بدا لي أن الحق بالنساك واخلي هذا العمل لأهله فما رأيك؟ قال: فرق الوزير لذلك رقة شديدة حتى عرف الملك ذلك منه، ثم قال: أيها الملك إن الباقي وإن كان عزيزا لأهل أن يطلب وإن الفاني وإن استمكنت منه لأهل أن يرفض ونعم الرأي رأيت، وإني لأرجو أن يجمع الله لك مع الدنيا شرف الآخرة، قال: فكبر ذلك على الملك ووقع منه كل موقع ولم يبدله شيئا غير أن الوزير عرف الثقل في وجهه فانصرف إلى أهله كئيبا حزينا لا يدري من أين أتي ولا من دهاه ولا يدري ما دواء الملك فيما استنكر عليه فسهر لذلك عامة الليل، ثم ذكر الرجل الذي زعم أنه يرتق الكلام فأرسل إليه فاتي به فقال له: إنك كنت ذكرت لي ذكرا من رتق الكلام فقال الرجل أجل فهل احتجت إلى شئ من ذلك؟ فقال الوزير: نعم أخبرك أني صحبت هذا الملك قبل ملكه ومنذ صار ملكا فلم أستنكره فيما بيني وبينه قط لما يعرفه من نصيحتي وشفقتي وإيثاري إياه على نفسي وعلى جميع الناس، حتى إذا كان هذا اليوم استنكرته استنكارا شديدا لا أظن خيرا عنده بعده، فقال له الراتق: هل لذلك سبب أو علة، قال الوزير: نعم دعاني أمس وقال لي كذا وكذا فقلت له كذا وكذا، فقال: من ههنا جاء الفتق وأنا أرتقه إن شاء الله. إعلم أن الملك قد ظن أنك تحب أن ينجلي هو عن ملكه وتخلفه أنت فيه فإذا كان عند الصبح فاطرح عنك ثيابك وحليتك وألبس أوضع ما تجده من ذي النساك واشهره ثم احلق رأسك وامض على وجهك إلى باب الملك فإن الملك سيدعو بك ويسألك عن الذي صنعت فقل له: هذا الذي دعوتني إليه ولا ينبغي لاحد أن يشير على صاحبه بشئ إلا واساه فيه وصبر عليه، وما أظن الذي دعوتني إليه إلا خيرا مما نحن فيه، فقم إذا بدا لك، ففعل الوزير ذلك فتخلى عن نفس الملك ما كان فيها عليه. ثم أمر الملك بنفي النساك من جميع بلاده وتوعدهم بالقتل، فجدوا في الهرب والاستخفاء، ثم إن الملك خرج ذات يوم متصيدا فوقع بصره على شخصين من بعيد فأرسل إليهما فاتي بهما فإذا هما ناسكان فقال لهما: ما بالكما لن تخرجا من بلادي قالا: قد أتتنا رسلك ونحن على سبيل الخروج، قال: ولم خرجتما راجلين، قالا: لأنا قوم ضعفاء ليس لنا دواب ولا زاد ولا نستطيع الخروج إلا بالتقصير، قال الملك: إن من خاف الموت أسرع بغير دابة، ولا زاد فقالا له: إنا لا نخاف الموت بل لا ننظر قرة عين في شئ من الأشياء إلا فيه. قال الملك: وكيف لا تخافان الموت وقد زعمتما أن رسلنا لما أتتكم وأنتم على سبيل الخروج أفليس هذا هو الهرب من الموت؟ قالا: إن الهرب من الموت ليس من الفرق فلا تظن أنا فرقناك ولكنا هربنا من أن يعينك على أنفسنا، فأسف الملك وأمر بهما أن يحرقا بالنار، وأذن في أهل مملكته بأخذ النساك وتحريقهم بالنار فتجرد رؤساء عبدة الأوثان في طلبهم وأخذوا منهم بشرا كثيرا وأحرقوهم بالنار، فمن ثم صار التحريق سنة باقية في أرض الهند، وبقي في جميع تلك الأرض قوم قليل من النساك كرهوا الخروج من البلاد، واختاروا الغيبة والاستخفاء ليكونوا دعاة وهداة لمن وصلوا إلى كلامه. فنبت ابن الملك أحسن نبات في جسمه وعقله وعلمه ورأيه، ولكنه لم يؤخذ بشئ من الآداب إلا بما يحتاج إليه الملوك مما ليس فيه ذكر موت ولا زوال ولا فناء واوتى الغلام من العلم والحفظ شيئا كان عند الناس من العجائب، وكان أبوه لا يدري أيفرح بما أوتي ابنه من ذلك أو يحزن له لما يتخوف عليه أن يدعوه ذلك إلى ما قيل فيه. فلما فطن الغلام بحصرهم إياه في المدينة ومنعهم إياه من الخروج والنظر والاستماع وتحفظهم عليه ارتاب لذلك وسكت عنه وقال في نفسه هؤلاء أعلم بما يصلحني مني حتى إذا ازداد بالسن والتجربة علما قال: ما أرى لهؤلاء علي فضلا وما أنا بحقيق أن أقلدهم أمري، فأراد أن يكلم أباه إذا دخل عليه ويسأله عن سبب حصره إياه، ثم قال: ما هذا الامر إلا من قبله وما كان ليطلعني عليه ولكني حقيق أن ألتمس علم ذلك من حيث أرجو إدراكه، وكان في خدمه رجل كان ألطفهم به وأرأفهم به، وكان الغلام إليه مستأنسا فطمع الغلام في إصابة الخبر من قبل ذلك الرجل فازداد له ملاطفة وبه استيناسا، ثم إن الغلام واضعه الكلام في بعض الليل باللين وأخبره أنه بمنزلة والده وأولى الناس به، ثم أخذه بالترغيب والترهيب وقال له: إني لأظن هذا الملك سائر لي بعد والدي وأنت فيه سائر أحد رجلين إما أعظم الناس فيه منزلة وإما أسوء الناس حالا، قال له الحاضن وبأي شئ أتخوف في ملكك سوء الحال قال: بأن تكتمني اليوم أمرا أفهمه غدا من غيرك، فأنتقم منك بأشد ما أقدر عليك، فعرف الحاضن منه الصدق وطمع منه في الوفاء فأفشى إليه خبره، والذي قال المنجمون لأبيه، والذي حذر أبوه من ذلك، فشكر له الغلام ذلك وأطبق عليه حتى إذا دخل عليه أبوه. قال: يا أبه إني وإن كنت صبيا فقد رأيت في نفسي واختلاف حالي أذكر من ذلك ما أذكر وأعرف بمالا أذكر منه ما أعرف وأنا أعرف أني لم أكن على هذا المثال وأنك لم تكن على هذه الحال، ولا أنت كائن عليها إلى الأبد وسيغيرك الدهر عن حالك هذه، فلئن كنت أردت أن تخفي عني أمر الزوال فما خفي علي ذلك، ولئن كنت حبستني عن الخروج وحلت بيني وبين الناس لكيلا تتوق نفسي إلى غير ما أنا فيه لقد تركتني بحصرك إياي، وإن نفسي لقلقة مما تحول بيني وبينه حتى مالي هم غيره، ولا أردت سواه، حتى لا يطمئن قلبي إلى شئ مما أنا فيه ولا أنتفع به ولا آلفه، فخل عني وأعلمني بما تكره من ذلك وتحذره حتى أجتنبه وأوثر موافقتك ورضاك على ما سواهما. فلما سمع الملك ذلك من ابنه على أنه قد علم ما الذي يكرهه وأنه من حبسه وحصره لا يزيده إلا إغراء وحرصا على ما يحال بينه وبينه، فقال: يا بني ما أردت بحصري إياك إلا أن انحي عنك الأذى، فلا ترى إلا ما يوافقك ولا تسمع إلا ما يسرك، فأما إذا كان هواك في غير ذلك فإن آثر الأشياء عندي ما رضيت وهويت. ثم أمر الملك أصحابه أن يركبوه في أحسن زينة وأن ينحوا عن طريقه كل منظر قبيح، وأن يعدوا له المعازف والملاهي ففعلوا ذلك، فجعل بعد ركبته تلك يكثر الركوب، فمر ذات يوم على طريق قد غفلوا عنه فأتى على رجلين من السؤال أحدهما قد تورم وذهب لحمه، واصفر جلده، وذهب ماء وجهه، وسمج منظره، والاخر أعمى يقوده قائد، فلما رأى ذلك اقشعر منهما وسأل عنهما فقيل له: إن هذا المورم من سقم باطن، وهذا الأعمى من زمانة، فقال ابن الملك: وإن هذا البلاء ليصيب غير واحد؟ قالوا: نعم فقال: هل يأمن أحد من نفسه أن يصيبه مثل هذا؟ قالوا: لا، وانصرف يومئذ مهموما ثقيلا محزونا باكيا مستخفا بما هو فيه من ملكه وملك أبيه فلبث بذلك أياما. ثم ركب ركبة فأتى في مسيره على شيخ كبير قد انحنى من الكبر، وتبدل خلقه، وابيض شعره، واسود لونه، وتقلص جلده ، وقصر خطوه فعجب منه وسأل عنه، فقالوا: هذا الهرم، فقال: وفي كم يبلغ الرجل ما أرى؟ قالوا: في مائة سنة أو نحو ذلك، وقال: فما وراء ذلك؟ قالوا: الموت، قال: فما يخلى بين الرجل وبين ما يريد من المدة؟ قالوا: لا وليصيرن إلى هذا في قليل من الأيام، فقال: الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا وانقضاء العمر مائة سنة فما أسرع اليوم في الشهر، وما أسرع الشهر في السنة، وما أسرع السنة في العمر فانصرف الغلام، وهذا كلامه يبديه ويعيده مكررا له. ثم سهر ليلته كلها وكان له قلب حي ذكي وعقل لا يستطيع معه نسيانا ولا غفلة، فعلاه الحزن والاهتمام فانصرف نفسه عن الدنيا وشهواتها وكان في ذلك يداري أباه ويتلطف عنده وهو مع ذلك قد أصغى بسمعه إلى كل متكلم بكلمة طمع أن يسمع شيئا يدله على غير ما هو فيه، وخلا بحاضنه الذي كان أفضى إليه بسره، فقال له: هل تعرف من الناس أحدا شأنه غير شأننا، قال: نعم قد كان قوم يقال لهم: النساك، رفضوا الدنيا وطلبوا الآخرة، ولهم كلام، وعلم لا يدرى ما هو، غير أن الناس عادوهم وأبغضوهم وحرقوهم ونفاهم الملك عن هذه الأرض، فلا يعلم اليوم ببلادنا منهم أحد فإنهم قد غيبوا أشخاصهم ينتظرون الفرج، وهذه سنة في أولياء الله قديمة يتعاطونها في دول الباطل، فاغتص لذلك الخبر فؤاده، وطال به اهتمامه، وصار كالرجل الملتمس ضالته التي لا بدله منها، وذاع خبره في آفاق الأرض وشهر بتفكره وجماله وكماله وفهمه وعقله وزهادته في الدنيا وهوانها عليه. فبلغ ذلك رجلا من النساك يقال له: بلوهر، بأرض يقال لها: سرانديب، وكان رجلا ناسكا حكيما فركب البحر حتى أتى أرض سولابط، ثم عمد إلى باب ابن الملك فلزمه وطرح عنه زي النساك ولبس زي التجار وتردد إلى باب ابن الملك حتى عرف الأهل والأحباء والداخلين إليه، فلما استبان له لطف الحاضن بابن الملك، وحسن منزلته منه أطاف به بلوهر حتى أصاب منه خلوة، فقال له: إني رجل من تجار سرانديب، قدمت منذ أيام، ومعي سلعة عظيمة نفيسة الثمن، عظيمة القدر، فأردت الثقة لنفسي فعليك وقع اختياري، وسلعتي خير من الكبريت الأحمر، وهي تبصر العميان، وتسمع الصم، وتداوي من الأسقام، وتقوي من الضعف، وتعصم من الجنون، وتنصر على العدو، ولم أر بهذا أحدا هو أحق بها من هذا الفتى فإن رأيت أن تذكر له ذلك ذكرته فإن كان له فيها حاجة أدخلتني عليه، فإنه لم يخف عنه فضل سلعتي لو قد نظر إليها، قال الحاضن: للحكيم إنك لتقول شيئا ما سمعنا به من أحد قبلك ولا أرى بك بأسا وما مثلي يذكر مالا يدري به ما هو، فأعرض علي سلعتك أنظر إليها فإن رأيت شيئا ينبغي لي أن أذكره ذكرته، قال له بلوهر: إني رجل طبيب وإني لأرى في بصرك ضعفا فأخاف إن نظرت إلى سلعتي أن يلتمع بصرك، ولكن ابن الملك صحيح البصر حدث السن ولست أخاف عليه أن ينظر إلى سلعتي فإن رأى ما يعجبه كانت له مبذولة على ما يحب، وإن كان غير ذلك لم تدخل عليه مؤونة ولا منقصة، وهذا أمر عظيم لا يسعك أن تحرمه إياه أو تطويه دونه، فانطلق الحاضن إلى ابن الملك فأخبره خبر الرجل فحس قلب ابن الملك بأنه قد وجد حاجته، فقال: عجل إدخال الرجل علي ليلا وليكن ذلك في سر وكتمان، فإنه مثل هذا لا يتهاون به. فأمر الحاضن بلوهر بالتهئ للدخول عليه، فحمل معه سفطا فيه كتب له، فقال الحاضن: ما هذا السفط؟ قال بلوهر: في هذا السفط سلعتي فإذا شئت فأدخلني عليه فانطلق به حتى أدخله عليه فلما دخل عليه بلوهر سلم عليه وحياه وأحسن ابن الملك إجابته، وانصرف الحاضن، وقعد الحكيم عند الملك فأول ما قال له بلوهر: رأيتك يا ابن الملك زدتني في التحية على ما تصنع بغلمانك وأشراف أهل بلادك؟ قال ابن الملك: ذلك لعظيم ما رجوت عندك، قال بلوهر: لئن فعلت ذلك بي فقد كان رجلا من الملوك في بعض الآفاق يعرف بالخير ويرجى فبينا هو يسير يوما في موكبه إذ عرض له في مسيره رجلان ماشيان، لباسهما الخلقان، وعليهما أثر البؤس والضر، فلما نظر إليهما الملك لم يتمالك أن وقع على الأرض فحياهما وصافحهما، فلما رأى ذلك وزراؤه اشتد جزعهم مما صنع الملك فأتوا أخا له وكان جريا عليه فقالوا: إن الملك أزرى بنفسه، وفضح أهل مملكته، وخر عن دابته لانسانين دنيين، فعاتبه على ذلك كيلا يعود، ولمه على ما صنع، ففعل ذلك أخ الملك فأجابه الملك بجواب لا يدري ما حاله فيه أساخط عليه الملك أم راض عنه، فانصرف إلى منزله حتى إذا كان بعد أيام أمر الملك مناديا وكان يسمى منادي الموت فنادى في فناء داره، وكانت تلك سنتهم فيمن أرادوا قتله، فقامت النوائح والنوادب في دار أخ الملك ولبس ثياب الموتى وانتهى إلى باب الملك وهو يبكي بكاء شديدا ونتف شعره، فلما بلغ ذلك الملك دعا به، فلما أذن له الملك دخل عليه ووقع على الأرض ونادى بالويل والثبور ورفع يده بالتضرع فقال له الملك: اقترب أيها السفيه أنت تجزع من مناد نادى من بابك بأمر مخلوق وليس بأمر خالق، وأنا أخوك وقد تعلم أنه ليس لك إلي ذنب أقتلك عليه، ثم أنتم تلومونني على وقوعي إلى الأرض حين نظرت إلى منادي ربي إلي وأنا أعرف منكم بذنوبي، فاذهب فإني قد علمت أنه إنما استغرك وزرائي وسيعلمون خطأهم. ثم أمر الملك بأربعة توابيت فصنعت له من خشب فطلا تابوتين منها بالذهب وتابوتين بالقار، فلما فرغ منها ملا تابوتي القار ذهبا وياقوتا وزبر جدا وملا تابوتي الذهب جيفا ودما وعذرة وشعرا، ثم جمع الوزراء والاشراف الذين ظن أنهم أنكروا صنيعه بالرجلين الضعيفين الناسكين فعرض عليهم التوابيت الأربعة وأمرهم بتقويمها، فقالوا: أما في ظاهر الامر وما رأينا ومبلغ علمنا فإن تابوتي الذهب لأثمن لهما لفضلهما وتابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما، فقال الملك: أجل هذا لعلمكم بالأشياء ومبلغ رأيكم فيها، ثم أمر بتابوتي القار فنزعت عنهما صفايحهما فأضاء البيت بما فيها من الجواهر فقال: هذا مثل الرجلين الذين ازدريتم لباسهما وظاهرهما وهما مملو ان علما وحكمة وصدقا وبرا وسائر مناقب الخير الذي هو أفضل من الياقوت واللؤلؤ والجوهر والذهب. ثم أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أبوابهما فاقشعر القوم من سوء منظرهما وتأذوا بريحهما ونتنهما، فقال الملك وهذان مثل القوم المتزينين بظاهر الكسوة واللباس وأجوافهما مملوة جهالة وعمى وكذبا وجورا وسائر أنواع الشر التي هي أفضع وأشنع وأقذر من الجيف. قال القوم: قد فقهنا واتعظنا أيها الملك. ثم قال بلوهر: هذا مثلك يا ابن الملك فيما تلقيتني به من التحية والبشر فانتصب يوذاسف ابن الملك وكان متكئا، ثم قال: زدني مثلا قال الحكيم: إن الزارع خرج ببذره الطيب ليبذره، فلما ملا كفه ونثره وقع بعضه على حافة الطريق