(باب ٥) *(أحوال مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون)* الايات ، المؤمن « ٤٠ » ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون و هامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد * وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب * يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما اريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد * وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فماله من هاد * ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فلما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ٢٣ ـ ٣٤. « وقال تعالى » : وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار * من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار * تدعونني لاكفر بالله واشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعونني
تفسير : قوله تعالى : « يكتم إيمانه » قال الطبرسي ; : على وجه التقية قال أبوعبدالله 7 : التقية من ديني ودين آبائي ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية ترس الله في الارض لان مؤمن آل فرعون لو أظهر الاسلام لقتل ، قال ابن عباس : لم يكن مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال : إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك ». قال السدي ومقاتل : كان ابن عم فرعون[١] وكان آمن بموسى وهو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، وقيل : إنه كان ولي عهده من بعده وكان اسمه جيبا ، وقيل : اسمه خربيل. وقال البيضاوي : الرجل إسرائيلي ، أو غريب موحد كان ينافقهم « أتقتلون رجلا » أتقصدون قتله « أن يقول » لان يقول أو وقت أن يقول ، من غير روية وتأمل في أمره « ربي الله » وحده « فعليه كذبه » لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله « يصبكم بعض الذي يعدكم » أي فلا أقل من أن يصيبكم بعضه « إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب » احتجاج ثالث ذو وجهين : أحدهما : أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات. [١]سيأتى في الحديث الاول ان اسمه حزبيل وانه كان ابن عم فرعون وولى عهده وخليفته. وقال البغدادى في المحبر : كان اسم مؤمن آل فرعون حزبيل أو خزبيل وهو أخو آسية امرأة فرعون. وقال هشام : حزبيل زوج الماشطة ، وكان فرعون قد جعله على نصف الناس. وقال الطبرى : اسمه فيما يزعمون حبرك. وسيجئ ما يحكيه الثعلبى في ذلك بعد الحديث السابع. وثانيهما : أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله ، ولعله أراد به المعنى الاول ، وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم ، [١] وعرض به لفرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب « ظاهرين » غالبين عالين في الارض أرض مصر « فمن ينصرنا من بأس الله » أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا عنه أحد « ما اريكم » ما اشير إليكم « إلا ما أرى » وأستصوبه من قتله « إني أخاف عليكم » في تكذيبه والتعرض له « مثل يوم الاحزاب » مثل أيام الامم الماضية ، يعني وقائعهم « مثل دأب قوم نوح » مثل جزاء ما كانوا عليه دائبين من الكفر وإيذاء الرسل « يوم التناد » يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة ، أو يتصايحون بالويل والثبور ، أو يتنادى أصحاب الجنة و أصحاب النار « يوم تولون » عن الموقف « مدبرين » منصرفين عنه إلى النار ، وقيل : فارين عنها « من عاصم » يعصمكم من عذابه « ولقد جاءكم يوسف » أي يوسف بن يعقوب ، على أن فرعونه فرعون موسى ، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الاولاد ، أو سبطه يوسف بن إبراهيم ابن يوسف « من قبل » من قبل موسى « من هو مسرف » في العصيان « مرتاب » شاك فيما تشهد له البينات « وقال الذي آمن » يعني مؤمن آل فرعون. وقيل : موسى « سبيل الرشاد » أي سبيلا يصل سالكه إلى المقصود « متاع » أي تمتع يسير لسرعة زوالها « بغير حساب » أي بغير تقدير وموازنة بالعمل ، بل أضعافا مضاعفة « ما ليس لي به » أي بربوبيته علم ، والمراد نفي المعلوم « لا جرم » لا رد لما دعوه إليه ، وجرم فعل بمعنى حق ، وفاعله « أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة » أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا ، وقيل : جرم بمعنى كسب ، وفاعله مستكن فيه ، أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له ، بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ، وقيل : من الجرم بمعنى القطع والمعنى : لا قطع لبطلان دعوة الوهية الاصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقا « وأن مردنا إلى الله » بالموت « وأن المسرفين » في الضلالة والطغيان « وافوض أمري إلى الله » ليعصمني من كل سوء « إن الله بصير بالعباد » فيحرسهم « فوقاه الله سيئات ما مكروا » شدائد مكرهم ، وقيل : الضمير لموسى « وحاق بآل فرعون » أي بفرعون وقومه ، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك ، وقيل : [١]الشكيمة : الانفة. وفلان شديد الشكيمة اى أنوف أبى لا ينقاد. بطلبة المؤمن من قومه ، فإنه فر إلى جبل فأتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعبا فقتلهم « سوء العذاب » الغرق أو القتل أو النار.[١] وقال الطبرسي ; : « فوقاه الله » أي صرف الله عنه سوء مكرهم فجاء مع موسى 7 حتى عبر البحر معه « النار يعرضون عليها غدوا وعشيا » أي يعرض آل فرعون على النار في قبورهم صباحا ومساء فيعذبون ، وقال أبو عبدالله 7 : ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة لان نار القيامة لا يكون غدوا وعشيا ، ثم قال : إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا ففيما بين ذلك هم من السعداء ، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة ، ألم تسمع قوله عزوجل : « ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب » وهذا أمر لآل فرعون بالدخول ، أو أمر للملائكة بإدخالهم في أشد العذاب وهو عذاب جهنم.
