Usul16
بحار الانوار - ط دارالاحیاء التراث

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

Printed-page view →

(باب ٩) *(قصة ذبح البقرة)* الايات ، البقرة « ٢ » وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون * وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ٦٧ ـ

bihar-5703

تفسير : « فادارأتم » أي اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا ، أو تدافعتم بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه. وأصله « تدارأتم » فادغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوسل « فقلنا اضربوه » الضمير للنفس ، والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل « ببعضها » أي أي بعض كان ، وقيل : ضرب بفخذ البقرة وقام حيا وقال :

Show clickable narrator chain

قتلني فلان ثم عاد ميتا ، وقيل : ضرب بذنبها ، وقيل : بلسانها ، وقيل : بعظم من عظامها ، وقيل : بالبضعة التي بين الكتفين.

bihar-5704

فس : أبي ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبدالله 7 قال :

Show clickable narrator chain

إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له ، وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديئا فلم ينعموا له ، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة ، ثم حمله إلى موسى 7 ، فقال : يا نبي الله هذا ابن عمى فقد قتل ، فقال موسى 7 : من قتله؟ قال : لا أدري ، وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا ، فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا : ما ترى يا نبي الله؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار ، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما ، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته ، فلما انتبه أبوه قال له : يا بني ماذا صنعت في سلعتك؟ قال : هي قائمة لم أبعها ، لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن انبهك وانغص عليك نومك ، قال له أبوه : قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك ، وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل[١] أن يذبحوا تلك البقرة بعينها ، فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى : « إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة » فتعجبوا وقالوا : « أتتخذنا هزوا » نأتيك بقتيل فتقول : اذبحوا بقرة فقال لهم موسى : « أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين » فعلموا أنهم قد أخطؤوا فقالوا : « ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر » والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل ، والبكر التي لم يضربها الفحل ، فقالوا : « ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها » أي شديدة الصفرة تسر الناظرين » إليها « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض » أي لم تذلل « ولا تسقي الحرث » أي لا تسقي الزرع « مسلمة لاشية فيها » أي لا نقطة فيها إلا الصفرة « قالوا الآن جئت بالحق » هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال : لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا ، فرجعوا إلى موسى 7 فأخبروه فقال لهم موسى : لابد لكم من ذبحها بعينها ، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فذبحوها ، ثم قالوا : يا نبي الله ما تأمرنا؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه قل لهم : اضربوه ببعضها وقولوا : من قتلك؟ فأخذوا الذنب فضربوه به وقالوا : من قتلك يا فلان؟ فقال : فلان ابن فلان ابن عمي الذي جاء به ، وهو قوله : « فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ». [١]في المصدر : وأمر بنى إسرائيل.

الهوامش · 1

[٢]تفسير القمي : ٤١ ـ ٤٢.ص 260

bihar-5705

ن : أبي ، عن الكميداني ومحمد العطار ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي قال :

Show clickable narrator chain

سمعت أبا الحسن الرضا 7 يقول : إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ، ثم جاء يطلب بدمه ، فقالوا لموسى 7 : إن سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبرنا من قتله ، قال : ائتوني ببقرة ، قالوا : « أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين » ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر » يعني لا كبيرة ولا صغيرة « عوان بين ذلك » ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم » قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين » ولو أنهم عمدوا إلى بقرة لاجزأتهم [١]مجمع البيان ١ : ١٣٦. ولكن شددوا فشدد الله عليهم « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق » فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل ، فقال : لا أبيعها إلا بملء مسكها[١] ذهبا ، فجاؤوا إلى موسى 7 فقالوا له ذلك ، فقال : اشتروها ، فاشتروها وجاؤوا بها ، فأمر بذبحها ثم أمر أن يضرب الميت بذنبها ، فلما فعلوا ذلك حيي المقتول ، وقال : يا رسول الله إن ابن عمي قتلني دون من يدعي عليه قتلي ، فعلموا بذلك قاتله ، فقال لرسول الله موسى 7 بعض أصحابه : إن هذه البقرة لها نبأ فقال : وما هو؟ قال : إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه فرأى والاقاليد تحت رأسه ، فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره ، فقال : أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك عوضا لما فاتك ، قال : فقال له رسول الله موسى 7 : انظروا إلى البر ما بلغ بأهله. شى : عن البزنطي مثله.