فلم يلبثان أن التقطه الطير ووقع بعضه على صفاة قد أصابها ندى وطين، فمكث حتى اهتز. فلما صارت عروقه إلى يبس الصفاة مات ويبس، ووقع بعضه بأرض ذات شوك فنبت حتى سنبل، وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأبطله، وأما ما كان منه وقع في الأرض الطيبة وإن كان قليلا فإنه سلم وطاب وزكى، فالزارع حامل الحكمة، وأما البذر ففنون الكلام، وأما ما وقع منه على حافة الطريق فالتقطه الطير فمالا يجاوز السمع منه حتى يمر صفحا، وأما ما وقع على الصخرة في الندى فيبس حين بلغت عروقه الصفاة فما استحلاه صاحبه حتى سمعه بفراغ قلبه وعرفه بفهمه ولم يفقه بحصافة ولايته، وأما ما نبت منه وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأهلكه فما وعاه صاحبه حتى إذا كان عند العمل به حفته الشهوات فأهلكته، وأما ما زكي وطاب وسلم منه وانتفع به رآه البصر ووعاه الحفظ، وأنفذه العزم بقمع الشهوات وتطهير القلوب من دنسها. قال ابن الملك: إني أرجو أن يكون ما تبذره أيها الحكيم ما يزكو ويسلم ويطيب فاضرب لي مثل الدنيا وغرور أهلها بها. قال بلوهر: بلغنا أن رجلا حمل عليه فيل مغتلم فانطلق موليا هاربا وأتبعه الفيل حتى غشيه فاضطره إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ووقعت قدماه على رؤوس حياة، فلما تبين له الغصنين فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض والاخر أسود، فلما نظر إلى تحت قدميه، فإذا رؤس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن، فلما نظر إلى قعر البئر إذا بتنين فاغرفاه نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى أعلا الغصنين إذا عليهما شئ من عسل النحل فتطعم من ذلك العسل فألهاه ما طعم منه، وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر في أمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته. أما البئر فالدنيا مملوة آفات وبلايا وشرور، وأما الغصنان فالعمر، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الأجل، وأما الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به، وأما التنين الفاغرفاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب، وأما العسل الذي اغتر به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشهواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشم واللمس والسمع والبصر. قال ابن الملك: إن هذا المثل عجيب وأن هذا التشبيه حق، فزدني مثلا للدنيا وصاحبها المغرور بها المتهاون بما ينفعه فيها؟ قال بلوهر، زعموا أن رجلا كان له ثلاثة قرناء، وكان قد آثر أحدهم على الناس جميعا، ويركب الأهوال والاخطار بسببه ويغرر بنفسه له، ويشغل ليله ونهاره في حاجته، وكان القرين الثاني دون الأول منزلة وهو على ذلك حبيب إليه مشفق عنده، ويكرمه ويلاطفه ويخدمه ويطيعه ويبذل له ولا يغفل عنه، وكان القرين الثالث محقورا مستثقلا، ليس له من وده وماله إلا أقله حتى إذا نزل بالرجل الامر الذي يحتاج فيه إلى قرنائه الثلاثة، فأتاه جلاوزة الملك ليذهبوا به ففزع إلى قرينه الأول فقال له: قد عرفت إيثاري إياك وبذل نفسي لك، وهذا اليوم يوم حاجتي إليك فماذا عندك؟ قال: ما أنا لك بصاحب وإن لي أصحابا يشغلوني عنك، هم اليوم أولى بي منك ولكن لعلي أزودك ثوبين لتنتفع بهما. ثم فزع إلى قرينه الثاني ذي المحبة واللطف، فقال له: قد عرفت كرامتي إياك ولطفي بك وحرصي على مسرتك، وهذا يوم حاجتي إليك فماذا عندك؟ فقال: إن أمر نفسي يشغلني عنك وعن أمرك، فاعمد لشأنك، واعلم أنه قد انقطع الذي بيني وبينك وأن طريقي غير طريقك إلا أني لعلي أخطو معك خطوات يسيرة لا تنتفع بها، ثم أنصرف إلى ما هو أهم إلي منك. ثم فزع إلى قرينه الثالث الذي كان يحقره ويعصيه ولا يلتفت إليه أيام رخائه فقال له: إني منك لمستح ولكن الحاجة اضطرتني إليك فماذا لي عندك؟ قال: لك عندي المواساة، والمحافظة عليك، وقلة الغفلة عنك، فأبشر وقر عينا فإني صاحبك الذي لا يخذلك ولا يسلمك، فلا يهمك قلة ما أسلفتني واصطنعت إلي، فإني قد كنت أحفظ لك ذلك وأوفره عليك كله، ثم لم أرض لك بعد ذلك به حتى اتجرت لك به فربحت أرباحا كثيرة، فلك اليوم عندي من ذلك أضعاف ما وضعت عندي منه فأبشر، وإني أرجو أن يكون في ذلك رضي الملك عنك اليوم وفرجا مما أنت فيه. فقال الرجل عند ذلك: ما أدري على أي الامرين أنا أشد حسرة عليه على ما فرطت في القرين الصالح أم على ما اجتهدت فيه من المحبة لقرين السوء؟. قال بلوهر: فالقرين الأول هو المال والقرين الثاني هو الأهل والولد، والقرين الثالث هو العمل الصالح. قال ابن الملك: إن هذا هو الحق المبين فزدني مثلا للدنيا وغرورها و صاحبها المغرور بها، المطمئن إليها. قال بلوهر: كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملكونه عليهم سنة فلا يشك أن ملكه دائم عليهم لجهالته بهم فإذا انقضت السنة أخرجوه من مدينتهم عريانا مجردا سليبا، فيقع في بلاء وشقاء لم يحدث به نفسه، فصار ما مضى عليه من ملكه وبالا وحزنا ومصيبة وأذى، ثم إن أهل المدينة أخذوا رجلا آخر فملكوه عليهم فلما رأى الرجل غربته فيهم لم يستأنس بهم وطلب رجلا من أهل أرضه خبيرا بأمرهم حتى وجده فأفضى إليه بسر القوم وأشار إليه أن ينظر إلى الأموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع الأول فالأول حتى يحرزه في المكان الذي يخرجونه إليه فإذا أخرجه القوم صار إلى الكفاية والسعة بما قدم وأحرز، ففعل ما قال له الرجل ولم يضيع وصيته. قال بلوهر: وإني لأرجو أن تكون ذلك الرجل يا ابن الملك الذي لم يستأنس بالغرباء ولم يغتر بالسلطان، وأنا الرجل الذي طلبت ولك عندي الدلالة والمعرفة والمعونة. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم أنا ذلك الرجل وأنت ذلك الرجل وأنت طلبتي التي كنت طلبتها فصف لي أمر الآخرة تاما، فأما الدنيا فلعمري لقد صدقت ولقد رأيت منها ما يدلني على فنائها ويزهدني فيها، ولم يزل أمرها حقيرا عندي. قال بلوهر: إن الزهادة في الدنيا يا ابن الملك مفتاح الرغبة إلى الآخرة، ومن طلب الآخرة فأصاب بابها دخل ملكوتها وكيف لا تزهد في الدنيا وقد آتاك الله من العقل ما آتاك، وقد ترى أن الدنيا كلها وإن كثرت إنما يجمعها أهلها لهذه الأجساد الفانية، والجسد لأقوام له، ولا امتناع به، فالحر يذيبه، والبرد يجمده، والسموم يتخلله، والماء يغرقه، والشمس تحرقه، والهواء يسقمه، والسباع يفترسه، والطير تنقره، والحديد يقطعه، والصدم يحطمه، ثم هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض، فهو مرتهن بها، مترقب لها، وجل منها، غير طامع في السلامة منها، ثم هو مقارن الآفات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد وهي الجوع والظمأ والحر والبرد والوجع والخوف والموت. فأما ما سألت منه من الامر الآخرة، فإني أرجو أن تجد ما تحسبه بعيدا قريبا، وما كنت تحسبه عسيرا يسيرا، وما كنت تحسبه قليلا كثيرا. قال ابن الملك: أيها الحكيم أرأيت القوم الذين كان والدي حرقهم بالنار ونفاهم أهم أصحابك؟ فقال: نعم، قال: فإنه بلغني أن الناس اجتمعوا على عداوتهم وسوء الثناء عليهم، قال بلوهر: نعم قد كان ذلك، قال: فما سبب ذلك أيها الحكيم؟ قال بلوهر: أما قولك يا ابن الملك في سوء الثناء عليهم فما عسى أن يقولون فيمن يصدق ولا يكذب، ويعلم ولا يجهل، ويكف ولا يؤذي، ويصلي ولا ينام، ويصوم ولا يفطر، ويبتلي فيصبر، ويتفكر فيعتبر، ويطيب نفسه عن الأموال والأهلين، ولا يخافهم الناس على أموالهم وأهليهم. قال ابن الملك: فكيف اتفق الناس على عداوتهم وهم فيما بينهم مختلفون؟ قال بلوهر: مثلهم في ذلك مثل كلاب اجتمعوا على جيفة تنهشها ويهار بعضها بعضا، مختلفة الألوان والأجناس فبينا هي تقبل على الجيفة ازدني رجل منهم فترك بعضهن بعضا وأقبلن على الرجل فيهرن عليه جميعا معاويات عليه وليس للرجل في جيفتهن حاجة ولا أراد أن ينازعهن فيها، ولكن هن عرفن غربته منهن فاستوحشن منه واستأنس بعضهن ببعض وإن كن مختلفات متعاديات فيما بينهن من قبل أن يرد الرجل عليهن. قال بلوهر: فمثل الجيفة متاع الدنيا ومثل صنوف الكلاب ضروب الرجال الذين يقتتلون على الدنيا ويهرقون دماءهم وينفقون لها أموالهم، ومثل الرجل الذي اجتمعت عليه الكلاب ولا حاجة له في جيفهن كمثل صاحب الدين الذي رفض الدنيا وخرج منها، فليس ينازع فيها أهلها ولا يمنع ذلك الناس من أن يعادونه لغربته عندهم، فإن عجبت فأعجبت من الناس أنهم لا همة لهم إلا الدنيا وجمعها والتكاثر والتفاخر والتغالب عليها حتى إذا رأوا من قد تركها في أيديهم وتخلى عنها كانوا له أشد قتالا عليه وأشد حنقا منهم للذي يشاحهم عليها فأي حجة لله يا ابن الملك أدحض من تعاون المختلفين على من لا حجة لهم عليه؟ قال ابن الملك أعمد لحاجتي، قال بلوهر: إن الطبيب الرفيق إذ رأى الجسد قد أهلكته الاخلاط الفاسدة فأراد أن يقويه ويسمنه لم يغذه بالطعام الذي يكون منه اللحم والدم والقوة لأنه يعلم أنه متى أدخل الطعام على الاخلاط الفاسدة أضر بالجسد ولم ينفعه ولم يقوه، ولكن يبدأ بالأدوية والحمية من الطعام، فإذا أذهب من جسده الاخلاط الفاسدة أقبل عليه بما يصلحه من الطعام فحينئذ يجد طعم الطعام ويسمن ويقوي ويحمل الثقل بمشية الله عز وجل. وقال ابن الملك أيها الحكيم: أخبرني ماذا تصيب من الطعام والشراب؟ قال الحكيم: زعموا أن ملكا من الملوك كان عظيم الملك كثير الجند والأموال وأنه بداله أن يغزو ملكا آخر ليزداد ملكا إلى ملكه ومالا إلى ماله، فسار إليه بالجنود والعدد والعدة، والنساء والأولاد والأثقال، فأقبلوا نحوه فظهروا عليه واستباحوا عسكره فهرب وساق امرأته وأولاده صغارا فألجأه الطلب عند المساء إلى أجمة على شاطئ النهر فدخلها مع أهله وولده وسيب دوابه مخافة أن تدل عليه بصهيلها فباتوا في الأجمة وهم يسمعون وقع حوافر الخيل من كل جانب فأصبح الرجل لا يطيق براحا، وأما النهر فلا يستطيع عبوره، وأما الفضاء فلا يستطيع الخروج إليه لمكان العدو، فهم في مكان ضيق قد أذاهم البرد وأهجرهم الخوف وطواهم الجوع، وليس لهم طعام ولا معهم زاد ولا إدام، وأولاده صغار جياع يبكون من الضر الذي قد أصابهم فمكث بذلك يومين، ثم إن أحد بنيه مات فألقوه في النهر فمكث بعد ذلك يوما آخر فقال الرجل لامرأته إنا مشرفون على الهلاك جميعا وإن بقي بعضنا وهلك بعضنا كان خيرا من أن نهلك جميعا وقد رأيت أن أعجل ذبح صبي من هؤلاء الصبيان فنجعله قوتا لنا ولأولادنا إلى أن يأتي الله عز وجل بالفرج فإن أخرنا ذلك هزل الصبيان حتى لا يشبع لحومهم وتضعف حتى لا نستطيع الحركة ان وجدنا إلى ذلك سبيلا، وطاوعته امرأته فذبح بعض أولاده ووضعوه بينهم ينهشونه، فما ظنك يا ابن الملك بذلك المضطر أأكل الكلب المستكثر يأكل؟ أم أكل المضطر المستقل؟ قال ابن الملك: بل أكل المستقل، قال الحكيم: كذلك أكلي وشربي يا ابن الملك في الدنيا. فقال له ابن الملك: أرأيت هذا الذي تدعوني إليه أيها الحكيم أهو شئ نظر الناس فيه بعقولهم وألبابهم حتى اختاروه على ما سواه لأنفسهم أم دعاهم الله إليه فأجابوا، قال الحكيم: علا هذا الامر ولطف عن أن يكون من أهل الأرض أو برأيهم دبروه، ولو كان من أهل الأرض لدعوا إلى عملها وزينتها وحفظها ودعتها ونعيمها ولذتها ولهوها ولعبها وشهواتها، ولكنه أمر غريب ودعوة من الله عز وجل ساطعة، وهدى مستقيم ناقض على أهل الدنيا أعمالهم، مخالف لهم، عائب عليهم، وطاعن ناقل لهم عن أهوائهم، داع لهم إلى طاعة ربهم، وإن ذلك لبين لمن تنبه، مكتوم عنده عن غير أهله حتى يظهر الله الحق بعد خفائه ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين جهلوا السفلى. قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم. ثم قال الحكيم: إن من الناس من تفكر قبل مجيئ الرسل عليهم السلام فأصاب، ومنهم من دعته الرسل بعد مجيئها فأجاب وأنت يا ابن الملك ممن تفكر بعقله فأصاب. قال ابن الملك: فهل تعلم أحدا من الناس يدعو إلي التزهيد في الدنيا غيركم؟ قال الحكيم: أما في بلادكم هذه فلا وأما في سائر الأمم ففيهم قوم ينتحلون الدين بألسنتهم ولم يستحقوه بأعمالهم، فاختلف سبيلنا وسبيلهم، قال ابن الملك: كيف صرتم أولى بالحق منهم وإنما أتاكم هذا الامر الغريب من حيث أتاهم؟ قال الحكيم: الحق كله جاء من عند الله عز وجل وإنه تبارك وتعالى دعا العباد إليه فقبله قوم بحقه وشروطه حتى أدوه إلى أهله كما أمروا، لم يظلموا ولم يخطئوا ولم يضيعوا، وقبله آخرون فلم يقوموا بحقه وشروطه، ولم يؤدوه إلى أهله، ولم يكن لهم فيه عزيمة، ولا على العمل به نية ضمير، فضيعوه واستثقلوه فالمضيع لا يكون مثل الحافظ، والمفسد لا يكون كالمصلح، والصابر لا يكون كالجازع، فمن ههنا كنا نحن أحق به منهم وأولى. ثم قال الحكيم: إنه ليس يجري على لسان أحد منهم من الدين والتزهيد والدعاء إلى الآخرة إلا وقد اخذ ذلك عن أصل الحق الذي عنه أخذنا، ولكنه فرق بيننا وبينهم أحداثهم التي أحدثوا وابتغاؤهم الدنيا وإخلادهم إليها، وذلك أن هذه الدعوة لم تزل تأتي وتظهر في الأرض مع أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم في القرون الماضية على ألسنة مختلفة متفرقة، وكان أهل دعوة الحق أمرهم مستقيم، وطريقهم واضح، ودعوتهم بينة، لا فرقة فيهم ولا اختلاف، فكانت الرسل عليهم السلام إذا بلغوا رسالات ربهم، واحتجوا لله تبارك وتعالى على عباده بحجة وإقامة معالم الدين وأحكامه، قبضهم الله عز وجل إليه عند انقضاء آجالهم ومنتهى مدتهم، ومكثت الأمة من الأمم بعد نبيها برهة من دهرها لا تغير ولا تبدل ثم صار الناس بعد ذلك يحدثون الاحداث ويبتغون الشهوات، ويضيعون العلم، فكان العالم البالغ المستبصر منهم يخفى شخصه ولا يظهر علمه، فيعرفونه باسمه ولا يهتدون إلى مكانه ولا يبقى منهم إلا الخسيس من أهل العلم، يستخف به أهل الجهل والباطل، فيخمل العلم ويظهر الجهل، وتتناس القرون فلا يعرفون إلا الجهل، ويزداد الجهال استعلاء وكثرة، والعلماء خمولا وقلة، فحولوا معالم الله تبارك وتعالى عن وجوهها، وتركوا قصد سبيلها، وهم مع ذلك مقرون بتنزيله، متبعون شبهه ابتغاء تأويله، متعلقون بصفته، تاركون لحقيقته، نابذون لأحكامه، فكل صفة جاءت الرسل تدعوا إليها فنحن لهم موافقون في تلك الصفة، مخالفون لهم في أحكامهم وسيرتهم، ولسنا نخالفهم في شئ إلا ولنا عليهم الحجة الواضحة والبينة العادلة من نعت ما في أيديهم من الكتب المنزلة من الله عز وجل فكل متكلم منهم يتكلم بشئ من الحكمة فهي لنا وهي بيننا وبينهم تشهد لنا عليهم بأنها توافق صفتنا وسيرتنا وحكمنا وتشهد عليهم بأنها مخالفة لسنتهم وأعمالهم، فليسوا يعرفون من الكتاب إلا وصفه، ولا من الذكر إلا اسمه، فليسوا بأهل الكتاب حقيقة حتى يقيموه. قال ابن الملك: فما بال الأنبياء والرسل عليهم السلام يأتون في زمان دون زمان؟ قال الحكيم: إنما مثل ذلك كمثل ملك كانت له أرض موات لا عمران فيها، فلما أراد أن يقبل عليها بعمارته أرسل إليها رجلا جلدا أمينا ناصحا، ثم أمره أن يعمر تلك الأرض وأن يغرس فيها صنوف الشجر وأنواع الزرع، ثم سمى له الملك ألوانا من الغرس معلومة، وأنواعا من الزرع معروفة، ثم أمره أن لا يعدو ما سمى له وأن لا يحدث فيها من قبله شيئا لم يكن أمره به سيده، وأمره أن يخرج لها نهرا ويسد عليها حائطا، ويمنعها من أن يفسدها مفسد، فجاء الرسول الذي أرسله الملك إلى تلك الأرض فأحياها بعد موتها وعمرها بعد خرابها، وغرس فيها وزرع من الصنوف التي أمره بها، ثم ساق نهر الماء إليها حتى نبت الغرس واتصل الزرع، ثم لم يلبث قليلا حتى مات قيمها، وأقام بعده من يقوم مقامه وخلف من بعده خلف خالفوا من أقامه القيم بعده وغلبوه على أمره، فأخربوا العمران، وطموا الأنهار، فيبس الغرس، وهلك الزرع، فلما بلغ الملك خلافهم على القيم بعد رسوله وخراب أرضه أرسل إليها رسولا آخر يحييها ويعيدها ويصلحها كما كانت في منزلتها الأولى، وكذلك الأنبياء والرسل عليهم السلام يبعث الله عز وجل الواحد بعد الواحد فيصلح أمر الناس بعد فساده. قال ابن الملك أيخص الأنبياء والرسل عليهم إذا جاءت بما يبعث به أم تعم؟. قال بلوهر: إن الأنبياء والرسل إذا جاءت تدعوا عامة الناس فمن أطاعهم كان منهم، ومن عصاهم لم يكن منهم، وما تخلو الأرض قط من أن يكون لله عز وجل فيها مطاع من أنبيائه ورسله ومن أوصيائه، وإنما مثل ذلك مثل طائر كان في ساحل البحر يقال له قدم يبيض بيضا كثيرا وكان شديد الحب للفراخ وكثرتها، وكان يأتي عليه زمان يتعذر عليه فيه ما يريده من ذلك، فلا يجد بدا من اتخاذ أرض أخرى حتى يذهب ذلك الزمان فيأخذ بيضه مخافة عليه من أن يهلك من شفقته فيفرقه في أعشاش الطير فتحضن الطير بيضته مع بيضتها وتخرج فراخه مع فراخها، فإذا طال مكث فراخ قدم مع فراخ الطير ألفها بعض فراخ الطير واستأنس بها فإذا كان الزمان الذي ينصرف فيه قدم إلى مكانه مر بأعشاش الطير وأو كارها بالليل فأسمع فراخه وغيرها صوته فإذا سمعت فراخه صوته تبعته وتبع فراخه ما كان ألفها من فراخ سائر الطير ولم يجبه ما لم يكن من فراخ ولا ما لم يكن ألف فراخه وكان قد يضم إليه من أجابه من فراخه حبا للفراخ، و كذلك الأنبياء إنما يستعرضون الناس جميعا بدعائهم فيجيبهم أهل الحكمة والعقل لمعرفتهم لفضل الحكمة، فمثل الطير الذي دعا بصوته مثل الأنبياء والرسل التي تعم الناس بدعائهم، ومثل البيض المتفرق في أعشاش الطير مثل الحكمة، ومثل سائر فراخ الطير التي ألفت فراخ قدم مثل من أجاب الحكماء قبل مجيئ الرسل، لان الله عز وجل جعل لأنبيائه ورسله من الفضل والرأي ما لم يجعل لغيرهم من الناس، وأعطاهم من الحجج والنور والضياء ما لم يعط غيرهم، وذلك لما يريد من بلوغ رسالته ومواقع حججه، وكانت الرسل إذا جاءت وأظهرت دعوتها أجابهم من الناس أيضا من لم يكن أجاب الحكماء وذلك لما جعل الله عز وجل على دعوتهم من الضياء والبرهان. قال ابن الملك: أفرأيت ما يأتي به الرسل والأنبياء إذ زعمت أنه ليس بكلام الناس وكلام الله عز وجل وهو كلام وكلام ملائكته كلام، قال الحكيم: أما رأيت الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقدمها وتأخرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير يحتمل كلامهم الذي هو كلامهم، فوضعوا من النقر والصفير والرجز ما يبلغوا به حاجتهم وما عرفوا أنها تطيق حمله، وكذلك العباد يعجزوا أن يعلموا كلام الله عز وجل وكلام ملائكته على كنهه وكماله ولطفه وصفته قصار ما تراجع الناس بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة شبيها بما وضع الناس للدواب، والطير ولم يمنع ذلك الصوت مكان الحكمة المخبرة في تلك الأصوات من أن تكون الحكمة واضحة بينهم، قوية منيرة شريفة عظيمة، ولم يمنعها من وقوع معانيها على مواقعها وبلوغ ما احتج به الله عز وجل على العباد فيها فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا، وكانت الحكمة للصوت نفسا وروحا، ولا طاقة للناس أن ينفذوا غور كلام الحكمة، ولا يحيطوا به بعقولهم، فمن قبل ذلك تفاضلت العلماء في علمهم، فلا يزال عالم يأخذ علمه من عالم حتى يرجع العلم إلى الله عز وجل الذي جاء من عنده، وكذلك العلماء قد يصيبون من الحكمة والعلم ما ينجيهم من الجهل، ولكن لكل ذي فضل فضله، كما أن الناس ينالون من ضوء الشمس ما ينتفعون به في معائشهم وأبدانهم ولا يقدرون أن ينفذوها بأبصارهم فهي كالعين الغزيرة الظاهر مجراها المكنون عنصرها، فالناس قد يجيبون بما ظهر لهم من مائها، ولا يدركون غورها وهي كالنجوم الزاهرة التي يهتدى بها الناس، ولا يعلمون مساقطها، فالحكمة أشرف وأرفع وأعظم مما وصفناها به كله، هي مفتاح باب كل خير يرتجى، والنجاة من كل شر يتقى، وهي شراب الحياة التي من شرب منه لم يمت أبدا، والشفاء للسقم الذي من استشفى به لم يسقم أبدا، والطريق المستقيم الذي من سلكه لم يضل أبدا، هي حبل الله المتين الذي لا يخلقه طول التكرار، من تمسك به انجلى عنه العمى، ومن اعتصم به فاز واهتدى، وأخذ بالعروة الوثقى. قال، فما بال هذه الحكمة التي وصفت بما وصفت من الفضل والشرف والارتفاع والقوة والمنفعة والكمال والبرهان لا ينتفع بها الناس كلهم جميعا؟. قال الحكيم: إنما مثل الحكمة كمثل الشمس الطالعة على جميع الناس الأبيض والأسود منهم، والصغير والكبير، فمن أراد الانتفاع بها لم تمنعه ولم يحل بينه وبينها من أقربهم وأبعدهم، ومن لم يرد الانتفاع بها فلا حجة له عليها، ولا تمنع الشمس على الناس جميعا، ولا يحول بين الناس وبين الانتفاع بها، وكذلك الحكمة وحالها بين الناس إلى يوم القيامة، والحكمة قد عمت الناس جميعا إلا أن الناس يتفاضلون في ذلك، والشمس ظاهرة إذ طلعت على الابصار الناظرة فرقت بين الناس على ثلاثة منازل فمنهم الصحيح البصر الذي ينفعه الضوء ويقوي على النظر، ومنهم الأعمى القريب من الضوء الذي لو طلعت عليه شمس أو شموس لم تغن عنه شيئا، ومنهم المريض البصر الذي لا يعد في العميان ولا في أصحاب البصر، كذلك الحكمة هي شمس القلوب إذا طلعت تفرق على ثلاث منازل: منزل لأهل البصر الذين يعقلون الحكمة فيكونون من أهلها، ويعملون بها، ومنزل لأهل العمى الذين تنبوا الحكمة عن قلوبهم لانكارهم الحكمة وتركهم قبولها كما ينبو ضوء الشمس عن العميان، ومنزلة لأهل مرض القلوب الذين يقصر علمهم ويضعف عملهم ويستوي فيهم السيئ والحسن، والحق والباطل، وإن أكثر من تطلع عليه الشمس وهي الحكمة ممن يعمى عنها. قال ابن الملك: فهل يسع الرجل الحكمة فلا يجيب إليها حتى يلبث زمانا ناكبا عنها، ثم يجيب ويراجعها؟ قال بلوهر: نعم هذا أكثر حالات الناس في الحكمة. قال ابن الملك: ترى والدي سمع شيئا من هذا الكلام قط؟ قال بلوهر: لا أراه سمع سماعا صحيحا رسخ في قلبه ولا كلمه فيه ناصح شفيق. قال ابن الملك: وكيف ترك ذلك الحكماء منه طول دهرهم؟ قال بلوهر: تركوه لعلمهم بمواضع كلامهم، فربما تركوا ذلك ممن هو أحسن إنصافا وألين عريكة، وأحسن استماعا من أبيك حتى أن الرجل ليعاش الرجل طول عمره بينهما الاستيناس والمودة والمفاوضة، ولا يفرق بينهما شئ إلا الدين والحكمة، وهو متفجع عليه، متوجع له، ثم لا يفضي إليه أسرار الحكمة إذ لم يره لها موضعا. وقد بلغنا أن ملكا من الملوك كان عاقلا قريبا من الناس، مصلحا لأمورهم، حسن النظر والنصاف لهم، وكان له وزير صدق صالح يعينه على الاصلاح ويكفيه مؤونته ويشاوره في أموره، وكان الوزير أديبا عاقلا، له دين وورع ونزاهة على الدنيا ، وكان قد لقي أهل الدين، وسمع كلامهم، وعرف فضلهم، فأجابهم وانقطع إليهم بإخائه ووده، وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصة، وكان الملك لا يكتمه شيئا من أمره، وكان الوزير له أيضا بتلك المنزلة، إلا أنه لم يكن ليطلعه على أمر الدين، ولا يفاوضه أسرار الحكمة، فعاشا بذلك زمانا طويلا، وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد الأصنام وعظمها وأخذ شيئا في طريق الجهالة والضلالة تقية له فأشفق الوزير على الملك من ذلك واهتم به واستشار في ذلك أصحابه وإخوانه، فقالوا له: انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعا للكلام فكلمه وفاوضه وإلا فإنك إنما تعينه على نفسك، وتهيجه على أهل دينك، فإن السلطان لا يغتر به، ولا تؤمن سطوته، فلم يزل الوزير على اهتمامه به مصافيا له، رفيقا به رجاء أن يجد فرصة فينصحه أو يجد للكلام موضعا فيفاوضه، وكان الملك مع ضلالته متواضعا سهلا قريبا، حسن السيرة في رعيته، حريصا على إصلاحهم، متفقدا لأمورهم، فاصطحب الوزير الملك على هذا برهة من زمانه. ثم إن الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعدما هدأت العيون: هل لك أن تركب فنسير في المدينة فننظر إلى حال الناس وآثار الأمطار التي أصابتهم في هذه الأيام؟ فقال الوزير: نعم فركبا جميعا يجولان في نواحي المدينة فمرا في بعض الطريق على مزبلة تشبه الجبل، فنظر الملك إلى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة، فقال للوزير: إن لهذه النار لقصة فأنزل بنا نمشي حتى ندنو منها فنعلم خبرها، ففعلا ذلك فلما انتهيا إلى مخرج الضوء وجدا نقبا شبيها بالغار، وفيه مسكين من المساكين ثم نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل فإذا الرجل مشوه الخلق، عليه ثياب خلقان من خلقان المزبلة، متكئ على متكاء قد هيأه من الزبل، وبين يديه إبريق فخار، فيه شراب وفي يده طنبور، يضرب بيده وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها، وترقص له إذا ضرب، وتحييه بتحية الملوك، كلما شرب وهو يسميها سيدة النساء، وهما يصفان أنفسهما بالحسن والجمال وبينهما من السرور والضحك والطرب مالا يوصف، فقام الملك على رجليه مليا والوزير ينظر كذلك ويتعجبان من لذتهما وإعجابهما بما هما فيه، ثم انصرف الملك والوزير فقال الملك: ما أعلمني وإياك أصابنا الدهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة مع أني أظنهما يصنعان كل ليلة مثل هذا، فاغتنم الوزير ذلك منه، ووجد فرصة فقال له: أخاف أيها الملك أن يكون دنيانا هذه من الغرور، ويكون ملكك وما نحن فيه من البهجة والسرور في أعين من يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة، ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما، وتكون مساكننا وما شيدنا منها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الآخرة مثل هذا الغار في أعيننا، وتكون أجسادنا عند من يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحة مثل جسد هذه المشوه الخلق في أعيننا، ويكون تعجبهم عن إعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من إعجاب هذين الشخصين بما هما فيه. قال الملك وهل تعرف لهذه الصفة أهلا؟ قال الوزير: نعم، قال الملك: من هم؟ قال الوزير: أهل الدين الذين عرفوا ملك الآخرة ونعيمها فطلبوه، قال الملك: وما ملك الآخرة؟ قال الوزير هو النعيم الذي لا بؤس بعده، والغنى الذي لا فقر بعده، والفرح الذي لا ترح بعده، والصحة التي لا سقم بعدها، والرضى الذي لا سخط بعده، والامن الذي لا خوف بعده، والحياة التي لا موت بعدها، والملك الذي لا زوال له، التي هي دار البقاء ودار الحيوان، التي لا انقطاع لها، ولا تغير فيها، رفع الله عز وجل عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء والنصب والمرض والجوع والظمأ والموت، فهذه صفة ملك الآخرة وخبرها أيها الملك. قال الملك: وهل تدركون إلى هذه الدار مطلبا وإلى دخولها سبيلا؟ قال الوزير: نعم هي مهيأة لمن طلبها من وجه مطلبها، ومن أتاها من بابها ظفر بها، قال الملك: ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم؟ قال الوزير: منعني من ذلك إجلالك والهيبة لسلطانك، قال الملك: لئن كان هذا الامر الذي وصفت يقينا فلا ينبغي لنا أن نضيعه ولا نترك العمل به في إصابته، ولكنا نجتهد حتى يصح لنا خبره، قال الوزير: أفتأمرني أيها الملك أن أواظب عليك في ذكره والتكرير له؟ قال الملك: بل آمرك أن لا تقطع عني ليلا ولا نهارا، ولا تريحني ولا تمسك عني ذكره فإن هذا أمر عجيب لا يتهاون به، ولا يغفل عن مثله، وكان سبيل ذلك الملك والوزير إلى النجاة. قال ابن الملك: ما أنا بشاغل نفسي بشئ من هذه الأمور عن هذا السبيل ولقد حدثت نفسي بالهرب معك في جوف الليل حيث بدا لك أن تذهب. قال بلوهر: وكيف تستطيع الذهاب معي والصبر على صحبتي وليس لي جحر يأويني، ولا دابة تحملني، ولا أملك ذهبا ولا فضة، ولا أدخر غذاء العشاء، ولا يكون عندي فضل ثوب، ولا أستقر ببلدة إلا قليلا حتى أتحول عنها ولا أتزود من أرض إلى أرض أخرى رغيفا أبدا. قال ابن الملك: إني أرجو أن يقويني الذي قواك، قال بلوهر: أما إنك إن أبيت إلا صحبتي كنت خليقا أن تكون كالفتى الذي صاهر الفقير. قال يوذاسف: وكيف كان ذلك؟ قال بلوهر: زعموا أن فتى كان من أولاد الأغنياء فأراد أبوه أن يزوجه ابنة عم له ذات جمال ومال، فلم يوافق ذلك الفتى ولم يطلع أباه على كراهته حتى خرج من عنده متوجها إلى أرض أخرى، فمر في طريقه على جارية عليها ثياب خلقان لها، قائمة على باب بيت من بيوت المساكين فأعجبته الجارية، فقال لها: من أنت أيتها الجارية؟ قالت: ابنة شيخ كبير في هذا البيت، فنادى الفتى الشيخ فخرج إليه فقال له: هل تزوجني ابنتك هذه؟ قال: ما أنت بمتزوج لبنات الفقراء وأنت فتى من الأغنياء، قال: أعجبتني هذه الجارية ولقد خرجت هاربا من امرأة ذات حسب ومال أرادوا مني تزويجها، فكرهتها فزوجني ابنتك فإنك واجد عندي خيرا إن شاء الله. قال يوذاسف: إني لأرجو أن أكون أنا صاحب هذا المثل إن الشيخ فتش عقل هذا الغلام حتى وثق به، فلعلك تطول بي على تفتيش عقلي فأعلمني ما عندك في ذلك، قال الحكيم: لو كان هذا الامر إلي لاكتفيت منك بأدنى المشافهة ولكن فوق رأسي سنة قد سنها أئمة الهدى في بلوغ الغاية في التوفيق، وعلم ما في الصدور فإني أخاف إن خالفت السنة أن أكون قد أحدثت بدعة، وأنا منصرف عنك الليلة وحاضر بابك في كل ليلة، ففكر في نفسك بهذا واتعظ به، وليحضرك فهمك وتثبت ولا تعجل بالتصديق لما يورده عليك همك حتى تعلمه بعد التؤدة والأناة وعليك بالاحتراس في ذلك أن يغلبك الهوى والميل إلى الشبهة والعمى، واجتهد في المسائل التي تظن أن فيها شبهة، ثم كلمني فيها وأعلمني رأيك في الخروج إذا أردت، وافترقا على هذا تلك الليلة. ثم عاد الحكيم إليه فسلم عليه ودعا له، ثم جلس فكان من دعائه أن قال: أسأل الله الأول الذي لم يكن قبله شئ، والاخر الذي لا يبقى معه شئ، والباقي الذي لا فناء له، والعظيم الذي لا منتهى له، والواحد الفرد الصمد الذي ليس معه غيره، والقاهر الذي لا شريك له، البديع الذي لا خالق معه، القادر الذي ليس له ضد، الصمد الذي ليس له ند، الملك الذي ليس معه أحد أن يجعلك ملكا عدلا، إماما في الهدى، قائدا إلى التقوى، ومبصرا من العمى، وزاهدا في الدنيا، ومحبا لذوي النهى، ومبغضا لأهل الردى، حتى يفضي بنا وبك إلى ما وعد الله أوليائه على ألسنة أنبيائه من جنته ورضوانه، فإن رغبتنا إلى الله في ذلك ساطعة، ورهبتنا منه باطنة، وأبصارنا إليه شاخصة وأعناقنا له خاضعة، وأمورنا إليه صائرة. فرق ابن الملك لذلك الدعاء رقة شديدة، وازداد في الخير رغبة، وقال متعجبا من قوله: أيها الحكيم أعلمني كم أتى لك من العمر؟ فقال: اثنتا عشر سنة، فارتاع لذلك ابن الملك، وقال: ابن اثنتي عشرة سنة طفل وأنت مع ما أرى من التكهل كابن ستين سنة. قال الحكيم: أما المولد فقد راهق الستين سنة، ولكنك سألتني عن العمر وإنما العمر الحياة، ولا حياة إلا في الدين والعمل به، والتخلي من الدنيا ولم يكن ذلك لي إلا من اثنتي عشرة سنة، فأما قبل ذلك فإني كنت ميتا ولست أعتد في عمري بأيام الموت، قال ابن الملك: كيف تجعل الاكل والشارب والمتقلب ميتا؟ قال الحكيم: لأنه شارك الموتى في العمى والصم والبكم وضعف الحياة وقلة الغنى، فلما شاركهم في الصفة وافقهم في الاسم. قال ابن الملك: لئن كنت لا تعد حياتك تلك حياة ولا غبطة ما ينبغي لك أن تعد ما تتوقع من الموت موتا، ولا تراه مكروها، قال الحكيم: تغريري في الدخول عليك بنفسي يا ابن الملك مع علمي لسطوة أبيك على أهل ديني يدلك على أني لا أرى الموت موتا، ولا أرى هذه الحياة حياة، ولا ما أتوقع من الموت مكروها، فكيف يرغب في الحياة من قد ترك حظه منها؟ أو يهرب من الموت من قد أمات نفسه بيده، أولا ترى يا ابن الملك أن صاحب الدين قد رفض الدنيا من أهله وماله وما لا يرغب فيها إلا له واحتمل من نصب العبادة مالا يريحه منه إلا الموت، فما حاجة من لا يتمتع بلذة الحياة إلى الحياة؟ أو يهرب من لا راحة له إلا في الموت من الموت. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم فهل يسرك أن ينزل بك الموت من غد؟ قال الحكيم: بل يسرني أن ينزل بي الليلة دون غد فإنه من عرف السيئ والحسن وعرف ثوابهما من الله عز وجل ترك السيئ مخافة عقابه، وعمل الحسن رجاء ثوابه، ومن كان موقنا بالله وحده مصدقا بوعده فإنه يحب الموت لما يرجو بعد الموت من الرخاء ويزهد في الحياة لما يخاف على نفسه من الشهوات الدنيا والمعصية لله فيها فهو يحب الموت مبادرة من ذلك، فقال ابن الملك: إن هذا لخليق أن يبادر الهلكة لما يرجو في ذلك من النجاة، فاضرب لي مثل أمتنا هذه وعكوفها على أصنامها. قال الحكيم: إن رجلا كان له بستان يعمره ويحسن القيام عليه إذ رأى في بستانه ذات يوم عصفورا واقعا على شجرة من شجرة البستان يصيب من ثمرها فغاضه ذلك فنصب فخا فصاده، فلما هم بذبحه أنطقه الله عز وجل بقدرته، فقال لصاحب البستان: إنك تهتم بذبحي وليس في ما يشبعك من جوع ولا يقويك من ضعف فهل لك في خير عما هممت به؟ قال الرجل: ما هو؟ قال العصفور: تخلى سبيلي وأعلمك ثلاث كلمات إن أنت حفظتهن كن خيرا لك من أهل ومال هو لك، قال: قد فعلت فأخبرني بهن، قال العصفور: احفظ عني ما أقول لك: لا تأس على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون، ولا تطلبن مالا تطيق، فلما قضى الكلمات خلى سبيله، فطار فوقع على بعض الأشجار، ثم قال للرجل: لو تعلم ما فاتك مني لعلمت أنك قد فاتك مني عظيم جسيم من الامر، فقال الرجل وما ذاك؟ قال العصفور: لو كنت قضيت على ما هممت به من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درة كبيضة الإوزة فكان لك في ذلك غنى الدهر، فلما سمع الرجل منه ذلك أسر في نفسه ندما على ما فاته، وقال: دع منك ما مضى، وهلم أنطلق بك إلى منزلي فأحسن صحبتك وأكرم مثواك، فقال له العصفور: أيها الجاهل ما أراك حفظتني إذا ظفرت بي، ولا انتفعت بالكلمات التي افتديت بها منك نفسي، ألم أعهد إليك ألا تأس على ما فاتك ولا تصدق مالا يكون، ولا تطلب مالا يدرك؟ أما أنت متفجع على ما فاتك وتلتمس مني رجعتي إليك وتطلب مالا تدرك وتصدق أن في حوصلتي درة كبيضة الإوزة، وجميعي أصغر من بيضها، وقد كنت عهدت إليك أن لا تصدق بما لا يكون. وأن أمتكم صنعوا أصنامهم بأيديهم ثم زعموا أنها هي التي خلقتهم وخفظوها من أن تسرق مخافة عليها وزعموا أنها هي التي تحفظهم، وأنفقوا عليها من مكاسبهم وأموالهم، وزعموا أنها هي التي ترزقهم فطلبوا من ذلك مالا يدرك وصدقوا بما لا يكون فلزمهم منه ما لزم صاحب البستان، قال ابن الملك: صدقت أما الأصنام فإني لم أزل عارفا بأمرها، زاهدا فيها، آيسا من خيرها، فأخبرني بالذي تدعوني إليه والذي ارتضيته لنفسك ما هو؟ قال بلوهر: جماع الدين أمران أحدهما معرفة الله عز وجل والاخر العمل برضوانه، قال ابن الملك: وكيف معرفة الله عز وجل؟ قال الحكيم: أدعوك إلى أن تعلم أن الله واحد ليس له شريك، لم يزل فردا ربا، وما سواه مربوب، وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأنه قديم وما سواه محدث، وأنه صانع وما سواه مصنوع، وأنه مدبر وما سواه مدبر، وأنه باق وما سواه فان، وأنه عزيز وما سواه ذليل، وأنه لا ينام ولا يغفل ولا يأكل ولا يشرب ولا يضعف ولا يغلب ولا يعجز، ولا يعجزه شئ، لم تمتنع منه السماوات والأرض والهواء والبر والبحر، وأنه كون الأشياء لا من شئ، وأنه لم يزل ولا يزال، ولا تحدث فيه الحوادث، ولا تغيره الأحوال، ولا تبدله الأزمان ولا يتغير من حال إلى حال، ولا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون من مكان أقرب منه إلى مكان، ولا يغيب عنه شئ، عالم لا يخفى عليه شئ، قدير لا يفوته شئ، وأن تعرفه بالرأفة والرحمة والعدل، وأن له ثوابا أعده لمن أطاعه، وعذابا أعده لمن عصاه، وأن تعمل لله برضاه، وتجتنب سخطه. قال ابن الملك: فما يرضي الواحد الخالق من الأعمال؟ قال الحكيم: يا ابن الملك أن تطيعه ولا تعصيه، وأن تأتي إلى غيرك ما تحب أن يؤتى إليك، وتكف عن غيرك ما تحب أن يكف عنك في مثله، فإن ذلك عدل وفي العدل رضاه، وفي اتباع آثار أنبياء الله ورسله بأن لا تعدو سنتهم. قال ابن الملك: زدني أيها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها. قال الحكيم: إني لما رأيت الدنيا دار تصرف وزوال وتقلب من حال إلى حال، ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب، ورهائن للمتالف، ورأيت صحة بعدها سقما، وشبابا بعده هرما، وغنى بعده فقرا، وفرحا بعده حزنا، وعزا بعده ذلا، ورخاء بعده شدة، وأمنا بعده خوفا، وحياة بعدها ممات، ورأيت أعمارا قصيرة، وحتوفا راصدة وسهاما قاصدة، وأبدانا ضعيفة مستسلمة، غير ممتنعة ولا حصينة، عرفت أن الدنيا منقطعة بالية فانية، وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عني منها، وعرفت بظاهرها باطنها، وغامضها بواضحها، وسرها بعلانيتها، و صدورها بورودها، فحذرتها لما عرفتها، وفررت منها لما أبصرتها، بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا وملكا مسرورا في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابة، وحداثة من سنه، وغبطة من ملكه، وبهاء من سلطانه، وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا به أسر ما كان فيها نفسا، وأقر ما كان فيها عينا، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها، فأبدلته بالعز ذلا وبالفرح ترحا، وبالسرور حزنا، وبالنعمة بؤسا، وبالغني فقرا، وبالسعة ضيقا، وبالشباب هرما، وبالشرف ضعة، وبالحياة موتا، فدلته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة، وحيدا فريدا غريبا، قد فارق الأحبة وفارقوه، خذله إخوانه فلم يجد عندهم دفعا، وصار عزه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده، كأن لم يكن في الدنيا ولم يذكر فيها ساعة قط ولم يكن له فيها خطر، ولم يملك من الأرض حظا قط فلا تتخذ فيها يا ابن الملك دارا، ولا تتخذن فيها عقد ولا عقارا، فأف لها وتف. قال ابن الملك: أف لها ولمن يغتر بها إذ كان هذا حالها ورق ابن الملك وقال: زدني أيها الحكيم من حديثك فإنه شفاء لما في صدري. قال الحكيم: إن العمر قصير، والليل والنهار يسرعان فيه، والارتحال من الدنيا حثيث قريب، وإنه وإن طال العمر فيها فإن الموت نازل، والظاعن لا محالة راحل فيصير ما جمع فيها مفرقا، وما عمل فيها متبرا، وما شيد فيها خرابا، ويصير اسمه مجهولا، وذكره منسيا، وحسبه خاملا وجسده باليا، وشرفه وضيعا، ونعمته وبالا، وكسبه خسارا، ويورث سلطانه، ويستذل عقبه، ويستباح حريمه، وتنقض عهوده، وتخفر ذمته، وتدرس آثاره، ويوزع ماله، ويطوى رحله، ويفرح عدوه ويبيد ملكه، ويورث تاجه، ويخلف على سريره، ويخرج من مساكنه مسلوبا مخذولا فيذهب به إلى قبره فيدلى في حفرته في وحدة وغربة وظلمة ووحشة ومسكنة وذلة، قد فارق الأحبة، وأسلمته العصبة فلا تؤنس وحشته أبدا، ولا ترد غربته أبدا، واعلم أنها يحق على المرء اللبيب من سياسة نفسه خاصة كسياسة الإمام العادل الحازم الذي يؤدب العامة، ويستصلح الرعية، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عما يفسدهم، ثم يعاقب من عصاه منهم، ويكرم من أطاعه منهم، فكذلك للرجل اللبيب أن يؤدب نفسه في جميع أخلاقها وأهوائها وشهواتها وأن تحملها وإن كرهت على لزوم منافعها فيما أحبت وكرهت، وعلى اجتناب مضارها، وأن يجعل لنفسه عن نفسه ثوابا وعقابا من مكانها من السرور إذا أحسنت، ومن مكانها من الغم إذا أساءت، ومما يحق على ذي العقل فيما ورد عليه من أموره، والاخذ بصوابها، وينهى نفسه عن خطائها، وأن يحتقر عمله ونفسه في رأيه لكيلا يدخله عجب، فإن الله عز وجل قد مدح أهل العقل وذم أهل العجب، ومن لا عقل له، وبالعقل يدرك كل خير بإذن الله تبارك وتعالى، وبالجهل تهلك النفوس، وإن من أوثق الثقات عند ذوي الألباب ما أدركته عقولهم، وبلغته تجاربهم، ونالته أبصارهم في الترك للأهواء والشهوات، وليس ذو العقل بجدير أن يرفض ما قوي على حفظه من العمل احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه، وإنما هذا من أسلحة الشيطان الغامضة التي لا يبصرها إلا من