م ، ج : بالاسناد إلى أبي محمد العسكري ، عن آبائه ، عن الصادق :
Show clickable narrator chain
قال : كان حزبيل مؤمن آل فرعون يدعو قوم فرعون إلى توحيد الله ، ونبوة موسى ، وتفضيل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع رسل وخلقه ، وتفضيل علي بن أبي طالب 7 والخيار من الائمة على سائر أوصياء النبيين ، وإلى البراءة من ربوبية فرعون ، فوشى به الواشون إلى فرعون وقالوا : إن حزبيل يدعو إلى مخالفتك ويعين أعداءك على مضادتك ، فقال لهم فرعون : ابن عمي وخليفتي على ملكي وولي عهدي ، إن فعل ما قلتم فقد استحق أشد العذاب على كفره نعمتي ، فإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لايثاركم الدخول في مكانه ، فجاء بحزبيل وجاء بهم فكاشفوه وقالوا : أنت تجحد ربوبية فرعون الملك وتكفر نعماءه؟ فقال حزبيل : أيها الملك هل جربت علي كذبا قط؟ قال : لا ، قال : فسلهم من ربهم؟ فقالوا : فرعون ، قال : ومن خالقكم؟ قالوا : فرعون هذا ، قال : ومن رازقكم الكافل لمعايشكم والدافع عنكم مكارهكم؟ قالوا : فرعون هذا ، قال حزبيل : أيها الملك فاشهدك وكل من حضرك أن ربهم هو ربي ، وخالقهم هو خالقي ، ورازقهم هو [١]انوار التنزيل ٢ : ١٥١ ـ ١٥٣. م رازقي ، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي ، لا رب لي ولا خالق ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم ، واشهدك ومن حضرك أن كل رب وخالق ورازق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه ومن ربوبيته وكافر بإلهيته ، يقول حزبيل هذا وهو يعني أن ربهم هو الله ربي ، ولم يقل : إن الذي قالوا إنه ربهم هو ربي ، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره وتوهموا أنه يقول : فرعون ربي وخالقي ورازقي ، فقال لهم فرعون : يا رجال السوء ويا طلاب الفساد في ملكي ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي وهو عضدي أنتم المستحقون لعذابي لارادتكم فساد أمري ، وإهلاك ابن عمي والفت في عضدي ، ثم أمر بالاوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتدا وفي صدره وتدا. وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم ، فذلك ما قال الله تعالى : « فوقاه الله » يعني حزبيل « سيئات ما مكروا به » لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه « وحاق بآل فرعون سوء العذاب » وهم الذين وشوا بحزبيل إليه لما أوتد فيهم الاوتاد ومشط عن أبدانهم لحومها بالامشاط. الخبر.[١]
الهوامش · 2⌄
[٣]في نسخة « حزقيل » وفى اخرى « خربيل » في جميع المواضع.ص 160
ل : عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ، عن أحمد بن الفضل ، عن منصور بن عبدالله الاصبهاني ، عن علي بن عبدالله ، عن محمد بن هارون بن حميد ، عن محمد بن المغيرة الشهرزوري ، عن يحيى بن الحسين المدائني ، عن أبي لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبدالله قال :
Show clickable narrator chain
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين : مؤمن آل ياسين ، وعلي ابن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعون.