الهوامش · 5

[٢]انوار التنزيل ١ : ٩٠ ، قلت : التدارء : التدافع في الخصومة.ص 262

[٣]في المصدر : ولو أنهم عمدوا أى بقرة. وهكذا فيما يأتى.ص 262

[٢]في المصدر : فقال رسول الله موسى بن عمران لبعض أصحابه.ص 263

[٣]الاقاليد : المفاتيح. وفى المصدر : فرأى أن المقاليد تحت رأسه.ص 263

[٤]عيون الاخبار ١٨٦ ـ ١٨٧.ص 263

bihar-5706

فيه : أو تأخيرهم امتثال الامر بعد البيان التام وهو غير مقتض ذمهم على ترك المبادرة في الاول إلى ذبح البقرة ، فلا دلالة في الاية على ذلك.

bihar-5707

ص : بإسناده إلى الصدوق عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي عن أبان بن عثمان ، عن أبي حمزة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس 2 قال :

Show clickable narrator chain

كان في مدينة اثنا عشر سبطا امة أبرار ، وكان فيهم شيخ له ابنة وله ابن أخ خطبها إليه فأبى أن يزوجها فزوجها من غير. فقعد له في الطريق إلى المسجد فقتله وطرحه على طريق أفضل سبط لهم ، ثم غدا يخاصمهم فيه ، فانتهوا إلى موسى صلوات الله عليه فأخبروه فأمرهم أن يذبحوا بقرة ، قالوا : أتتخذنا هزوا؟ نسألك من قتل هذا تقول : اذبحوا بقرة! قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، ولو انطلقوا إلى بقرة لاجيزت ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم ، قالوا : « ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول » فرجعوا إلى موسى وقالوا : لم نجد هذا النعت إلا عند غلام من بني إسرائيل وقد أبى أن يبيعها إلا بملء مسكها دنانير ، قال : فاشتروها ، فابتاعوها فذبحت ، قال : فأخذ جذوة من لحمها فضربه فجلس ، فقال موسى : من قتلك؟ فقال : قتلني ابن أخي الذي يخاصم في قتلى ، قال : فقتل. فقالوا : يا رسول الله إن لهذه البقرة لنبأ ، فقال صلوات الله عليه : وما هو؟ قالوا : إنها كانت لشيخ من بني إسرائيل وله ابن بار به ، فاشترى الابن بيعا فجاء لينقدهم الثمن فوجد أباه نائما ، فكره أن[١] يوقظه والمفتاح تحت رأسه ، فأخذ القوم متاعهم فانطلقوا ، فلما استيقظ قال له : يا أبت إني اشتريت بيعا كان لي فيه من الفضل كذا وكذا. وإني جئت لانقدهم الثمن فوجدتك نائما ، وإذا المفتاح تحت رأسك ، فكرهت أن اوقظك ، وإن القوم أخذوا متاعهم ورجعوا ، فقال الشيخ : أحسنت يا بني ، فهذه البقرة لك بما صنعت ، وكانت بقية كانت لهم ، فقال رسول الله 7 : انظروا ماذا صنع به البر. [١]في نسخة : فكده أن يوقظه. أى أتعبه.

الهوامش · 3

[٢]نقد الثمن : أعطاه اياه معجلا.ص 265

[٣]أى موسى بن عمران 7.ص 265

[٤]قصص الانبياء مخطوط.ص 265

bihar-5708

ص : بالاسناد إلى الصدوق ، عن أبيه ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، عن الحجال ، عن مقاتل بن مقاتل ، عن أبي الحسن 7 قال :

Show clickable narrator chain

إن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وكان يجزيهم ما ذبحوا وما تيسر من البقر ، فعنتوا وشددوا فشدد عليهم.