تدبرها، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله منها، ومن أسلحته سلاحان أحدهما إنكار العقل أن يوقع في قلب الانسان العاقل أنه لا عقل له ولا بصر ولا منفعة له في عقله وبصره، ويريد أن يصده عن محبة العلم وطلبه، ويزين له الاشتغال بغيره من ملاهي الدنيا، فإن أتبعه الانسان من هذا الوجه فهو ظفره، وإن عصاه وغلبه فرغ إلى السلاح الاخر وهو أن يجعل الانسان إذا عمل شيئا وأبصره عرض له بأشياء لا يبصرها ليغمزه ويضجره بما لا يعلم حتى يبغض إليه ما هو فيه بتضعيف عقله عنده، وبما يأتيه من الشبهة، ويقول: ألست ترى أنك لا تستكمل هذا الامر ولا تطيقه أبدا فبم تعني نفسك وتشقيها فيما لا طاقة لك به، فبهذا السلاح صرع كثيرا من الناس، فاحترس من أن تدع اكتساب علم ما تعلمه وأن تخدع عما اكتسبت منه، فإنك في دار قد استحوذ على أكثر أهلها الشيطان بألوان حيله ووجوه ضلالته، ومنهم من قد ضرب على سمعه وعقله وقلبه فتركه لا يعلم شيئا، ولا يسأل عن علم ما جهل منه كالبهيمة، وإن لعامتهم أديانا مختلفة فمنهم المجتهدون في الضلالة حتى أن بعضهم ليستحل دم بعض وأموالهم، ويموه ضلالتهم بأشياء من الحق ليلبس عليهم دينهم، ويزينه لضعيفهم، ويصدهم عن الدين القيم، فالشيطان وجنوده دائبون في إهلاك الناس، وتضليلهم لا يسأمون ولا يفترون ولا يحصى عددهم إلا الله، ولا يستطاع دفع مكائدهم إلا بعون من الله عز وجل والاعتصام بدينه، فنسأل الله توفيقا لطاعته ونصرا على عدونا، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن الملك: صف لي الله سبحانه وتعالى حتى كأني أراه قال: إن الله تقدس ذكره لا يوصف بالرؤية، ولا يبلغ بالعقول كنه صفته، ولا تبلغ الألسن كنه مدحته، ولا يحيط العباد من علمه إلا بما علمهم منه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام بما وصف به نفسه، ولا تدرك الأوهام عظم ربوبيته، هو أعلى من ذلك وأجل وأعز وأعظم وأمنع وألطف، فتاح للعباد من علمه بما أحب، وأظهرهم من صفته على ما أراد، وأدلهم على معرفته ومعرفة ربوبيته بإحداث ما لم يكن، وإعدام ما أحدث. قال ابن الملك: وما الحجة؟ قال: إذا رأيت شيئا مصنوعا غاب منك صانعه علمت بعقلك أن له صانعا، فكذلك السماء والأرض وما بينهما، فأي حجة أقوى من ذلك. قال ابن الملك: فأخبرني أيها الحكيم أبقدر من الله عز وجل يصيب الناس ما يصيبهم من الأسقام والأوجاع والفقر والمكاره أو بغير قدر. قال بلوهر: لا بل بقدر، قال: فأخبرني عن أعمالهم السيئة، قال: إن الله عز وجل من سيئ أعمالهم برئ ولكنه عز وجل أوجب الثواب العظيم لمن أطاعه والعقاب الشديد لمن عصاه. قال: فأخبرني من أعدل الناس ومن أجورهم، ومن أكيسهم ومن أحمقهم، ومن أشقاهم ومن أسعدهم؟ قال: أعدلهم أنصفهم من نفسه وأجورهم من كان جوره عنده عدلا وعدل أهل العدل عنده جورا، وأما أكيسهم فمن أخذ لاخرته أهبتها ، وأحمقهم من كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، وأسعدهم من ختم عاقبة عمله بخير، وأشقاهم من ختم له بما يسخط الله عز وجل. ثم قال: من دان الناس بما إن دين بمثله هلك فذلك المسخط لله، المخالف لما يحب، ومن دانهم بما إن دين بمثله صلح فذلك المطيع لله الموافق لما يحب المجتنب لسخطه، ثم قال: لا تستقبحن الحسن وإن كان في الفجار، ولا تستحسنن القبيح وإن كان في الأبرار. ثم قال له: أخبرني أي الناس أولى بالسعادة؟ وأيهم أولى بالشقاوة؟ قال بلوهر: أولاهم بالسعادة المطيع لله عز وجل في أمره، والمجتنب لنواهيه، وأولاهم بالشقاوة العامل بمعصية الله، التارك لطاعته، المؤثر لشهوته على رضى الله عز وجل، قال: فأي الناس أطوعهم لله عز وجل؟ قال: أتبعهم لامره، وأقواهم في دينه، وأبعدهم من العمل بالسيئات، قال: فما الحسنات والسيئات؟ قال: الحسنات صدق النية والعمل، والقول الطيب، والعمل الصالح، والسيئات سوء النية، و سوء العمل، والقول السيئ، قال: فما صدق النية؟ قال: الاقتصاد في الهمة، قال: فما سوء القول؟ قال: الكذب، قال: فما سوء العمل؟ قال: معصية الله عز وجل قال: أخبرني كيف الاقتصاد في الهمة؟ قال: التذكر لزوال الدنيا وانقطاع أمرها، والكف عن الأمور التي فيها النقمة والتبعة في الآخرة. قال: فما السخاء؟ قال: إعطاء المال في سبيل الله عز وجل، قال: فما الكرم؟ قال: التقوى، قال: فما البخل؟ قال: منع الحقوق عن أهلها وأخذها من غير وجهها، قال: فما الحرص؟ قال: الاخلاد إلى الدنيا، والطماح إلى الأمور التي فيها الفساد، وثمرتها عقوبة الآخرة، قال: فما الصدق؟ قال: طريقة في الدين بأن لا يخادع المرء نفسه ولا يكذبها، قال: فما الحمق؟ قال: الطمأنينة إلى الدنيا و ترك ما يدوم ويبقى، قال: فما الكذب؟ قال: أن يكذب المرء نفسه فلا يزال بهواه شعفا ولدينه مسوفا، قال: أي الرجال أكملهم في الصلاح؟ قال: أكملهم في العقل وأبصرهم بعواقب الأمور، وأعملهم بخصومة، وأشدهم منهم احتراسا، قال: أخبرني ما تلك العاقبة وما أولئك الخصماء الذين يعرفهم العاقل فيحترس منهم؟ قال: العاقبة الآخرة، والعناء الدنيا، قال: فما الخصماء؟ قال: الحرص والغضب والحسد و الحمية والشهوة والرياء واللجاجة. قال: أي هؤلاء الذين عددت أقوى وأجدر أن لا يسلم منه؟ قال: الحرص أقل رضا وأفحش غضبا، والغضب أجور سلطانا وأقل شكرا وأكسب للبغضاء، والحسد أسوء الخيبة للنية، وأخلف للظن، والحمية أشد لجاجة وأفضع معصية، والحقد أطول توقدا وأقل رحمة وأشد سطوة، والرياء أشد خديعة، وأخفى اكتنانا وأكذب، واللجاجة أعي حصومة، وأقطع معذرة. قال: أي مكائد الشيطان للناس في هلاكهم أبلغ؟ قال: تعميته عليهم البر والاثم والثواب والعقاب وعواقب الأمور في ارتكاب الشهوات، قال: أخبرني بالقوة التي قوى الله عز وجل بها العباد في تغالب تلك الأمور السيئة والأهواء المردية؟ قال: العلم والعقل والعمل بهما، وصبر النفس عن شهواتها، والرجاء للثواب في الدين، وكثرة الذكر لفناء الدنيا، وقرب الأجل، والاحتفاظ من أن ينقض ما يبقى بما يفنى، واعتبار ماضي الأمور بعاقبتها، والاحتفاظ بما لا يعرف إلا عند ذوي العقول، وكف النفس عن العادة السيئة وحملها على العادة الحسنة، والخلق المحمود، وأن يكون أمل المرء بقدر عيشه حتى يبلغ غايته، فإن ذلك هو القنوع وعمل الصبر والرضا بالكفاف واللزوم للقضاء والمعرفة بما فيه في الشدة من التعب وما في الافراط من الاغتراف، وحسن العزاء عما فات، وطيب النفس عنه وترك معالجة مالا يتم، والصبر بالأمور التي إليها يرد، واختيار سبيل الرشد على سبيل الغي، وتوطين النفس على أنه إن عمل خيرا جزي به وإن عمل شرا جزي به، والمعرفة بالحقوق والحدود في التقوى، وعمل النصيحة، وكف النفس عن اتباع الهوى وركوب الشهوات، وحمل الأمور على الرأي والاخذ بالحزم والقوة، فإن أتاه البلاء أتاه وهو معذور غير ملوم. قال ابن الملك: أي الأخلاق أكرم وأعز؟ قال: التواضع ولين الكلمة للاخوان في الله عز وجل، قال: أي العبادة أحسن؟ قال: الوقار والمودة قال: فأخبرني أي الشيم أفضل؟ قال: حب الصالحين، قال: أي الذكر أفضل؟ قال: ما كان في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فأي الخصوم ألد؟ قال: ترك الذنوب، قال ابن الملك: أخبرني أي الفضل أفضل؟ قال: الرضا بالكفاف، قال: أخبرني أي الأدب أحسن؟ قال: أدب الدين، قال: أي الشئ أجفا؟ قال السلطان العاتي، والقلب القاسي، قال: أي شئ أبعد غاية؟ قال: عين الحريص التي لا يشبع من الدنيا، قال: أي الأمور أخبث عاقبة؟ قال: التماس رضى الناس في سخط الله عز وجل، قال: أي شئ أسرع تقلبا، قال: قلوب الملوك الذين يعملون للدنيا، قال: فأخبرني أي الفجور أفحش؟ قال: إعطاء عهد الله والغدر فيه، قال: فأي شئ أسرع انقطاعا، قال: مودة الفاسق، قال: فأي شئ أخون؟ قال: لسان الكاذب، قال: فأي شئ أشد اكتتاما؟ قال: شر المرائي المخادع، قال: فأي شئ أشبه بأحوال الدنيا؟ قال: أحلام النائم، قال: أي الرجال أفضل رضى؟ قال: أحسنهم ظنا بالله عز وجل وأتقاهم وأقلهم غفلة عن ذكر الله وذكر الموت وانقطاع المدة، قال: أي شئ من الدنيا أقر للعين؟ قال: الولد الأديب والزوجة الموافقة المؤاتية المعينة على أمر الآخرة، قال: أي الداء ألزم في الدنيا؟ قال: الولد السوء والزوجة السوء اللذين لا يجد منهما بدا، قال: أي الخفض أخفض؟ قال: رضى المرء بحظه واستيناسه بالصالحين. ثم قال ابن الملك للحكيم: فرغ لي ذهنك فقد أردت مساءلتك عن أهم الأشياء إلي بعد إذ بصرني الله عز وجل من أمري ما كنت به جاهلا، ورزقني من الدين ما كنت منه آيسا. قال الحكيم: سل عما بدا لك، قال ابن الملك: أرأيت من أوتي الملك طفلا ودينه عبادة الأوثان وقد غذي بلذات الدنيا واعتادها ونشأ فيها إلى أن كان رجلا وكهلا لا ينتقل من حالته تلك في جهالته بالله تعالى ذكره وإعطائه نفسه شهواتها متجردا لبلوغ الغاية فيما زين له من تلك الشهوات مشتغلا بها، مؤثرا لها، جريا عليها، لا يرى الرشد إلا فيها، ولا تزيده الأيام إلا حبا لها واغترارا بها وعجبا وحبا لأهل ملته ورأيه وقد دعته بصيرته في ذلك إلى أن جهل أمر آخرته وأغفلها فاستخفها وسها عنها قساوة قلب وخبث نية وسوء رأي، واشتدت عداوته لمن خالفه من أهل الدين والاستخفاء بالحق والمغيبين لأشخاصهم انتظارا للفرج من ظلمه وعداوته هل يطمع له إن طال عمره في النزوع عما هو عليه؟ والخروج منه إلى ما الفضل فيه بين والحجة فيه واضحة؟ والحظ جزيل من لزوم ما أبصرت من الدين فيأتي ما يرجى له [بعد] مغفرة ما قد سلف من ذنوبه وحسن الثواب في مآبه. قال الحكيم: قد عرفت هذه الصفة، وما دعاك إلى هذه المسألة؟. قال ابن الملك: ما ذاك منك بمستنكر لفضل ما أوتيت من الفهم وخصصت به من العلم. قال الحكيم: أما صاحب هذه الصفة فالملك والذي دعاك إليه العناية بما سألت عنه، والاهتمام به من أمره، والشفقة عليه من عذاب ما أوعد الله عز وجل من كان على مثل رأيه وطبعه وهواه، مع ما نويت من ثواب الله تعالى ذكره في أداء حق ما أوجب الله عليك له، وأحسبك تريد بلوغ غاية العذر في التلطف لانفاذه و إخراجه عن عظيم الهول ودائم البلاء الذي لا انقطاع له من عذاب الله إلى السلامة وراحة الأبد في ملكوت السماء. قال ابن الملك: لم تحرم حرفا عما أردت فأعلمني رأيك فيما عنوت من أمر الملك وحاله التي أتخوف أن يدركه الموت عليها فتصيبه الحسرة والندامة حين لا أغني عنه شيئا فاجعلني منه على يقين وفرج عني فأنا به مغموم شديد الاهتمام به فإني قليل الحيلة فيه. قال الحكيم: أما رأينا فإنا لا نبعد مخلوقا من رحمة الله خالقه عز وجل ولا نأيس له منها ما دام فيه الروح، وإن كان عاتيا طاغيا ضالا لما قد وصف ربنا تبارك وتعالى به نفسه من التحنن والرأفة والرحمة ودل عليه من الايمان وما أمر به من الاستغفار والتوبة وفي هذا فضل الطمع لك في حاجتك إن شاء الله، وزعموا أنه كان في زمن من الأزمان ملك عظيم الصوت في العلم، رفيق سايس يحب العدل في أمته والاصلاح لرعيته، عاش بذلك زمانا بخير حال، ثم هلك فجزعت عليه أمته وكان بامرأة له حمل فذكر المنجمون والكهنة أنه غلام وكان يدبر ملكهم من كان يلي ذلك في زمان ملكهم فاتفق الامر كما ذكره المنجمون والكهنة وولد من ذلك الحمل غلام فأقاموا عند ميلاده سنة بالمعازف والملاهي والأشربة والأطعمة، ثم إن أهل العلم منهم والفقه والربانيين قالوا لعامتهم: إن هذا المولود إنما هو هبة من الله تعالى وقد جعلتم الشكر لغيره وإن كان هبة من غير الله عز وجل فقد أديتم الحق إلى من أعطاكموه واجتهدتم في الشكر لمن رزقكموه، فقال لهم العامة: ما وهبه لنا إلا الله تبارك وتعالى، ولا أمتن به علينا غيره، قال العلماء: فإن كان الله عز وجل هو الذي وهبه لكم فقد أرضيتم غير الذي أعطاكم وأسخطتم الله الذي وهبه لكم فقالت لهم الرعية: فأشيروا لنا أيها الحكماء وأخبرونا أيها العلماء فنتبع قولكم ونتقبل نصيحتكم، ومرونا بأمركم. قالت العلماء: فإنا نرى لكم أن تعدلوا عن اتباع مرضات الشيطان بالمعازف والملاهي والمسكر إلى ابتغاء مرضات الله عز وجل وشكره على ما أنعم به عليكم أضعاف شكركم للشيطان حتى يغفر لكم ما كان منكم قالت الرعية: لا تحمل أجسادنا كل الذي قلتم وأمرتم به، قالت العلماء: يا أولى الجهل كيف أطعتم من لا حق له عليكم وتعصون من له الحق الواجب عليكم وكيف قويتم على مالا ينبغي وتضعفون عما ينبغي؟! قالوا لهم: يا أئمة الحكماء عظمت فينا الشهوات وكثرت فينا اللذات فقوينا بما عظم فينا منها على العظيم من مشكلها و ضعفت منا النيات فعجزنا عن حمل المثقلات فارضوا منا في الرجوع عن ذلك يوما فيوما، ولا تكلفونا كل هذا الثقل. قالوا لهم: يا معشر السفهاء ألستم أبناء الجهل وإخوان الضلال حين خفت عليكم الشقوة وثقلت عليكم السعادة، قالوا لهم: أيها السادة الحكماء والقادة العلماء إنا نستجير من تعنيفكم إيانا بمغفرة الله عز وجل ونستتر من تعييركم لنا بعفوه فلا تؤنبونا ولا تعيرونا بضعفنا ولا تعيبوا الجهالة علينا فإنا إن أطعنا الله مع عفوه وحلمه وتضعيفه الحسنات أو اجتهدنا في عبادته مثل الذي بذلنا لهوانا من الباطل بلغنا حاجتنا وبلغ الله عز وجل بنا غايتنا ورحمنا كما خلقنا، فلما قالوا ذلك أقرهم علماؤهم ورضوا قولهم فصلوا وصاموا وتعبدوا وأعظموا الصدقات سنة كاملة، فلما انقضى ذلك منهم قالت الكهنة إن الذي صنعت هذه الأمة على هذا المولود يخبر أن هذا الملك يكون فاجرا ويكون بارا، ويكون متجبرا ويكون متواضعا ويكون مسيئا ويكون محسنا. وقال المنجمون مثل ذلك، فقيل لهم: كيف قلتم ذلك؟ قال الكهنة: قلنا هذا من قبل اللهو والمعازف والباطل الذي صنع عليه، وما صنع عليه من ضده بعد ذلك، وقال المنجمون: قلنا ذلك من قبل استقامة الزهرة والمشتري، فنشأ الغلام بكبر لا يوصف عظمته، ومرح لا ينعت، وعدوان لا يطاق فعسف وجار وظلم في الحكم وغشم وكان أحب الناس إليه من وافقه على ذلك وأبغض الناس إليه من خالفه في شئ من ذلك، واغتر بالشباب والصحة والقدرة والظفر والنظر فامتلأ سرورا وإعجابا بما هو فه ورأي كلما يحبه وسمع كلما اشتهى حتى بلغ اثنين و ثلاثين سنة، ثم جمع نساء من بنات الملوك وصبيانا والجواري والمخدرات وخيله المطهمات العناق وألوان مراكبه الفاخرة ووصائفه وخدامه الذين يكونون في خدمته فأمرهم أن يلبسوا أجد ثيابهم ويتزينوا بأحسن زينتهم وأمر ببناء مجلس مقابل مطلع الشمس، صفائح أرضه الذهب مفضضا بأنواع الجواهر، طوله مائة وعشرون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مزخرفا سقفه وحيطانه، قد زين بكرائم الحلي وصنوف الجوهر واللؤلؤ النظيم وفاخره، وأمر بضروب الأموال فأخرجت من الخزائن ونضدت سماطين أمام مجلسه، وأمر جنوده وأصحابه وقواده وكتابه وحجابه وعظماء أهل بلاده وعلمائهم فحضروا في أحسن هيئتهم وأجمل جمالهم وتسلح فرسانه وركبت خيوله في عدتهم، ثم وقفوا على مراكزهم ومراتبهم صفوفا وكراديس، وإنما أراد بزعمه أن ينظر إلى منظر رفيع حسن تسر به نفسه وتقر به عينه، ثم خرج فصعد إلى مجلسه فأشرف على مملكته فخروا له سجدا، فقال لبعض غلمانه: قد نظرت في أهل مملكتي إلى منظر حسن وبقي أن أنظر إلى صورة وجهي فدعا بمرآة فنظر إلى وجهه فبينا هو يقلب طرفه فيها إذ لاحت له شعرة بيضاء من لحيته كغراب أبيض بين غربان سود، واشتد منها ذعره وفزعه وتغير في عينه حاله وظهرت الكآبة والحزن في وجهه وتولى السرور منه. ثم قال في نفسه: هذا حين نعي إلى شبابي وبين لي أن ملكي في ذهاب وأوذنت بالنزول عن سرير ملكي، ثم قال: هذه مقدمة الموت ورسول البلاء لم يحجبه عني حاجب، ولم يمنعه عني حارس، فنعى إلى نفسي وأذن لي بزوال ملكي فما أسرع هذا في تبديل بهجتي وذهاب سروري، وهدم قوتي، لم يمنعه مني الحصون ولم تدفعه عني الجنود، هذا سالب الشباب والقوة، وما حق العز والثروة، ومفرق الشمل وقاسم التراث بين الأولياء والأعداء، مفسد المعاش، ومنغص اللذات ومخرب العمارات ومشتت الجمع، وواضع الرفيع، ومذل المنيع، قد أناخت بي أثقاله ونصب لي حباله. ثم نزل عن مجلسه حافيا ماشيا، وقد صعد إليه محمولا، ثم جمع إليه جنوده ودعا إليه ثقاته فقال: أيها الملا ماذا صنعت فيكم وما أتيت إليكم منذ ملكتكم ووليت أموركم؟ قالوا له: أيها الملك المحمود عظم بلاؤك عندنا وهذه أنفسنا مبذولة في طاعتك، فمرنا بأمرك، قال: طرقني عدو نحيف لم تمنعوني منه حتى نزل بي وكنتم عدتي وثقاتي، قالوا: أيها الملك أين هذا العدو؟ أيرى أم لا يرى؟ قال: يرى بأثر ولا يرى عينه، قالوا: أيها الملك هذه عدتنا كما ترى وعندنا سكن وفينا ذووا الحجى والنهى، فأرناه نكفك ما مثله يكفي، قال: قد عظم الاغترار مني بكم ووضعت الثقة في غير موضعها حين اتخذتكم وجعلتكم لنفسي جنة، وإنما بذلت لكم الأموال ورفعت شرفكم وجعلتكم البطانة دون غيركم لتحفظوني من الأعداء وتحرسوني منهم، ثم أيدتكم على ذلك بتشييد البلدان وتحصين المدائن والثقة من الصلاح ونحيت عنكم الهموم وفرغتكم للنجدة والاحتفاظ، ولم أكن أخشى أن اراع معكم ولا أتخوف المنون على بنياني وأنتم عكوف مطيفون به فطرقت وأنتم حولي واتيت وأنتم معي، فلئن كان هذا ضعف منكم فما أخذت أمري بثقة وإن كانت غفلة منكم فما أنتم بأهل النصيحة ولا علي بأهل الشفقة، قالوا: أيها الملك أما شئ نطيق دفعه بالخيل والقوة فليس بواصل إليك إن شاء الله ونحن أحياء، وأما ما لا يرى فقد غيب عنا علمه وعجزت قوتنا عنه. قال: أليس اتخذتكم لتمنعوني من عدوي، قالوا: بلي، قال: فمن أي عدو تحفظوني من الذي يضرني أو من الذي لا يضرني؟ قالوا: من الذي يضرك؟ قال: أفمن كل ضار لي أو من بعضهم؟ قالوا: من كل ضار، قال: فإن رسول البلى قد أتاني ينعى إلى نفسي وملكي ويزعم أنه يريد خراب ما عمرت وهدم ما بنيت وتفريق ما جمعت. وفساد ما أصلحت وتبذير ما أحرزت وتبديل ما عملت وتوهين ما وثقت، وزعم أن معه الشماتة من الأعداء وقد قرت بي أعينهم فإنه يريد أن يعطيهم مني شفاء صدورهم وذكر أنه سيهزم جيشي ويوحش انسي ويذهب عزي ويؤتم ولدي ويفرق جموعي ويفجع بي إخواني وأهلي وقرابتي ويقطع أوصالي ويسكن مساكن أعدائي، قالوا: أيها الملك إنما نمنعك من الناس والسباع والهوام ودواب الأرض، فأما البلاء فلا طاقة لنا به ولا قوة لنا عليه ولا امتناع لنا منه، فقال: فهل من حيلة في دفع ذلك مني؟ قالوا: لا، قال: فشئ دون ذلك تطيقونه؟ قالوا: وما هو؟ قال: الأوجاع والأحزان والهموم، قالوا: أيها الملك إنما قد قدر هذه الأشياء قوي لطيف وذلك يثور من الجسم والنفس وهو يصل إليك إذا لم يوصل ولا يحجب عنك وإن حجب قال: فأمر دون ذلك، قالوا: وما هو؟ قال: ما قد سبق من القضاء. قالوا: أيها الملك ومن ذا غالب القضاء فلم يغلب؟ ومن ذا كابره فلم يقهر؟ قال: فماذا عندكم؟ قالوا: ما نقدر على دفع القضاء، وقد أصبت التوفيق والتسديد فماذا الذي تريد، قال: أريد أصحابا يدوم عهدهم ويفوا لي وتبقى لي إخوتهم ولا يحجبهم عني الموت ولا يمنعهم البلى عن صحبتي ولا يشتمل بهم الامتناع عن صحبتي ولا يفردوني إن مت، ولا يسلموني إن عشت، ويدفعون عني ما عجزتم عنه من أمر الموت. قالوا: أيها الملك ومن هؤلاء الذين وصفت؟ قال: هم الذين أفسدتهم باستصلاحكم، قالوا: أيها الملك أفلا تصطنع عندنا وعندهم معروفا فإن أخلاقك تامة ورأفتك عظيمة؟ قال: إن في صحبتكم إياي السم القاتل، والصمم والعمى في طاعتكم، والبكم في موافقتكم، قالوا: كيف ذاك أيها الملك؟ قال: صارت صحبتكم إياي في الاستكثار وموافقتكم على الجمع، وطاعتكم إياي في الاغتفال فبطأتموني عن المعاد، وزينتم لي الدنيا، ولو نصحتموني ذكرتموني الموت، ولو أشفقتم علي ذكرتموني البلاء، وجمعتم لي ما يبقى، ولم تستكثروا لي ما يفنى، فإن تلك المنفعة التي ادعيتموها ضرر، وتلك المودة عداوة، وقد رددتها عليكم لا حاجة لي فيها منكم. قالوا: أيها الملك الحكيم المحمود قد فهمنا مقالتك وفي أنفسنا إجابتك وليس لنا أن نحتج عليك فقد رأينا مكان الحجة، فسكوتنا عن حجتنا فساد لملكنا، وهلاك لدنيانا وشماتة لعدونا، وقد نزل بنا أمر عظيم بالذي تبدل من رأيك وأجمع عليه أمرك قال: قولوا: آمنين واذكروا ما بدا لكم غير مرعوبين فإني كنت إلى اليوم مغلوبا بالحمية والأنفة وأنا اليوم غالب لهما، وكنت إلى اليوم مقهورا لهما وأنا اليوم قاهر لهما، وكنت إلى اليوم ملكا عليكم فقد صرت عليكم مملوكا، وأنا اليوم عتيق وأنتم من مملكتي طلقاء، قالوا: أيها الملك ما الذي كنت مملوكا إذ كنت علينا ملكا، قال: كنت مملوكا لهواي مقهورا بالجهل مستعبدا لشهواتي فقد قطعت تلك الطاعة عني ونبذتها خلف ظهري، قالوا: فقل ما أجمعت أيها الملك؟ قال: القنوع والتخلي لآخرتي وترك هذا الغرور ونبذ هذا الثقل عن ظهري والاستعداد للموت، والتأهب للبلاء، فإن رسوله عندي قد ذكر أنه قد أمر بملازمتي والإقامة معي حتى يأتيني الموت، فقالوا: أيها الملك ومن هذا الرسول الذي قد أتاك ولم نره، وهو مقدمة الموت الذي لا نعرفه، قال: أما الرسول فهذا البياض يلوح بين السواد، وقد صاح في جميعه بالزوال فأجابوا وأذعنوا، وأما مقدمة الموت فالبلاء الذي هذا البياض طرقه. قالوا: أيها الملك أفتدع مملكتك وتهمل رعيتك وكيف لا تخاف الاثم في تعطيل أمتك ألست تعلم أن أعظم الامر في استصلاح الناس وأن رأس الصلاح الطاعة للأمة والجماعة، فكيف لا تخاف من الاثم، وفي هلاك العامة من الاثم فوق الذي ترجو من الاجر في صلاح الخاصة، ألست تعلم أن أفضل العبادة العمل وأن أشد العمل السياسة، فإنك أيها الملك ما في يديك عدل على رعيتك، مستصلح لها بتدبيرك، فإن لك من الاجر بقدر ما استصلحت، ألست أيها الملك إذا خليت ما في يديك من صلاح أمتك فقد أردت فسادهم، وإذا أردت فسادهم فقد حملت من الاثم فيهم أعظم مما أنت تصيب من الاجر في خاصة يديك. ألست أيها الملك قد علمت أن العلماء قالوا: من أتلف نفسا فقد استوجب لنفسه الفساد، ومن أصلحها فقد استوجب الصلاح لبدنه، وأي فساد أعظم من رفض هذه الرعية التي أنت إمامها والإقامة في هذه الأمة التي أنت نظامها حاشا لك أيها - الملك أن تخلع عنك لباس الملك الذي هو الوسيلة إلي شرف الدنيا والآخرة، قال: قد فهمت الذي ذكرتم وعقلت الذي وصفتم فإن كنت إنما أطلب الملك عليكم للعدل فيكم والاجر من الله تعالى ذكره في استصلاحكم بغير أعوان يرفدونني ووزراء يكفونني فما عسيت أن أبلغ بالوحدة فيكم ألستم جميعا نزعا إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها ولا آمن أن أخلد إلى الدنيا التي أرجو أن أدعها وأرفضها، فإن فعلت ذلك أتاني الموت على غرة، فأنزلني عن سرير ملكي إلى بطن الأرض وكساني التراب بعد الديباج والمنسوج بالذهب ونفيس الجوهر، وضمني إلى الضيق بعد السعة، وألبسني الهوان بعد الكرامة، فأصبر فريدا بنفسي ليس معي أحد منكم في الوحدة، قد أخرجتموني من العمران، وأسلمتموني إلى الخراب، وخليتم بين لحمي وسباع الطير وحشرات الأرض فأكلت مني النملة فما فوقها من الهوام وصار جسدي دودا وجيفة قذرة، الذل لي حليف، والعز مني غريب أشدكم حبا إلي أسرعكم إلى دفني، والتخلية بيني وبين ما قدمت من عملي، أسلفت من ذنوبي، فيورثني ذلك الحسرة، ويعقبني الندامة، وقد كنتم وعدتموني أن تمنعوني من عدوي الضار فإذا أنتم لا منع عندكم ولا قوة على ذلك لكم ولا سبيل لكم، أيها الملا إني محتال لنفسي إذ جئتم بالخداع، ونصبتم لي شراك الغرور . فقالوا: أيها الملك المحمود لسنا الذي كنا كما أنك لست الذي كنت، وقد أبد لنا الذي أبد لك، وغيرنا الذي غيرك، فلا ترد علينا توبتنا وبذل نصيحتنا، قال: أنا مقيم فيكم ما فعلتم ذلك ومفارقكم إذا خالفتموه، فأقام ذلك الملك في ملكه وأخذ جنوده بسيرته واجتهدوا في العبادة فخصبت بلادهم وغلبوا عدوهم وازداد ملكهم حتى هلك ذلك الملك، وقد صار فيهم بهذه السيرة اثنين وثلاثين سنة فكان جميع ما عاش أربعا وستين سنة. قال يوذاسف: قد سررت بهذا الحديث جدا، فزدني من نحوه أزدد سرورا ولربي شكرا. قال الحكيم: زعموا أنه كان ملك من الملوك الصالحين وكان له جنود يخشون الله عز وجل ويعبدونه، وكان في ملك أبيه شدة من زمانهم والتفرق فيما بينهم وتنقص العدو من بلادهم، وكان يحثهم على تقوى الله عز وجل وخشيته والاستعانة به ومراقبته والفزع إليه، فلما ملك ذلك الملك قهر عدوه واستجمعت رعيته وصلحت بلاده وانتظم له الملك، فلما رأى ما فضل الله عز وجل به أترفه ذلك وأبطره وأطغاه حتى ترك عبادة الله عز وجل وكفر نعمه، وأسرع في قتل من عبد الله ودام ملكه وطالت مدته حتى ذهل الناس عما كانوا عليه من الحق قبل ملكه ونسوه وأطاعوه فيما أمرهم به وأسرعوا إلى الضلالة، فلم يزل على ذلك فنشاء فيه الأولاد وصار لا يعبد الله عز وجل فيهم ولا يذكر بينهم اسمه ولا يحسبون أن لهم إلها غير الملك، وكان ابن الملك قد عاهد الله عز وجل في حياة أبيه إن هو ملك يوما أن يعمل بطاعة الله عز وجل بأمر لم يكن من قبله من الملوك يعملون به ولا يستطيعونه، فلما ملك أنساه الملك رأيه الأول ونيته التي كان عليها، وسكر سكر صاحب الخمر، فلم يكن يصحو ويفيق . وكان من أهل لطف الملك رجل صالح أفضل أصحابه منزلة عنده، فتوجع له مما رأى من ضلالته في دينه ونسيانه ما عاهد الله عليه، وكان كلما أراد أن يعظه ذكر عتوه وجبروته ولم يكن بقي من تلك الأمة غيره وغير رجل آخر في ناحية أرض الملك لا يعرف مكانه ولا يدعى باسمه. فدخل ذات يوم على الملك بجمجمة قد لفها في ثيابه، فلما جلس عن يمين الملك انتزعها عن ثيابه ثم وطئها برجله فلم يزل يفركها بين يدي الملك وعلى بساطه حتى دنس مجلس الملك بما تحات من تلك الجمجمة، فلما رأى الملك ما صنع غضب من ذلك غضبا شديدا، وشخصت إليه أبصار جلسائه واستعدت الحرس بأسيافهم انتظارا لامره إياهم، بقتله والملك في ذلك مالك لغضبه، وقد كانت الملوك في ذلك الزمام مع جبروتهم وكفرهم ذوي أناة وتؤدة، استصلاحا للرعية على عمارة أرضهم ليكون ذلك أعون للجلب وأدى للخراج، فلم يزل الملك ساكتا على ذلك حتى قام من عنده، فلف تلك الجمجمة في ثوبه، ثم فعل ذلك في اليوم الثاني والثالث فلما رأى أن الملك لا يسأله عن تلك الجمجمة، ولا يستنطقه في شئ من شأنها أدخل مع تلك الجمجمة ميزانا وقليلا من تراب فلما صنع بالجمجمة ما كان يصنع أخذ الميزان وجعل في إحدى كفيته درهما وفي الأخرى بوزنه ترابا ثم جعل ذلك التراب في عين تلك الجمجمة ثم أخذ قبضة من التراب فوضعها في موضع الفم من تلك الجمجمة. فلما رأى الملك ما صنع قل صبره وبلغ مجهوده، فقال لذلك الرجل: قد علمت أنك إنما اجترأت على ما صنعت لمكانك مني وإدلالك علي، وفضل منزلتك عندي، ولعلك تريد بما صنعت أمرا، فخر الرجل للملك ساجدا وقبل قدميه، وقال: أيها الملك أقبل علي