ل : محمد بن علي بن إسماعيل ، عن أبي القاسم بن منيع ، عن شيبان بن فروخ ، عن داود بن أبي الفرات ، عن علباء بن أحمد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
Show clickable narrator chain
خط رسول [١]تفسير العسكرى : ١٤٣ ـ ١٤٤ ، الاحتجاج : ٢٠٦. الله (ص) أربع خطط في الارض ، وقال : أتدرون ما هذا؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أفضل نساء الجنة أربع : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
الهوامش · 2⌄
[٣]في المصدر « عليا » بالياء وهو وهم والصحيح « علباء » بالكسر فالسكون فالمد ، والرجل هو ابن أحمد اليشكرى بصرى من القراء.ص 161
فس : « وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه » قال : كتم إيمانه ستمائة سنة ، قال : وكان مجذوما مكنعا ، وهو الذي قد وقعت أصابعه ، وكان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين ويقول: « يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد ». قوله : « فوقاه الله سيئات ما مكروا » يعني مؤمن آل فرعون ، فقال أبوعبدالله 7 : والله لقد قطعوه إربا إربا ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه.
ص : حزبيل وعزة فرعون لا أكتم عليه ، وأخبر فرعون على رؤوس الناس بما رأى وكتم الآخر ، فلما دخل حزبيل قال فرعون للرجلين : من ربكما؟ قالا : أنت ، فقال لحزبيل : ومن ربك؟ قال ربي ربهما ، فظن فرعون أنه يعنيه فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ، وسر فرعون وأمر بالاول فصلب فنجى الله المؤمن وآمن الآخر بموسى 7 حتى قتل مع السحرة.[١] سن : أبي ، عن علي بن النعمان ، عن أيوب بن الحر ، عن أبي عبدالله 7 في قول الله :
Show clickable narrator chain
« فوقاه الله سيئات ما مكروا » قال : أما لقد سطوا عليه وقتلوه ، ولكن أتدرون ما وقاه؟ وقاه أن يفتنوه في دينه.
الهوامش · 4⌄
[٧]هو مؤمن آل فرعون ، أرسل فرعون رجلين في طلبه فانطلقا في طلبه فوجداه قائما يصلي بين الجبال والوحوش خلفه ، فأرادا أن يعجلاه عن صلاته ، فأمر الله دابة من تلك الوحوش كأنها بعير أن تحول بينهما وبين المؤمن فطردتهما عنه حتى قضى صلاته ، فلما رآهما أوجس في نفسه خيفة وقال : « يا رب أجرني من فرعون فإنك إلهي ، عليك توكلت وبك آمنت ، وإليك أنبت ، أسألك يا إلهي إن كان هذان الرجلان يريدان بي سوءا فسلط عليهما فرعون وعجل ذلك ، وإن هما أراداني بخير فاهدهما » فانطلقا حتى دخلا على فرعون ليخبراه بالذي عايناه ، فقال أحدهما : ما الذي نفعك أن يقتل ، فكتم عليه ، فقال الآخر : [١]الخصال ج ١ : ٩٦.ص 162
تفسير : قوله تعالى : « وظللنا عليكم الغمام » قال الطبرسي رحمه لله : أي جعلنا لكم الغمام ظلة وسترة تقيكم حر الشمس في التيه « وأنزلنا عليكم المن » هو الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر ، وقيل : إنه شئ كالصمغ كان يقع على الاشجار طعمه كالزبد والعسل ، وقيل : إنه الخبز المرقق ، وقيل : إنه جميع النعم التي أتتهم مما من الله به عليهم بلا تعب [١][١]قال اليعقوبى : كان المن مثل حب الكسبرة يطحنونه بالارحاء ويجعلونه أرغفة فيكون طعامهم طيبا أطيب من كل شئ وكان ينزل عليهم بالليل ويجمعونه بالنهار ، فضجوا وبكوا وجعلوا يقولون. من يطعمنا لحما؟ أما تذكرون ما كنا نأكل بمصر من النون والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والفوم؟ فاشتد غم موسى لذلك فدعا فبعث لهم السلوى. « والسلوى » قيل : هو السمانى ، [١] وقيل : طائر أبيض يشبه السمانى « كلوا من طيبات ما رزقناكم » أي قلنا لهم : كلوا من الشهي اللذيذ ، وقيل : المباح الحلال ، وقيل : المباح الذي يستلذ أكله « وما ظلمونا » أي فكفروا هذه النعمة وما نقصونا بكفرانهم أنعمنا « ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » ينقصون ، وقيل : أي ما ضرونا ولكن كانوا أنفسهم يضرون. وكان سبب إنزال المن والسلوى عليهم أنه لما ابتلاهم الله بالتيه إذ قالوا لموسى : « اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون » حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة بقوله : « ادخلوا الارض المقدسة » فوقعوا في التيه فصاروا كلما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستة ، وكلما أصبحوا ساروا غادين فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه ، كذلك حتى تمت المدة وبقوا فيها أربعين سنة ، وفي التيه توفي موسى وهارون ، ثم خرج يوشع بن نون ، وقيل : كان الله يرد الجانب الذي انتهوا إليه من الارض إلى الجانب الذي ساروا منه ، فكانوا يضلون على الطريق ، لانهم كانوا خلقا عظيما ، فلا يجوز أن يضلوا كلهم عن الطريق في هذه المدة المديدة ، وفي هذا المقدار من الارض ، ولما حصلوا في التيه ندموا على ما فعلوه ، فألطف الله بهم بالغمام لما شكوا حرا لشمس ، وأنزل عليهم المن من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليومهم وقال الصادق 7 : كان ينزل المن على بني إسرائيل من بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، فمن نام في ذلك الوقت لم ينزل نصيبه ، فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى طلوع الشمس. وقال ابن جريج : وكان الرجل منهم إن أخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد فسد إلا يوم الجمعة ، فإنهم إذا أخذوا طعام يومين لم يفسد ، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليوم الجمعة والسبت لانه كان لا يأتيهم يوم السبت ، وكانوا يخبزونه مثل القرصة ويوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن ، وكان الله تعالى يبعث لهم السحاب بالنهار فيدفع عنهم حر الشمس ، وكان ينزل عليهم في الليل من السماء عمود من نور يضئ لهم مكان السراج ، وإذا ولد فيهم مولود يكون عليه ثوب يطول بطوله كالجلد « حيث شئتم » أي [١]السمانى بضم السين : نوع من الطيور معروف في بلاد الشام بالفرى. أنى شئتم[١] « رغدا » أي موسعا عليكم مستمتعين بما شئتم من طعام القرية ، وقيل : إن هذه إباحة منه لغنائمها وتملك أموالها « وقولوا حطة » روي عن الباقر 7 أنه قال : نحن باب حطتكم « وسنزيد المحسنين » على ما يستحقونه من الثواب تفضلا « وإذ استسقى موسى » أي في التيه لما شكوا إليه الظماء فأوحى الله تعالى إليه « أن اضرب بعصاك » وهو عصاه المعروف « الحجر » أي أي حجر كان ، أو حجر مخصوص ، وسيأتي ذكر الاقوال فيه « قد علم كل اناس مشربهم » أي كل سبط موضع شربهم « كلوا واشربوا » أي قلنا لهم : كلوا واشربوا « ولا تعثوا » أي لا تسعوا في الارض فسادا. وقال البيضاوي : ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه ، فإنه لما أمكن أن يكون من الاحجار ما يحلق الشعر وينفر الخل و يجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الارض ، أو لجذب الهواء من الجوانب وتصييره ماء بقوة التبريد « على طعام واحد » يريد به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وبوحدته أنها لا تختلف ولا تتبدل « الذي هو أدنى » أي أدون قدرا. « إذ جعل فيكم أنبياء » إذ لم يبعث في امة ما بعث في بني إسرائيل من الانبياء « وجعلكم ملوكا » أي وجعل منكم أو فيكم ، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الانبياء بعد فرعون ، وقيل : لما كانوا مملوكين في أبدي القبط فأنقذهم وجعلهم مالكين لانفسهم وامورهم سماهم ملوكا « وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين » من فلق البحر وتظليل الغمام والمن والسلوى ونحوها ، وقيل : أي عالمي زمانهم. « يا قوم ادخلوا الارض المقدسة » أرض بيت المقدس لكونها قرار الانبياء ومسكن [١]في المصدر : أى أين شئتم. م المؤمنين وقيل : الطور وما حوله ، وقيل : دمشق وفلسطين وبعض الاردن ، وقيل : الشام.