الهوامش · 2

[١]هو مقاتل بن مقاتل بن قياما يروى عن ابى الحسن الرضا 7. (٢ و ٣) قصص الانبياء مخطوط ، وأخرج البحرانى الاخير في البرهان وفيه : العياشى عن الحسن بن على بن فضال قال : سمعت أبا الحسن 7.ص 266

[٤]تفسير العياشى مخطوط.ص 266

bihar-5709

ص : بهذا الاسناد عن ابن عيسى ، عن علي بن سيف ، عن محمد بن عبيدة ، عن الرضا 7 قال :

Show clickable narrator chain

إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم ، قال لهم موسى 7 : اذبحوا بقرة ، قالوا : ما لونها؟ فلم يزالوا شددوا حتى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهبا.

bihar-5710

شى : عن ابن محبوب ، عن علي بن بقطين ، قال :

Show clickable narrator chain

سمعت أبا الحسن 7 يقول : إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ، وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم.

bihar-5711

م : قوله عزوجل : « وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة » إلى قوله : « لعلكم تعقلون » قال الامام 7 : قال الله عزوجل ليهود المدينة : واذكروا إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم ليقوم حيا سويا بإذن الله تعالى ويخبركم بقاتله ، وذلك حين القي القتيل بين أظهرهم ، فألزم موسى 7 أهل القبيلة بأمر الله أن يحلف خمسون من أماثلهم بالله القوي الشديد إله بني إسرائيل ، مفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا ، فإن حلفوا بذلك غرموا دية المقتول ، وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد منه ، فإن لم يفعلوا حبسوا في مجلس ضنك إلى أن يحلفوا أو يقروا [١] أو يشهدوا على القاتل ، فقالوا : يا نبي الله أما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا أيماننا؟ قال : لا ، هكذا حكم الله. وكان السبب أن امرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل وفضل بارع ونسب شريف وستر ثخين[١] كثر خطابها ، وكان لها بنو أعمام ثلاثة فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم سترا ، وأرادت التزويج به ، فاشتد حسد ابني عمه الآخرين له وغبطاه عليها لايثارها إياه ، فعمدا إلى ابن عمها المرضي فأخذاه إلى دعوتهما ثم قتلاه وحملاه إلى محلة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل فألقياه بين أظهرهم ليلا ، فلما أصبحوا وجدوا القتيل هناك فعرف حاله ، فجاء ابنا عمه القاتلان له فمزقا على أنفسهما ، وحثيا التراب على رؤوسهما ، واستعديا عليهم ، فأحضرهم موسى 7 وسألهم فأنكروا أن يكونوا قتلوه أو علموا قاتله ، قال : فحكم الله عزوجل على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه فقالوا : يا موسى أي نفع في أيماننا لنا إذا لم تدرء عنا الغرامة الثقيلة؟ أم أي نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرء عنا الايمان؟ فقال موسى 7 : كل النفع في طاعة الله تعالى والايتمار لامره والانتهاء عما نهى عنه ، فقالوا : يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا ، وأيمان غليظة ولا حق في رقابنا ، لو أن الله عزوجل عرفنا قاتله بعينه وكفانا مؤونته فادع لنا ربك أن يبين لنا هذا القاتل لينزل به ما يستحقه من العقاب وينكشف أمره لذوي الالباب. فقال موسى 7 : إن الله عزوجل قد بين ما أحكم به في هذا ، فليس لي أن أقترح عليه غير ما حكم ولا أعترض عليه فيما أمر ، ألا ترون أنه لما حرم العمل في السبت وحرم لحم الجمل لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغير ما حكم به علينا من ذلك ، بل علينا أن نسلم له حكمه ، ونلتزم ما الزمناه ، وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم ، فأوحى [١]الثخين : الغليظ ، كناية عن شدة عفتها وحجبها. الله عزوجل إليه : يا موسى أجبهم إلى ما اقترحوا ، وسلني أن ابين لهم القاتل ليقتل ويسلم غيره من التهمة والغرامة ، فإني إنما اريد بإجابتهم إلى ما اقترحا توسعة الرزق على رجل من خيار امتك ، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين ، والتفضيل لمحمد وعلي بعده على سائر البرايا ، اغنيه في هذه الدنيا في هذه القضية ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد وآله. فقال موسى : يا رب بين لنا قاتله ، فأوحى الله تعالى إليه : قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى فتسلمون لرب العالمين ذلك ، وإلا فكفوا عن المسألة والتزموا ظاهر حكمي ، فذلك ما حكى الله عزوجل. « وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم » أي سيأمركم أن تذبحوا بقرة إن أردتم الوقوف على القاتل وتضربوا المقتول ببعضها ليحيى ويخبر بالقاتل ، فقالوا : يا موسى أتتخذنا هزوا وسخرية؟ تزعم أن الله يأمر أن نذبح بقرة ونأخذ قطعة من ميت ونضرب بها ميتا فيحيى أحد الميتين بملاقاة بعض الميت الآخر له؟ كيف يكون هذا؟ قال موسى : « أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين » أنسب إلى الله عزوجل ما لم يقل لي ، وأن أكون من الجاهلين ، اعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول الله تعالى وأمره. ثم قال موسى 7 : أوليس ماء الرجل نطفة ميت وماء المرأة ميت يلتقيان[١]فيحدث الله من التقاء الميتين بشرا حيا سويا؟ أوليس بذوركم التي تزرعونها في أرضكم تتفسخ في أرضيكم وتعفن وهي ميتة ، ثم يخرج الله منها هذه السنابل الحسنة البهجة وهذه الاشجار الباسقة المؤنقة؟ فلما بهرهم موسى 7 قالوا له : « يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي » أي ما صفتها لنقف عليها ، فسأل موسى ربه عزوجل فقال : [١]في نسخة وفى المصدر : أوليس ماء الرجل نطفة ميتة وماء المرأة كذلك ميتان يلتقيان؟. « إنها بقرة لا فارض » كبيرة « ولا بكر » صغيرة « عوان » وسط « بين ذلك » بين الفارض والبكر « فافعلوا ما تؤمرون » إذا امرتم به « قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها » أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها ، قال موسى عن الله تعالى بعد السؤال والجواب « إنها بقرة صفراء فاقع » حسنة لون الصفرة[١] ليس بناقص تضرب إلى بياض ، ولا بمشبع تضرب إلى السواد « لونها » هكذا فاقع « تسر » البقرة « الناظرين » إليها لبهجتها وحسنها وبريقها « قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي » صفتها قال عن الله تعالى : « إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض » لم تذلل لاثارة الارض ولم ترض بها ولا تسقي الارض ولا هي ممن تجر الدوالي ولا تدير النواعير ، قد اعفيت من ذلك أجمع « مسلمة » من العيوب كلها لا عيب فيها « لا شيقة فيها » لا لون فيها من غيرها. فلما سمعوا هذه الصفات قالوا : يا موسى أفقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه صفتها؟ قال : بلى ، ولم يقل موسى في الابتداء بذلك ، لانه لو قال : إن الله يأمركم لكانوا إذا قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها وما هي كان لا يحتاج أن يسأله ذلك عزوجل ، ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول : أمركم ببقرة فأي شئ وقع عليه اسم البقر فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها ، قال : فلما استقر الامر عليهم طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما ، فقالا له : أما إنك كنت لنا محبا مفضلا ، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا ، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر امك ، فإن الله عزوجل يلقنها ما يغنيك به وعقبك ، ففرح الغلام ، وجاءه القوم يطلبون بقرته فقالوا : بكم تبيع بقرتك؟ قال : بدينارين والخيار [١]في المصدر والبرهان : « فاقع لونها » حسنة الصفرة. لامي ، قالوا : قد رضينا بدينار ، فسألها فقالت : بل بأربعة ، فأخبرهم فقالوا : نعطيك دينارين ، فأخبر امه فقالت : بمائة ، [١] فما زالوا يطلبون على النصف مما تقول امه ويرجع إلى امه فتضعف الثمن حتى بلغ ثمنها ملء مسك ثور أكبر ما يكون ، ملؤه دنانير ، فأوجب لهم البيع ، ثم ذبحوها فأخذوا قطعة وهي عجب الذنب الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا اعيد خلقا جديدا فضربوه بها وقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين الطاهرين لما أحييت هذا الميت وأنطقته ليخبر عن قاتله ، فقام سالما سويا وقال : يا نبي الله قتلني هذان ابنا عمي ، حسداني على ابنة عمي فقتلاني وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذوا ديتي ، فأخذ موسى الرجلين فقتلهما ، وكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من البقرة فلم يحي ، فقالوا : يا نبي الله أين ما وعدتنا عن الله؟ قال موسى : قد صدقت وذلك إلى الله عزوجل ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى إني لا اخلف وعدي ولكن ليقدموا للفتى من ثمن بقرته فيملؤوا مسكها دنانير ثم احيي هذا ، فجمعوا أموالهم ووسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة آلاف ألف دينار ، فقال بعض بنى إسرائيل لموسى 7 وذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة : لا ندري أيهما أعجب : إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟ فأوحى الله إليه : يا موسى قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن اطيب في الدنيا عيشه واعظم في جناني محله وأجعل بمحمد وآله الطيبين فيها منادمته ليفعل كما فعل هذا الفتى ، إنه كان قد سمع من موسى بن عمران ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين وكان عليهم مصليا ولهم على جميع الخلائق [١]في المصدر والبرهان : فقالت : بثمانية. من الجن والانس والملائكة مفضلا ، فلذلك صرفت إليه المال العظيم ليتنعم بالطيبات ، ويتكرم بالهبات والصلات ، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات ، ويكبت بنفقاته ذوي العداوات. قال الفتى : يا نبي الله كيف أحفظ هذه الاموال؟ أم كيف أحذر من عداوة من يعاديني فيها ، وحسد من يحسدني لاجلها؟ قال : قل عليها من الصلاة على محمد وآله الطيبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها ، فإن الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا بهذا القول مع صحة الاعتقاد ، فقالها الفتى فما رامها حاسد له ليفسدها أو لص ليسرقها أو غاصب ليغصبها إلا دفعه الله عزوجل عنها بلطيفة من لطائفه حتى يمتنع من ظلمه اختيارا أو منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه كف اضطرار.[١] قال 7 : فلما قال موسى للفتى ذلك وصار الله عزوجل له بمقالته حافظا قال هذا المنظور : « اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة عمي وتخزي عني أعدائي و حسادي وترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا » فأوحى الله إليه : يا موسى إن لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستين سنة ، وقد وهبت له لمسألته وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة تمام مائة وثلاثين سنة ، صحيحة حواسه ، ثابت فيها جنانه ، قوية فيها شهواته ، يتمتع بحلال هذه الدنيا ، ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه ، فإذا حان حينه حان حينها وماتا جميعا معا فصارا إلى جناني ، فكانا زوجين فيها ناعمين ، ولو سألني يا موسى هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد واقنعه بما رزقته و ذلك هو الملك العظيم لفعلت ، ولو سألني بذلك مع التوبة أن لا افضحه لما فضحته ، و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل ، ولاغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا [١]في المصدر : فكيف اضطرارا. المال ، [١] ولو سألني بعدما افتضح وتاب إلي وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسي الناس فعله بعدما ألطف لاوليائه فيعفون عن القصاص لفعلت ، وكان لا يعيره بفعله أحد ، ولا يذكره فيهم ذاكر ، ولكن ذلك فضل اوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم ، وأعدل بالمنع على من أشاء وأنا العزيز الحكيم ، فلما ذبحوها قال الله تعالى : « فذبحوها وما كادوا يفعلون » وأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة ، ولكن اللجاج حملهم على ذلك واتهامهم لموسى 7 حداهم ، قال فضجوا إلى موسى 7 وقالوا : افتقرت القبيلة ودفعت إلى التكفف ، وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا ، فادع الله لنا بسعة الرزق ، فقال لهم موسى 7 : ويحكم ما أعمى قلوبكم؟ أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة وما أورثه الله تعالى من الغنى؟ أوما سمعتم دعاء الفتى المقتول المنشور وما أثمر له من العمر الطويل والسعادة والتنعم بحواسه وسائر بدنه وعقله؟ لم لا تدعون الله تعالى بمثل دعائهما وتتوسلون إلى الله بمثل وسيلتهما ليسد فاقتكم ، ويجبر كسركم ، ويسد خلتكم؟ فقالوا : « اللهم إليك التجأنا ، وعلى فضلك اعتمدنا ، فأزل فقرنا وسد خلتنا بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم » فأوحى الله إليه : يا موسى قل لهم ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ويكشفوا في موضع كذا لموضع عينه وحه أرضها قليلا ويستخرجوا ما هناك ، فإنه عشرة آلاف ألف دينار ، ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود أحوالهم ، ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة ، ليتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله الطيبين ، واعتقادهم لتفضيلهم ، فذلك ما قال الله عزوجل: « و [١]في نسخة : بقدر هذا المال أوجده ، وفى المصدر : الذى أوجده. إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها » اختلفتم فيها (وتدار أتم خ ل) ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض ، ودرأه عن نفسه وذويه » والله مخرج « مظهر » ما كنتم تكتمون « ما كان من خبر القاتل وما كنتم تكتمون من إرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيبه إليه » فقلنا اضربوه ببعضها « ببعض البقرة » كذلك يحيي الله الموتى « في الدنيا والآخرة كما أحيا الميت بملاقاة ميت آخر له ، أما في الدنيا فيتلاقى ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الاصلاب والارحام حيا ، وأما في الآخرة فإن الله تعالى ينزل بين نفختي الصور بعدما ينفخ النفخة الاولى من دوين السماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله فيه : « والبحر المسجور » وهي من مني كمني الرجل ، فيمطر ذلك على الارض فيلقى الماء المني مع الاموات البالية فينبتون من الارض ويحيون ، ثم قال الله عزوجل : « ويريكم آياته » سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده ونبوة موسى 7 نبيه وفضل محمد على الخلائق سيد عبيده وإمائه ، وتبيينه فضله[١] وفضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين « لعلكم تعقلون » تعتبرون وتتفكرون أن الذي فعل هذه العجائب لا يأمر الخلق إلا بالحكمة ، ولا يختار محمدا وآله إلا لانهم أفضل ذوي الالباب.