بعقلك كله فإن مثل الكلمة كمثل السهم إذا رمى به في أرض لينة يثبت فيها وإذا رمى في الصفا لم يثبت ومثل الكلمة كمثل المطر إذا أصاب أرضا طيبة مزروعة ينبته فيها، وإذا أصاب السباخ لم ينبت، وإن أهواء الناس متفرقة، والعقل والهوى يصطرعان في القلب، فإن غلب هوى العقل عمل الرجل بالطيش والسفه، وإن كان الهوى هو المغلوب لم يوجد في أمر الرجل سقطة، فإني لم أزل منذ كنت غلاما أحب العلم وأرغب فيه وأوثره على الأمور كلها، فلم أدع علما إلا بلغت منه أفضل مبلغ، فبينا أنا ذات يوم أطوف بين القبور إذ قد بصرت بهذه الجمجمة بارزة من قبور الملوك، فغاظني موقعها وفراقها جسدها غضبا للملوك فضممتها إلي وحملتها إلى منزلي فألبستها الديباج ونضحتها بالماء الورد والطيب ووضعتها على الفرش وقلت إن كان من جماجم الملوك فسيؤثر فيها إكرامي إياها، وترجع إلى جمالها وبهائها، وإن كانت من جماجم المساكين فإن الكرامة لا تزيدها شيئا ففعلت ذلك بها أياما فلم أستنكر من هيئتها شيئا فلما رأيت ذلك دعوت عبدا هو أهون عبدي عندي فأهانها فإذا هي في حالة واحدة عند الإهانة والاكرام، فلما رأيت ذلك أتيت الحكماء فسألتهم عنها فلم أجد عندهم علما بها، ثم علمت أن الملك منتهى العلم ومأوى الحلم فأتيتك خائفا على نفسي فلم يكن لي أن أسألك عن شئ حتى تبدأني به وأحب أن تخبرني أيها الملك أجمجمة ملك أم جمجمة مسكين فإنها لما أعياني أمرها تفكرت في أمرها وفي عينها التي كانت لا يملاؤها شئ حتى لو قدرت على ما دون السماء من شئ تطلعت إلى أن تتناول ما فوق السماء، فذهبت أنظر ما الذي يسدها ويملأها فإذا وزن درهم من تراب قد سدها وملأها، و نظرت إلى فيها الذي لم يكن يملأه شئ فملأته قبضة من تراب، فإن أخبرتني أيها الملك أنها جمجمة مسكين احتججت عليك بأني قد وجدتها وسط قبور الملوك، ثم أجمع جماجم ملوك وجماجم مساكين فإن كان لجماجمكم عليها فضل، فهو كما قلت، وإن أخبرتني بأنها من جماجم الملوك أنبأتك أن ذلك الملك الذي كانت هذه جمجمته قد كان من بهاء الملك وجماله وعزته في مثل ما أنت فيه اليوم فحاشاك أيها الملك أن تصير إلى حال هذه الجمجمة فتوطأ بالاقدام وتخلط بالتراب ويأكلك الدود وتصبح بعد الكثرة قليلا وبعد العزة ذليلا، وتسعك حفرة طولها أدنى من أربعة أذرع، ويورث ملكك وينقطع خبرك ويفسد صنايعك ويهان من أكرمت ويكرم من أهنت ويستبشر أعداءك ويضل أعوانك ويحول التراب دونك، فإن دعوناك لم تسمع، وإن أكرمناك لم تقبل، وإن أهناك لم تغضب، فيصير بنوك يتامى ونساؤك أيامي وأهلك يوشك أن يستبدلن أزواجا غيرك. فلما سمع الملك ذلك فزع قلبه وانسكبت عيناه يبكى ويقول ويدعو بالويل، فلما رأي الرجل ذلك علم أن قوله قد استمكن من الملك، وقوله قد أنجع فيه زاده ذلك جرأة عليه وتكريرا لما قال، فقال له الملك: جزاك الله عني خيرا وجزا من حولي من العظماء شرا، لعمري لقد علمت ما أردت بمقالتك هذه وقد أبصرت أمري فسمع الناس خبره فتوجهوا أهل الفضل إليه وختم له بالخير وبقي عليه إلى أن فارق الدنيا. قال ابن الملك: زدني من هذا المثل قال الحكيم: زعموا أن ملكا كان في أول الزمان وكان حريصا على أن يولد له وكان لا يدع شيئا مما يعالج به الناس أنفسهم إلا أتاه وصنعه، فلما طال ذلك عليه من أمره حملت امرأة له من نسائه فولدت له غلاما فلما نشأ وترعرع خطا ذات يوم خطوة فقال: معادكم تجفون، ثم خطا أخرى فقال: تهرمون، ثم خطا الثالثة فقال: ثم تموتون، ثم عاد كهيئته يفعل كما يفعل الصبي. فدعا الملك العلماء والمنجمين فقال: أخبروني خبر ابني هذا فنظروا في شأنه وأمره فأعياهم أمره، فلم يكن عندهم فيه علم، فلما رأى الملك أنه ليس عندهم فيه علم دفعه إلى المرضعات فأخذن في إرضاعه إلا أن منجما منهم قال: إنه سيكون إماما، وجعل عليه حراسا لا يفارقونه حتى إذا شب انسل يوما من عند مرضعيه والحرس فأتى السوق فإذا هو بجنازة فقال: ما هذا قالوا: إنسانا مات قال: ما أماته؟ قالوا: كبر وفنيت أيامه ودنى أجله فمات، قال: وكان صحيحا حيا يمشي ويأكل ويشرب؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل شيخ كبير فقام ينظر إليه متعجبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل شيخ كبير قد فنى شبابه وكبر، قال: وكان صغيرا ثم شاب؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل مريض مستلقى على ظهره، فقام ينظر إليه ويتعجب منه، فسألهم ما هذا؟ قالوا: رجل مريض، فقال: أو كان هذا صحيحا ثم مرض؟ قالوا: نعم قال: والله لئن كنتم صادقين فإن الناس لمجنونون. فافتقد الغلام عند ذلك فطلب فإذا هو بالسوق فأتوه فأخذوه وذهبوا به فأدخلوه البيت، فلما دخل البيت استلقى على قفاه ينظر إلى خشب سقف البيت و يقول: كيف كان هذا؟ قالوا: كانت شجرة ثم صارت خشبا، ثم قطع، ثم بني هذا البيت، ثم جعل هذا الخشب عليه، فبينا هو في كلامه إذا رسل الملك إلى الموكلين به: انظروا هل يتكلم أو يقول شيئا؟ قالوا: نعم وقد وقع في كلام ما نظنه إلا وسواسا، فلما رأى الملك ذلك وسمع جميع ما لفظ به الغلام، دعا العلماء فسألهم فلم يجد فيه عندهم علما إلا الرجل الأول فأنكر قوله فقال بعضهم: أيها الملك لو زوجته ذهب عنه الذي ترى، وأقبل وعقل وأبصر فبعث الملك في الأرض يطلب ويلتمس له امرأة فوجدت له امرأة من أحسن الناس وأجملهم فزوجها منه، فلما أخذوا في وليمة عرسه أخذ اللاعبون يلعبون والزمارون يزمرون، فلما سمع الغلام جلبتهم وأصواتهم قال: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء لعابون وزمارون جمعوا لعرسك، فسكت الغلام، فلما فرغوا من العرس وأمسوا، دعا الملك امرأة ابنه فقال لها: إنه لم يكن لي ولد غير هذا الغلام، فلما دخلت عليه فألطفي به وأقربي منه وتحببي إليه، فلما دخلت المرأة عليه أخذت تدنو منه وتتقرب إليه، فقال الغلام على رسلك فإن الليل طويل، بارك الله فيك، واصبري حتى نأكل ونشرب، فدعا بالطعام فجعل يأكل فلما فرغ جعلت المرأة تشرب فلما أخذ الشراب منها نامت. فقام الغلام فخرج من البيت، وانسل من الحرس والبوابين حتى خرج وتردد في المدينة، فلقيه غلام مثله من أهل المدينة فأتبعه وألقى ابن الملك عنه تلك الثياب التي كانت عليه ولبس ثياب الغلام، وتنكر جهده وخرجا جميعا من المدينة فسارا ليلتهما حتى إذا قرب الصبح خشيا الطلب فكمنا، فاتيت الجارية عند الصبح فوجدوها نائمة فسألوها أين زوجك؟ قالت: كان عندي الساعة، فطلب الغلام فلم يقدر عليه، فلما أمسى الغلام وصاحبه سارا ثم جعلا يسيران الليل ويكمنان النهار حتى خرجا من سلطان أبيه، ووقعا في ملك سلطان آخر. وقد كان لذلك الملك الذي صارا إلى سلطانه ابنة قد جعل لها أن لا يزوجها أحدا إلا من هوته ورضيته، وبنى لها غرفة عالية مشرفة على الطريق فهي فيها جالسة تنظر إلى كل من أقبل وأدبر فبينما هي كذلك إذ نظرت إلى الغلام يطوف في السوق وصاحبه معه في خلقانه، فأرسلت إلى أبيها إني قد هويت رجلا فإن كنت مزوجي أحدا من الناس فزوجني منه واتيت أم الجارية فقيل لها: إن ابنتك قد هويت رجلا وهي تقول كذا وكذا، فأقبلت إليها فرحة حتى تنظر إلى الغلام فأروها إياه فنزلت أمها مسرعة حتى دخلت على الملك، فقالت: إن ابنتك قد هويت غلاما فأقبل الملك ينظر إليه، ثم قال أرونيه فأروه من بعد فأمر أن يلبس ثيابا أخرى ونزل فسأله واستنطقه وقال: من أنت ومن أين أنت؟ قال الغلام: وما سؤالك عني أنا رجل من مساكين الناس، فقال: إنك لغريب، وما يشبه لونك ألوان أهل هذه المدينة، فقال الغلام: ما أنا بغريب، فعالجه الملك أن يصدقه قصته فأبى، فأمر الملك أناسا أن يحرسوه وينظروا أين يأخذ، ولا يعلم بهم، ثم رجع الملك إلى أهله فقال: رأيت رجلا كأنه ابن الملك وماله حاجة فيما تراودونه عليه، فبعث إليه فقيل له: إن الملك يدعوك، فقال الغلام: وما أنا والملك يدعوني ومالي إليه حاجة وما يدري من أنا، فانطلق به على كره منه حتى دخل على الملك فأمر بكرسي فوضع له فجلس عليه ودعى الملك امرأته وابنته فأجلسهما من وراء الحجاب خلفه فقال له الملك: دعوتك لخير، إن لي ابنه قد رغبت فيك أريد أن أزوجها منك فإن كنت مسكينا أغنيناك ورفعناك وشرفناك، قال الغلام: مالي فيما تدعوني إليه حاجة، فإن شئت ضربت لك مثلا أيها الملك؟ قال: فافعل. قال الغلام: زعموا أن ملكا من الملوك كان له ابن وكان لابنه أصدقاء صنعوا له طعاما ودعوه إليه فخرج معهم فأكلوا وشربوا حتى سكروا فناموا فاستيقظ ابن الملك في وسط الليل فذكر أهله فخرج عائدا إلى منزله، ولم يوقظ أحدا منه فبينا هو في مسيره إذ بلغ منه الشراب فبصر بقبر على الطريق فظن أنه مدخل بيته فدخله فإذا هو بريح الموتى فحسب ذلك لما كان به السكر أنه رياح طيبة فإذا هو بعظام لا يحسبها إلا فرشه الممهدة، فإذا هو بجسد قد مات حديثا وقد أروح فحسبه أهله فقام إلى جانبه فاعتنقه وقبله وجعل يعبث به عامة ليله فأفاق حين أفاق ونظر حين نظر فإذا هو على جسد ميت وريح منتنة، قد دنس ثيابه وجلده، ونظر إلى القبر وما فيه من الموتى، فخرج وبه من السوء ما يختفي به من الناس أن ينظروا إليه متوجها إلى باب المدينة، فوجده مفتوحا فدخله حتى أتى أهله فرأى أنه قد أنعم عليه حيث لم يلقه أحد، فألقى عنه ثيابه تلك واغتسل ولبس لباسا أخرى وتطيب. عمرك الله أيها الملك أتراه راجعا إلى ما كان فيه وهو يستطيع؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فالتفت الملك إلى امرأته وابنته، وقال: قد أخبرتكم أنه ليس له فيما تدعونه رغبة، قالت أمها: لقد قصرت في النعت لابنتي والوصف لها أيها الملك ولكني خارجة إليه ومتكلمة، فقال الملك للغلام: إن امرأتي تريد أن تكلمك وتخرج إليك ولم تخرج إلى أحد قبلك، فقال الغلام: لتخرج إن أحبت، فخرجت وجلست فقالت للغلام: تعال إلى ما قد ساق الله إليك من الخير والرزق فأزوجك ابنتي فإنك لو قد رأيتها وما قسم الله عز وجل لها من الجمال والهيئة لاغتبطت، فنظر الغلام إلى الملك فقال: أفلا أضرب لك مثلا؟ قال: بلى. قال: إن سراقا تواعدوا أن يدخلوا خزانة الملك ليسرقوا، فنقبوا حائط الخزانة فدخلوها فنظروا إلى متاع لم يروا مثله قط، وإذا هم بقلة من ذهب مختومة بالذهب فقالوا لا نجد شيئا أعلى من هذه القلة هي ذهب مختومة بالذهب والذي فيها أفضل من الذي رأينا فاحتملوها ومضوا بها حتى دخلوا غيضة لا يأمن بعضهم بعضا عليها ففتحوها فإذا في وسطها أفاع، فوثبن في وجوههم فقتلنهم أجمعين. عمرك الله أيها الملك أفترى أحدا علم بما أصابهم وما لقوه يدخل يده في تلك القلة وفيها من الأفاعي؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فقالت الجارية لأبيها: ائذن لي فأخرج إليه بنفسي وأكلمه فإنه لو قد نظر إلي وإلى جمالي وحسني وهيئتي وما قسم الله عز وجل لي من الجمال لم يتمالك أن يجيب، فقال الملك للغلام: إن ابنتي تريد أن تخرج إليك ولم تخرج إلى رجل قط، قال: لتخرج أن أجبت، فخرجت عليه وهي أحسن الناس وجها وقدا وطرفا وهيكلا، فسلمت على الغلام وقالت للغلام: هل رأيت مثلي قط أو أتم أو أجمل أو أكمل أو أحسن؟ وقد هويتك وأحببتك، فنظر الغلام إلى الملك، فقال: أفلا أضرب لها مثلا؟ قال: بلى. قال الغلام: زعموا أيها الملك إن ملكا له ابنان فأسر أحدهما ملك آخر فحبسه في بيت وأمر أن لا يمر عليه أحد إلا رماه بحجر، فمكث بذلك حينا، ثم إن أخاه قال لأبيه: ائذن لي فأنطلق إلى أخي فأفديه، وأحتال له، قال: فانطلق وخذ معك ما شئت من مال ومتاع ودواب، فاحتمل معه الزاد والراحلة وانطلق معه المغنيات والنوائح فلما دنا من مدينة ذلك الملك أخبر الملك بقدومه فأمر الناس بالخروج إليه وأمر له بمنزل خارج من المدينة فنزل الغلام في ذلك المنزل فلما جلس فيه ونشر متاعه وأمر غلمانه أن يبيعوا الناس ويساهلوهم في بيعهم ويسامحوهم ففعلوا ذلك فلما رأى الناس قد شغلوا بالبيع انسل ودخل المدينة وقد علم أين سجن أخيه، ثم أتى السجن فأخذ حصاة فرمى بها لينظر ما بقي من نفس أخيه، فصاح حين أصابته الحصاة. وقال: قتلتني ففزع الحرس عند ذلك و خرجوا إليه وسألوه لم صحت وما شأنك وما بدا لك وما رأيناك تكلمت ونحن نعذبك منذ حين ويضربك ويرميك كل من يمر بك بحجر، ورماك هذا الرجل بحصاة فصحت منها؟ فقال: إن الناس كانوا من أمري على جهالة ورماني هذا على علم فانصرف أخوه راجعا إلى منزله ومتاعه، وقال للناس: إذا كان غدا فأتوني أنشر عليكم بزا ومتاعا لم تروا مثله قط فانصرفوا يومئذ حتى إذا كان من الغد غدوا عليه بأجمعهم فأمر بالبز فنشروا وأمر بالمغنيات والنايحات وكل صنف معه مما يلهى به الناس فأخذوا في شأنهم فاشتغل الناس فأتى أخاه فقطع عنه أغلاله، وقال: أنا أداويك فاختلسه وأخرجه من المدينة فجعل على جراحاته دواء كان معه حتى إذا وجد راحة أقامه على الطريق، ثم قال له: انطلق فإنك ستجد سفينة قد سيرت لك في البحر، فانطلق سائرا فوقع في جب فيه تنين وعلى الجب شجرة نابتة فنظر إلى الشجرة فإذا على رأسها اثنا عشر غولا وفي أسفلها اثنا عشر سيفا، وتلك السيوف مسلولة معلقة فلم يزل يتحمل ويحتال حتى أخذ بغصن من الشجرة فتعلق به وتخلص وسار حتى أتى البحر فوجد سفينة قد أعدت له إلى جانب الساحل فركب فيها حتى أتوا به أهله. عمرك الله أيها الملك أتراه عائد إلى ما قد عاين ولقى، قال: لا، قال: فإني أنا هو فيئسوا منه، فجاء الغلام الذي صحبه من المدينة وقال: اذكرني لها وأنكحنيها فقال الغلام للملك إن هذا يقول إني أحب أن ينكحنيها الملك، فقال: لا أفعل قال: أفلا أضرب لك مثلا؟ قال: بلى. قال: إن رجلا كان في قوم فركبوا سفينة فساروا في البحر ليالي وأياما ثم انكسرت سفينتهم بقرب جزيرة في البحر فيها الغيلان فغرقوا كلهم سواه وألقاه البحر إلى الجزيرة، وكانت الغيلان يشرفن من الجزيرة إلى البحر فأتى غولا فهويها ونكحها حتى إذا كان من الصبح قتلته وقسمت أعضاءه بين صواحباتها واتفق مثل ذلك لرجل آخر فأخذته ابنة ملك الغيلان فانطلقت به فبات معها ينكحها وقد علم الرجل ما لقي من كان قبله فليس ينام حذرا حتى إذا كان مع الصبح قامت الغولة فانسل الرجل حتى أتى الساحل فإذا هو بسفينة فنادى أهلها واستغاث بهم فحملوه حتى أتوا به أهله فأصبحت الغيلان فأتوا الغولة التي باتت معه فقالوا لها أين الرجل الذي بات معك؟ قالت: إنه قد فرمني فكذبوها وقالوا: أكلته واستأثرت به علينا فنقتلنك إن لم تأتنا به فمرت في الماء حتى أتته في منزله ورحله فدخلت عليه وجلست عنده وقالت له: ما لقيت في سفرك هذا، قال: لقيت بلاء خلصني الله منه وقص عليها ذلك فقالت وقد تخلصت؟ قال: نعم فقالت أنا الغولة وجئت لاخذك فقال لها: أنشدك الله أن تهلكيني فإني أدلك على مكان رجل، قالت إني أرحمك فانطلقا حتى دخلا على الملك، قالت اسمع منا أصلح الله الملك إني تزوجت بهذا الرجل وهو من أحب الناس إلي، ثم إنه كرهني وكره صحبتي فانظر في أمرنا فلما رآها الملك أعجبه جمالها فخلا بالرجل فساره وقال: إني قد أحببت أن تتركها فأتزوجها قال: نعم أصلح الله الملك ما تصلح إلا لك فتزوج بها الملك وبات معها حتى إذا كانت مع السحر ذبحته وقطعت أعضاءه وحملته إلى صواحباتها أفترى أيها الملك أحدا يعلم بهذا، ثم ينطلق إليه؟ قال: لا، قال الخاطب للغلام فإني لا أفارقك ولا حاجة لي فيما أردت. فخرجا من عند الملك يعبدان الله جل جلاله ويسيحان في الأرض، فهدى الله عز وجل بهما أناسا كثيرا وبلغ شأن الغلام وارتفع ذكره في الآفاق فذكر والده، وقال: لو بعثت إليه لاستنقذته مما هو فيه، فبعث إليه رسولا فأتاه فقال له: إن ابنك يقرئك السلام وقص عليه خبره وأمره فأتاه والده وأهله فاستنقذهم مما كانوا فيه. ثم إن بلوهر رجع إلى منزله واختلف إلى يوذاسف أياما حتى عرف أنه فتح له الباب ودله على السبيل، ثم تحول من تلك البلاد إلى غيرها وبقي يوذاسف حزينا مغتما فمكث بذلك حتى بلغ وقت خروجه إلى النساك لينادي بالحق ويدعو إليه أرسل الله عز وجل ملكا من الملائكة فلما رأى منه خلوة ظهر له وقام بين يديه، ثم قال له: لك الخير والسلامة أنت إنسان بين البهائم الظالمين الفاسقين من الجهال أتيتك بالتحية من الحق وإله الخلق بعثني إليك لأبشرك وأذكر لك ما غاب عنك من أمور دنياك وآخرتك، فاقبل بشارتي ومشورتي ولا تغفل عن قولي، اخلع عنك الدنيا وانبذ عنك شهواتها وازهد في الملك الزائل، والسلطان الفاني الذي لا يدوم وعاقبته الندم والحسرة، واطلب الملك الذي لا يزول والفرح الذي لا ينقضي والراحة التي لا يتغير وكن صديقا مقسطا، فإنك تكون إمام الناس تدعوهم إلى الجنة. فلما سمع يوذاسف كلامه خر بين يدي الله عز وجل ساجدا، وقال: إني لأمر الله تعالى مطيع وإلى وصيته منته، فمرني بأمرك فإني لك حامد ولمن بعثك إلي شاكر فإنه رحمني ورؤوف بي ولم يرفضني بين الأعداء فإني كنت بالذي أتيت له مهتما، قال الملك: إني أرجع إليك بعد أيام ثم أخرجك فتهيأ للخروج ولا تغفل عنه، فوطن يوذاسف نفسه على الخروج وجعل همته كله فيه ولم يطلع على ذلك أحدا حتى إذا جاء وقت خروجه أتى الملك في جوف الليل والناس نيام، فقال له: قم فاخرج ولا تؤخر ذلك، فقام ولم يفش سره إلى أحد من الناس غير وزيره فبينا هو يريد الركوب إذ أتاه رجل شاب جميل كان قد ملكهم بلاده فسجد له. وقال أين تذهب: يا ابن الملك وقد أصابنا العسر أيها المصلح الحكيم الكامل: وتتركنا وتترك ملكك وبلادك، أقم عندنا فإنا كنا منذ ولدت في رخاء وكرامة ولم تنزل بنا عاهة ولا مكروه، فسكته يوذاسف وقال له: امكث أنت في بلادك ودار أهل مملكتك فأما أنا فذاهب حيث بعثت وعامل ما أمرت به فإن أنت أعنتني كان لك في عملي نصيبا، ثم ركب فسار ما قضى الله له أن يسير، ثم إنه نزل عن فرسه ووزيره يقود فرسه ويبكي أشد البكاء، ويقول ليوذاسف بأي وجه أستقبل أبويك؟ وبما أجيبهما عنك وبأي عذاب أو موت يقتلاني، وأنت كيف تطيق العسر والأذى الذي لم تتعوده وكيف لا تستوحش وأنت لم تكن وحدك يوما قط؟ وجسدك كيف تحمل الجوع والظمأ والتقلب على الأرض والتراب، فسكته وعزاه ووهب له فرسه والمنطقة فجعل يقبل قدميه ويقول: لا تدعني وراءك يا سيدي اذهب بي معك حيث خرجت فإنه لا كرامة لي بعدك وإنك إن تركتني ولم تذهب بي معك خرجت في الصحراء ولم أدخل مسكنا فيه إنسان أبدا، فسكته أيضا وعزاه، وقال: لا تجعل في نفسك إلا خيرا فإني باعث إلى الملك وموصيه فيك أن يكرمك و يحسن إليك. ثم نزع عنه لباس الملك ودفعه إلى وزيره وقال له: البس ثيابي وأعطاه الياقوتة التي كان يجعلها في رأسه، وقال: انطلق بها معك وفرسي وإذا أتيته فاسجد له وأعطه هذه الياقوتة وأقرئه السلام ثم الاشراف وقل لهم: إني لما نظرت فيما بين الباقي والزائل رغبت في الباقي وزهدت في الزائل ولما استبان لي أصلي و حسبي وفضلت بينهما وبين الأعداء والقرباء رفضت الأعداء والقرباء وانقطعت إلي أصلي وحسبي، فأما والدي فإنه إذا أبصر الياقوتة طابت نفسه، فإذا أبصر كسوتي عليك ذكرني وذكر حبي لك ومودتي إياك، فمنعه ذلك أن يأتي إليك مكروها. ثم رجع وزيره وتقدم يوذاسف أمامه يمشي حتى بلغ فضاء واسعا فرفع رأسه فرأى شجرة عظيمة على عين من ماء أحسن ما يكون من الشجر وأكثرها فرعا وغصنا وأحلاها ثمرا، وقد اجتمع إليها من الطير مالا يعد كثرة، فسر بذلك المنظر وفرح به، وتقدم إليه حتى دنا منه، وجعل يعبره في نفسه ويفسره فشبه الشجر بالبشرى التي دعا إليها وعين الماء بالحكمة والعلم، والطير بالناس الذين يجتمعون إليه ويقبلون منه الدين، فبينا هو قائم إذ أتاه أربعة من الملائكة عليهم السلام يمشون بين يديه فأتبع آثارهم حتى رفعوه في جو السماء وأوتي من العلم والحكمة ما عرف به الأولى والوسطى والأخرى، والذي هو كائن، ثم أنزلوه إلى الأرض وقرنوا معه قرينا من الملائكة الأربعة فمكث في تلك البلاد حينا ثم إنه أتى أرض سولابط فلما بلغ والده قدومه خرج يسير هو والاشراف فأكرموه و قربوه، واجتمع إليه أهل بلده مع ذوي قرابته وحشمه وقعدوا بين يديه وسلموا عليه وكلمهم الكلام الكثير وفرش لهم الايناس وقال لهم: اسمعوا إلي بأسماعكم وفرغوا إلي قلوبكم لاستماع حكمة الله عز وجل التي هي نور الأنفس وتقروا بالعلم الذي هو الدليل على سبيل الرشاد، وأيقظوا عقولكم وافهموا الفصل الذي بين الحق والباطل، والضلال والهدى. واعلموا أن هذا هو دين الحق الذي أنزله الله عز وجل على الأنبياء والرسل عليهم السلام، والقرون الأولى، فخصنا الله عز وجل به في هذا القرن برحمته بنا ورأفته ورحمته وتحننه علينا وفيه خلاص من نار جهنم إلا أنه لا ينال الانسان ملكوت السماوات ولا يدخلها أحد إلا بالايمان وعمل الخير، فاجتهدوا فيه لتدركوا به الراحة الدائمة والحياة التي لا تنقطع أبدا ومن آمن منكم بالدين فلا يكونن إيمانه طمعا في الحياة ورجاء ملك الأرض وطلب مواهب الدنيا، وليكن إيمانكم طمعا في ملكوت السماوات ورجاء الخلاص وطلب النجاة من الضلالة وبلوغ الراحة والفرج في الآخرة، فإن ملك الأرض وسلطانها زائل، ولذاتها منقطعة، فمن اغتر بها هلك وافتضح، لو قد وقف على ديان الدين الذي لا يدين إلا بالحق، فإن الموت مقرون مع أجسادكم وهو يتراصد أرواحكم أن يكبكبها مع الأجساد. واعلموا أنه كما أن الطير لين يقدر على الحياة والنجاة من الأعداء من اليوم إلى غد هذه إلا بقوة من البصر والجناحين والرجلين، فكذلك الانسان لا يقدر على الحياة والنجاة إلا بالعمل والايمان وأعمال الخير الكاملة، فتفكر أيها الملك أنت والاشراف فيما تستمعون وافهموا واعتبروا، واعبروا البحر ما دامت السفينة، واقطعوا المسافة ما دام الدليل والظهر والزاد، واسلكوا سبيلكم ما دام المصباح، وأكثروا من كنوز البر مع النساك، وشاركوهم في الخير والعمل الصالح، وأصلحوا التبع وكونوا لهم أعوانا وأمروهم بأعمالكم لينزلوا معكم ملكوت النور، واقبلوا النور، واحتفظوا بفرائضكم، وإياكم أن تتوثقوا إلى أماني الدنيا وشرب الخمور وشهوة النساء من كل ذميمة وقبيحة مهلكة للروح والجسد واتقوا الحمية والغضب والعداوة والنميمة، وما لم ترضوه أن يؤتى إليكم فلا تأتوه إلى أحد، وكونوا طاهري القلوب، صادقي النيات لتكونوا على المنهاج إذا أتاكم الأجل. ثم انتقل من أرض سولابط وسار في بلاد ومدائن كثيرة حتى أتى أرضا تسمى قشمير فسار فيها وأحيا ميتها ومكث حتى أتاه الأجل الذي خلع الجسد، وارتفع إلى النور، ودعا قبل موته تلميذا له اسمه يابد الذي كان يخدمه ويقوم عليه، وكان رجلا كاملا في الأمور كلها، وأوصى إليه وقال: إنه قد دنا ارتفاعي عن الدنيا، واحتفظوا بفرائضكم، ولا تزيغوا عن الحق، وخذوا بالنسك، ثم أمر يابد أن يبني له مكانا فبسطه هو رجليه وهيأ رأسه إلى المغرب ووجهه إلى المشرق ثم قضى نحبه.
الهوامش60
[2]مخطوط.ص 378
[1]مائدة: 101.ص 380
[2]التحف ص 513.ص 380
[1]في بعض النسخ " ولا يبطئن " ولعل المراد ولا ينسأ بعضكم بعضا، يقال: بطا عليه وأبطا أي أخره. والتصارم التقاطع.ص 381
[1]متعب - بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة - هو مولى أبى عبد الله عليه السلام بل من خواص أصحابه وأيضا من أصحاب الإمام السابع عليه السلام، ثقة وقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: موالي عشرة خيرهم معتب.ص 382
[1]كمال الدين ص 317 مع اختلاف فيه.ص 383
[2]هو أحد مشايخ أبى على القطان.ص 383
[1]النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشئ ويقال: لله في هذا الامر نهمة " أي شهوة.ص 384
[2]المئناث: التي اعتادت أن تلد الإناث وكذلك الرجل لأنهما يستويان في مفعال.ص 384
[1]النساك: العباد. وزبره أي زجره.ص 385
[1]المربط - بفتح الباء وكسرها - موضع ربط الدواب.ص 386
[2]الذبحة - بضم الذال وفتح الباء والعامة تسكن الباء - ورم حار في العضلات من جانب الحلقوم التي بها يكون البلع. وقال العلامة: وقد يطلق الذبحة على الاختناق. والشيخ لا يفرق بينهما، وقيل هي ورم اللوزتين (بحر الجواهر).ص 386
[1]القموص - على وزن چموش - وبمعناه.ص 387
[2]في بعض النسخ " استمسكت ".ص 387
[3]في بعض النسخ " وبينا هي تشمته إذا تشمت منه ".ص 387
[1]في بعض النسخ " الفجرة مكان البررة ".ص 388
[2]الجدب: القحط، مقابل الخصب.ص 388
[3]الضاري من الكلاب ما لهج بالصيد وتعود أكله.ص 388
[4]السورة: الحدة.ص 388
[1]في بعض النسخ " الحشد " وهو الجماعة.ص 389
[2]الكد: السعي والجد، والكدح في العمل: المجاهدة فيه.ص 389
[3]المجن: الترس وكل ما وقى من السلاح.ص 389
[4]لعله جمع خان وهو الحانوت والفندق. وفى بعض النسخ " المخابى ".ص 389
[1]جمع الظئر: المرضعة.ص 390
[1]أي لا يستطيع تحولا.ص 391
[2]رتق الفتق: أصلحه. يقال هو راتق أي مصلح الامر.ص 391
[1]في بعض النسخ " ما دهاه ".ص 392
[1]الفرق - محركة -: الخوف.ص 393
[1]الحاضن فاعل من حضنه أي جعله في حضنه والحضن ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما أي الحافظ والمؤدب.ص 394
[1]في بعض النسخ " فأتى عليه رجلان من السؤال ".ص 395
[2]تقلص أي انضم وانزوى.ص 395
[1]أي شديد الشهوة يعنى فيل مست، اغتلم الشراب: اشتدت سورته.ص 399
[2]الفاغر الفاتح فاه.ص 399
[1]في المصدر " أهل الحق ".ص 405
[1]في بعض النسخ " قرم " ولعل الصواب " قرلى ".ص 407
[1]في المصدر " وزهاده عن الدنيا.ص 410
[1]في بعض النسخ " وأبصارنا إليه خاشعة ".ص 414
[2]كذا.ص 414
[1]الحتف الموت من غير قتل والجمع حتوف. والراصد: المراقب.ص 417
[2]أي مسرورا والحبر - بفتح الحاء وكسرها - السرور والجمع حبور وأحبار.ص 417
[3]في بعض النسخ " مشعوفا ".ص 417
[1]الأهبة: العدة، يقال أخذ للسفر أهبته أي أسبابه.ص 420
[1]أنبه - بشد النون -: عنفه ولامه.ص 425
[1]أي تام الحسن.ص 426
[2]نضد المتاع - بشد الضاد وتخفيفها - رتبه وضم بعضه إلى بعض متسقا أو مركوما. والسماط: الشئ المصطف. وسماط الطريق جانباه.ص 426
[3]الذعر: الخوف والفزع.ص 426
[1]في بعض النسخ " رسول البلى ".ص 427
[2]أناخ البلاء على فلان: أقام عليه، وأناخ به الحاجة: أنزلها به. أناخ الجمل: أبركه.ص 427
[3]طرق القوم: أتاهم ليلا.ص 427
[4]نحاه عنه أي أبعده عنه وأزاله - والنجدة: الشجاعة والشدة والبأس.ص 427
[1]في بعض النسخ " وان حجب لم يحجب ".ص 428
[1]في بعض النسخ " ولا يستحيل بهم الأطماع عن نصيحتي " وفى بعضها " لا يستميل ".ص 429
[1]الشراك: آلة الصيد.ص 431
[1]صحا السكران: ذهب سكره وأفاق.ص 432
[2]فرك الثوب: دلكه، الشئ عن الثوب أزاله وحكه حتى تفتت.ص 432
[1]يعنى فمها.ص 434
[2]أي لا زوج لهن.ص 434
[3]ترعرع الصبي نشأ وشب.ص 434
[1]جلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم. والجلاب والمجلب - بشد اللام -: المصوت.ص 435
[1]أي على مهلك يعنى امهل وتأن.ص 436