[١] « التي كتب الله لكم » قال الطبرسي : أي كتب لكم في اللوح أنها لكم ، وقيل : أي وهب الله لكم ، وقيل : أمركم الله بدخولها. فإن قيل : كيف كتب الله لهم مع قوله : « فإنها محرمة عليهم » فجوابه أنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمها عليهم ، وقيل : الذين كتب لهم هم الذين كانوا مع يوشع بعد موت موسى بشهرين « ولا ترتدوا على أدباركم » أي لا ترجعوا عن الارض التي امرتم بدخولها ، أو عن طاعة الله. قال المفسرون : لما عبر موسى وبنو إسرائيل البحر وهلك فرعون أمرهم الله بدخول الارض المقدسة ، فلما نزلوا عند نهر الاردن خافوا من الدخول ، فبعث موسى 7 من كل سبط رجلا وهم الذين ذكرهم الله سبحانه في قوله : « وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا » فعاينوا من عظم شأنهم وقوتهم شيئا عجيبا ، فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى 7 بذلك فأمرهم أن يكتموا ذلك ، فوفى اثنان منهم يوشع بن نون من سبط بنيامين ، وقيل : إنه كان من سبط يوسف ، وكالب بن يوفنا من سبط يهودا ، وعصى العشرة وأخبروا بذلك ، وقيل : كتم خمسة منهم وأظهر الباقون ، وفشا الخبر في الناس فقالوا : إن دخلنا عليهم تكون نساؤنا وأهالينا غنيمة لهم ، وهموا بالانصراف إلى مصر وهموا بيوشع وكالب ، و أرادوا أن يرجموهما بالحجارة ، فاغتاظ لذلك موسى 7 وقال : « رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي » فأوحى الله إليه : إنهم يتيهون في الارض أربعين سنة ، وإنما يخرج منهم من لم يعص الله في ذلك ، فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا ، وقيل : تسعة فراسخ ، وقيل : ستة فراسخ ، وهم ستمائة ألف مقاتل ، لا تنخرق ثيابهم وتنبت معهم ، و ينزل عليهم المن والسلوى ، ومات النقباء غير يوشع بن نون وكالب ، ومات أكثرهم ونشأ ذراريهم فخرجوا إلى حرب أريحا وفتحوها ، واختلفوا فيمن فتحها فقيل : فتحها موسى [١]انوار التنزيل ١ : ١٢٨. ويوشع على مقدمته ، وقيل : فتحها يوشع وكان قد توفي موسى وبعثه الله نبيا ، وروي أنهم كانوا في المحاربة إذ غابت الشمس فدعا يوشع فرد الله عليهم الشمس حتى فتحوا أريحا ، وقيل : كان وفاة موسى وهارون في التيه ، وتوفي هارون قبل موسى بسنة وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة في ملك إفريدون ومنوجهر ، وكان عمر يوشع مائة وستة وعشرين سنة ، وبقي بعد وفاته مدبرا لامر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة « قالوا » يعني بني إسرائيل : « إن فيها » أي في الارض المقدسة « قوما حبارين » شديدي البأس والبطش والخلق. قال ابن عباس : بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى النقباء رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه ، وقال للملك تعجبا منهم : هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا ، قال مجاهد : وكانت فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب! ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال! وإن موسى كان طوله عشرة أذرع ، وله عصا طولها عشرة أذرع ونزا من الارض مثل ذلك بلغ كعب عوج ابن عنق فقتله! وقيل : كان طول سريره ثمانمائة ذراع. « وإنا لن ندخلها » يعني لقتالهم « فإن يخرجوا » يعني الجبارين « قال رجلان » هما يوشع وكالب ، [١] وقيل : رجلان كانا من مدينة الجبارين وكانا على دين موسى فلما بلغهما خبر موسى جاءاه فاتبعاه « من الذين يخافون » الله تعالى « أنعم الله عليهما » بالاسلام ، و قيل : يخافون الجبارين ، أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق ، أنعم الله عليهما بالتوفيق للطاعة « ادخلوا » يا بني إسرائيل « عليهم » على الجبارين « الباب »
الهوامش · 6⌄
[٢]سيأتى بعد الحديث الثامن معنى الباب والحطة.ص 168
[٣]أى من ورد في طاعتنا وعمل بأوامرنا وانتهى عن نواهينا وسار سيرتنا يحط عنه أوزاره ويغفر خطاياه.ص 168
[٤]مجمع البيان ١ : ١١٦ ـ ١٢١.ص 168
[٥]في المصدر : من الخل. ولم نفهم المراد.ص 168
[٦]انوار التنزيل ١ : ٢٥ ـ ٢٦.ص 168
[٢]أريحا بالفتح والكسر ـ ورواه بعضهم بالخاء المعجمة ـ لغة عبرانية. قال ياقوت : هى مدينة الجبارين في الغور من أرض الاردن بالشام. بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس ، في جبال صعب المسلك ، سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح 7.ص 169