الهوامش · 30

[٥]في المصدر : حيا صويا. ( سويا خ ل ) قلت : صويا أى قويا.ص 266

[٦]في المصدر : إله موسى وبنى اسرائيل.ص 266

[٧]في نسخة : في محبس ضنك. قلت : الضنك : الضيق.ص 266

[٢]في نسخة : مما عرفتموه. وفى اخرى والمصدر : ما عرفتموه فالتزموه.ص 267

[٣]في نسخة : والايتمار بأمره.ص 267

[٤]في نسخة : ما يستحقه من العذاب.ص 267

[٥]اقترح عليه كذا أو بكذا : تحكم وسأله اياه بالعنف ومن غير روية. اقترح عليه كذا : اشتهى أن يصنعه له.ص 267

[٢]في المصدر : تتعفن.ص 268

[٣]بسق النخل : ارتفعت أغصانه وطال فهو باسق. مؤنقة أى حسنة معجبة.ص 268

[٤]أى غلبهم.ص 268

[٢]في نسخة : ما صفتها يريد؟ وفى المصدر وتفسير البرهان : ما صفتها؟ يزيد في صفتها. قلت : والمعنى أن ما امرنا به هذا فقط أو يزيد الله في صفتها بعد؟ص 269

[٣]الصحيح كما في المصحف الشريف والمصدر : ولا تسقى الحرث.ص 269

[٤]في نسخة وفى المصدر : الدلاء.ص 269

[٥]جمع الناءورة : آلة لرفع الماء ، قوامها دولاب كبير وقواديس مركبة على دائرة.ص 269

[٢]في نسخة : فتضاعف حتى بلغ.ص 270

[٣]العجب بالفتح فالسكون : مؤخر كل شئ أصل الذنب عند رأس العصعص وفى المصدر : عجز الذنب.ص 270

[٤]في نسخة وفى المصدر : اذا اريد.ص 270

[٥]في نسخة : لم يقدموا ، وفى المصدر : ثمن بقرته.ص 270

[٦]في نسخة : خمسة آلاف آلاف. والصواب ما في المتن لما يأتى بعد ذلك.ص 270

[٧]في نسخة : واجعل لمحمد.ص 270

[٢]في نسخة : أن تبقينى في الدنيا ممتعا.ص 271

[٣]في المصدر : وتجزى عنى اعدائى.ص 271

[٤]في نسخة : ولو سألنى بذلك مع التوبة من صنيعه.ص 271

[٢]في المصدر : وأنا العدل الحكيم.ص 272

[٣]في المصدر : جرهم عليه. حداهم عليه خ ل.ص 272

[٤]في نسخة : ووقعت إلى التكفف. وفى البرهان : ورفعت. وفى المصدر : وانسلختها.ص 272

[٥]في نسخة : والتمتع بحواسه. وفى المصدر : والتنعم والتمتع بحواسه.ص 272

[٦]الخلة بالفتح : الفقر والحاجة.ص 272

[٧]في المصدر : لتعود أحوالهم إلى ما كانت عليه.ص 272

[٢]تفسير الامام : ١٠٨ ـ ١١٣.ص 273