تفسير : قال الطبرسي ; في قوله تعالى : « ألم تر » : أي ألم ينته علمك « إلى الذي حاج إبراهيم » أي خاصمه وهو نمرود بن كنعان ، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ، واختلف في وقت المحاجة فقيل : عند كسر الاصنام قبل إلقائه في النار ; وقيل : بعده ، وهو المروي عن الصادق 7 «
Show clickable narrator chain
في ربه » أي في رب إبراهيم الذي يدعو إلى توحيده وعبادته « أن آته الله » أي لان آتاه « الملك » والهاء تعود إلى المحاج لابراهيم ، أي بطر الملك ونعيم الدنيا حمله على المحاجة ، والملك على هذا الوجه جائز أن ينعم الله به على أحد ، فأما الملك بتمليك الامر والنهي وتدبير امور الناس وإيجاب الطاعة على الخلق فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح والسداد والرشاد ; وقيل : إن الهاء تعود إلى إبراهيم 7 « إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويمت » الاماتة هي إخراج الروح من بدن الحي من غير جرح ولا نقص بنية ولا إحداث فعل يتصل بالبدن من جهة ، وهذا خارج عن قدرة البشر ، قال : « أنما أحيي » بالتخلية من الحبس « وأميت » بالقتل ، وهذا جهل من الكافر لانه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى ، عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت أو الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد سبحانه به ولا يقدر عليه سواه « فبهت الذي كفر » أي تحير عند الانقطاع بما بان له من ظهور الحجة. فإن قيل : فهلا قال له نمرود : فليأت بها ربك من المغرب؟ قيل : عن ذلك جوابان : أحدهما : أنه لما علم بما رأى من الآيات أنه لواقترح ذلك لاتى به الله تصديقا لابراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة عدل عن ذلك. والثاني : أن الله خذله ولطف لابراهيم 7 حتى أنه لم يأت بشبهة ولم يلبس « والله لا يهدي القوم الظالمين » بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد أو إلى المحاجة ، أو إلى الجنة ، أو لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم. وفي تفسير ابن عباس أن الله سلط على نمرود بعوضة فعضت شفته فأهوى إليها ليأخذها بيده فطارت في منخره ، فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه به الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه. [١] « وكذلك نري إبراهيم » أي مثل ما وصفناه من قصة إبراهيم وقوله لابيه ما قال « نري ملكوت السموات والارض » أي القدرة التي تقوى بها دلالته على توحيد الله ; وقيل : معناه : ما أريناك يا محمد أريناه آثار قدرتنا فيما خلقنا من العلويات والسفليات ليستدل بها ؛ وقيل : ملكوت السماوات والارض : ملكهما بالنبطية ; وقيل : اطلق الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات والارض. قال أبوجعفر (ع) : كشط الله له عن الارضين حتى رآهن وما تحتهن ، وعن السماوات حتى رآهن وما فيهن من الملائكة وحملة العرش « وليكون من الموقنين » أي المتيقنين بأن الله سبحانه هو خالق ذلك والمالك له. « فلما جن عليه الليل » أي أظلم وستر بظلامه كل ضياء « رأى كوكبا » قيل : هو الزهرة ; وقيل : هو المشتري « فلما أفل » أي غرب « بازغا » أي طالعا « إني وجهت وجهي » أى نفسي « حنيفا » أي مخلصا مائلا عن الشرك إلى الاخلاص. وذكر أهل التفسير والتاريخ أن إبراهيم 7 ولد في زمن نمرود بن كنعان ، وزعم [١]مجمع البيان ١ : ٣٦٦ ـ ٢٦٨. م بعضم أن نمرود كان من ولاة كيكاوس ; وبعضهم قال : كان ملكا برأسه ; وقيل لنمرود : إنه يولد مولود في بلده هذه السنة يكون هلاكه وزوال ملكه على يده ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنما قالوا ذلك من طريق التنجيم والتكهن ; وقال آخرون : بل وجد ذلك في كتب الانبياء ؛ وقال آخرون : رأى نمرود كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر ، فسأل عنه فعبر بأنه يولد غلام يذهب ملكه على يده ، عن السدي ، فعند ذلك أمر بقتل كل غلام يولد تلك السنة ، وأمر بأن يعزل الرجال عن النساء ، وبأن يتفحص عن أحوال النساء ، فمن وجدت حبلى تحبس حتى تلد ، فإن كان غلاما قتل ، وإن كانت جارية خليت ، حتى حبلت ام إبراهيم فلما دنت ولادته خرجت هاربة فذهبت به إلى غار ولفته في خرقة ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه ، فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فتشخب لبنا ، وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة ، فمكث ما شاء الله أن يمكث. وقيل : كانت تختلف إليه امه فكان يمص أصابعه ، فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا ومن إصبع تمرا ومن إصبع سمنا ، عن أبي روق [١] ومحمد بن إسحاق ; ولما خرج من السرب نظر إلى النجم وكان آخر الشهر فرأى الكوكب قبل القمر ثم رأى القمر ثم الشمس فقال ما قال ، ولما رأى قومه يعبدون الاصنام خالفهم ، وكان يعيب آلهتهم حتى فشا أمره وجرت المناظرات. « وحاجة قومه » أي جادلوه في الدين وخوفوه من ترك عبادة آلهتهم « قال » أي إبراهيم « أتحاجوني في الله وقد هدان » أي وفقني لمعرفته ولطف لي في العلم بتوحيده و إخلاص العبادة له « ولا أخاف ما تشركون به » أي لا أخاف منه ضررا إن كفرت به ولا أرجو نفعا إن عبدته ، لانه بين صنم قد كسر فلا يدفع عن نفسه ، ونجم دل أفوله على حدثه « إلا أن يشاء ربي شيئا » فيه قولان : أحدهما أن معناه ; إلا أن يقلب الله هذه الاصنام فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع فيكون ضررها ونفعها إذ ذاك دليلا على حدثها [١]بفتح الراء وسكون الواو هو عطية بن حارث الهمدانى الكوفى صاحب التفسير. أيضا وعلى توحيدالله وعلى أنه المستحق للعبادة دون غيره. والثاني : إلا أن يشاء ربي أن يعذبني ببعض ذنوبي ، أويشاء الاضراريي ابتداء ، والاول أجود « وكيف أخاف ما أشركتم » من الاوثان وهم لا يضرون ولا ينفعون « ولا تخافون » من هو القادر على الضر والنفع بل تجترئون عليه « بأنكم أشركتم ». وقيل : معناه : كيف أخاف شر ككم وأنا برئ منه والله لا يعاقبني بفعلكم ، وأنتم لا تخافونه وقد أشركتم به ، فما مصدرية « سلطانا » أي حجة على صحته. [١] « وتلك حجتنا » أي أدلتنا « آتيناها » أي أعطيناها إبراهيم وأخطرناها بباله و جعلناها حججا على قومه من الكفار « نرفع درجات من نشاء » من المؤمنين بحسب أحوالهم في الايمان واليقين ، أو للاصطفاء للرسالة. « إلا عن موعدة » أي إلا صادرا عن موعدة ، واختلف في صاحب هذه الموعدة هل هو إبراهيم أو أبوه ، فقيل : إنها من الاب وعد إبراهيم أنه يؤمن به إن يستغفر له ، فاستغفر له لذلك « فلما تبين له أنه عدولله » ولا يفي بما وعد « تبرأ » منه وترك الدعاء له ; وقيل : إن الموعدة كانت من إبراهيم قال لابيه : إني أستغفر لك ما دمت حيا ، وكان يستغفر له مقيدا بشرط الايمان ، فلما أيس من إيمانه تبرأ منه « إن إبراهيم لاواه » أي كثير الدعاء والبكاء وهو المروي عن أبي عبدالله 7 ; وقيل : الرحيم بعباد الله ; وقيل : الذي إذا ذكر النار قال : اوه ; وقيل : الاواه : المؤمن بلغة الحبشة ; وقيل : الموقن أو العفيف أو الراجع عن كل ما يكره الله أو الخاشع أو الكثير الذكر ; وقيل : المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا بالاجابة ولزوما للطاعة « حليم » يقال : بلغ من حلم إبراهيم (ع) أن رجلا قد آذاه وشتمه فقال له : هداك الله. « إنه كان صديقا » أي كثير التصديق في أمور الدين « ولا يغني عنك » أي لا يكفيك [١]مجمع البيان ٤ : ٣٢٦ ـ ٣٢٧. م شيئا ولا ينفعك ولا يضرك « صراطا سويا » أي طريقا مستقيما « عصيا » أي عاصيا « أن يمسك » أي يصيبك « فتكون للشيطان وليا » أى موكولا إليه وهو لا يغني عنك شيئا ؛ وقيل : أي لا حقا بالشيطان في اللعن والخذلان « أراغب » أي معرض « أنت عن » عبادة « آلهتي لارجمنك » بالحجارة ; وقيل : لارمينك بالذنب والعيب وأشتمنك ; وقيل : لاقتلنك « واهجرني مليا » أي فارقني دهرا طويلا ; وقيل : مليا سويا سليما من عقوبتي « قال سلام عليك » سلام توديع وهجر على ألطف الوجوه ; وقيل : سلام إكرام وبر تأدية لحق الابوة. « سأستغفر لك ربي » فيه أقوال : أحدها : أنه إنما وعده بالاستغفار على مقتضى العقل ، ولم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين. وثانيها : أنه قال : سأستغفر لك على ما يصح ويجوز من تركك عبادة الاوثان ، وثالثها : أن معناه : سأدعو الله أن لا يعذبك في الدنيا. « إنه كان بي حفيا » أي بارا لطيفا رحيما « واعتزلكم وما تدعون من دون الله » أي اتنحى منكم جانبا وأعتزل عبادة الاصنام « وأدعو ربي » أي وأعبده « عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا » كما شقيتم بدعاء الاصنام ، وإنما ذكر عسى على وجه الخضوع ; وقيل : معناه : لعله يقبل طاعتي ولا أشقى بالرد ، فإن المؤمن بين الرجاء و الخوف. [١] « رشده » أي الحجج التي توصله إلى الرشد بمعرفة الله وتوحيده ، أو هداه أي هديناه صغيرا ; وقيل : هو النبوة « من قبل » أي من قبل موسى أو محمد ، أو من قبل بلوغه « وكنا به عالمين » أنه أهل لذلك « إذ قال لابيه وقومه » حين رآهم يعبدون الاصنام « ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون » أي ما هذه الصور التي أنتم مقيمون على عبادتها ، والتمثال اسم للشئ المصنوع مشبها بخلق من خلق الله ; قيل : إنهم جعلوها أمثلة لعلمائهم الذين انقرضوا ; وقيل : للاجسام العلوية « قالوا وجدنا » اعترفوا بالتقليد إذ لم يجدوا حجة لعبادتهم إياها « في ضلال مبين » في ذهاب عن الحق ظاهر « قالوا أجئتنا بالحق » أي [١]مجمع البيان ٦ : ٥١٦ ـ ٥١٧. م أجاد أنت فيما تقول؟ محق عند نفسك أم لاعب مازح؟ وإنما قالوا ذلك لاستبعادهم إنكار عبادة الاصنام عليهم. [١] قوله : « قال بل ربكم » قال البيضاوي : إضراب عن كونه لا عبا بإقامة البرهان على ما ادعاه و « هن » للسماوات والارض أو للتماثيل « من الشاهدين » أي من المحققين له والمبرهنين عليه « لاكيدن أصنامكم » أي لاجتهدن في كسرها « بعد أن تولوا عنها مدبرين » إلى عيدكم. وقال الطبرسي : قيل : إنما قال ذلك في سر من قومه ، ولم يسمع ذلك إلا رجل منهم فأفشاه ، وقالوا : كان لهم في كل سنة مجمع وعيد إذا رجعوا منه دخلوا على الاصنام فسجدوا لها ، فقالوا لابراهيم : ألا تخرج معنا؟ فخرج ، فلما كان ببعض الطريق قال : اشتكى رجلي وانصرف « فجعلهم جذاذا » أي جعل أصنامهم قطعا قطعا « إلا كبيرا لهم » في الخلقة أو في التعظيم تركه على حاله ، قالوا : جعل يكسرهن بفأس في يده حتى لم يبق إلا الضم الكبير علق الفأس في عنقه وخرج « لعلهم إليه يرجعون » أي إلى إبراهيم فينبههم على جهلهم ، أو إلى الكبير فيسألونه وهو لاينطق فيعلمون جهل من اتخذه إلها ، فلما رجع قومه من عيدهم فوجدوا أصنامهم مكسرة « قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين » من موصولة ، أي الذي فعل هذا بآلهتنا فإنه ظالم لنفسه لانه يقتل إذا علم به ؛ وقيل : إنهم قالوا : من فعل هذا استفهاما ، وأنكروا عليه بقولهم : إنه لمن الظالمين « قالوا سمعنا فتى » أي قال الرجل الذي سمع من إبراهيم قوله : « لاكيدن أصنامكم » للقوم ما سمعه منه فقالوا : « سمعنا فتى يذكرهم » بسوء ; وقيل : إنهم قالوا : سمعنا فتى يعيب آلهتنا ويقول : إنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فهو الذي كسرها « على أعين الناس » أي بحيث يراه الناس ويكون بمشهد منهم « لعلهم يشهدون » عليه بما قاله فيكون ذلك حجة عليه بما فعل ، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة أو لعلهم يحضرون عقابه « فرجعوا إلى أنفسهم » أى فرجع بعضهم إلى بعض ، وقال بعضهم لبعض « أنتم الظالمون » [١]مجمع البيان ٧ : ٥٢. م حيث تعبدون ما لايقدر الدفع عن نفسه ; وقيل : معناه : فرجعوا إلى عقولهم وتدبروا في ذلك إذ علموا صدق إبراهيم 7 فيما قاله وحاروا عن جوابه فأنطقهم الله تعالى بالحق « فقالوا إنكم أنتم الظالمون » لهذا الرجل في سؤاله ، وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها « ثم نكسوا على رءوسهم » إذ تحيروا وعلموا أنها لا تنطق. [١] وقال البيضاوي : أى انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة ، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ مستعليا على أعلاه. قال الطبرسي : « فقالوا لقد علمت » يا إبراهيم « ما هؤلاء ينطقون » فكيف نسألهم؟ فأجابهم إبراهيم 7 بعد اعترافهم بالحجة « أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا » إن عبدتموه « ولا يضركم » إن تركتموه لانها لو قدرت لدفعت عن أنفسها « أف لكم » تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين « قالوا حرقوه » أي لما سمعوا منه هذا القول قال بعضهم لبعض : « حرقوه » بالنار « وانصروا آلهتكم » أى وادفعوا عنها وعظموها « إن كنتم فاعلين » أي إن كنتم ناصريها ، قيل : إن الذي أثار بتحريق إبراهيم بالنار رجل من أكراد فارس فخسف الله به الارض فهو يتخلخل فيها إلى يوم القيامة ، وقال وهب : إنما قاله نمرود ، وفي الكلام حذف ، قال السدي : فجمعوا الحطب حتى أن الرجل ليمرض فوصي بكذا وكذا من ماله فيشترى به حطب ، وحتى أن المرأة لتغزل فتشتري به حطبا ، حتى بلغوا من ذلك ما أرادوا ، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار لم يدروا كيف يلقونه فجاء إبليس فدلهم على المنجنيق ، وهو أول منجنيق صنعت فوضعوه فيها ثم رموه « قلنا يا نار » أي لما جمعوا الحطب والقوه في النار قلنا للنار : « كوني بردا وسلاما على إبراهيم » وهذا مثل فإن النار جماد لا يصح خطابه ، والمراد : إنا جعلنا النار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شئ ; وقيل : يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفالهم. وقال الرازي : اختلفوا في أن النار كيف بردت على ثلاثة أوجه : أحدها أن الله [١]ـ مجمع البيان ٧ : ٥٢ ـ ٥٤. م تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والاحراق وأبقى ما فيها من الاضاءة والاشراق. وثانيها : أنه سبحانه خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة ، كما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة ، وبدن السمندر بحيث لا يضره المكث في النار. وثالثها : أنه خلق بينه وبين النار حائلا يمنع من وصول النار إليه ; قال : المحققون : والاول أولى لان ظاهر قوله : « يا نار كوني بردا » أن نفس النار صارت باردة. فإن قيل : النار اسم للجسم الموصوف بالحرارة واللطافة ، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمى النار امتنع كون النار باردة ، فإذا وجب أن يقال : المراد بالنار الجسم الذي هو أحد أجزاء مسمى النار وذلك مجاز ، فلم كان مجاز كم أولى من المجازين الآخرين؟ قلنا : المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد ، وفي المجازين اللذين ذكر تموهما ما لا يبقى ذلك فكان مجازنا أولى. [١] وقال الطبرسى : قال أبوالعالية : لو لم يقل سبحانه : « وسلاما » لكانت تؤذيه من شدة بردها ، ولكان بردها أشد عليه من حرها ، ولو لم يقل : « على إبراهيم » لكان بردها باقيا إلى الابد. وقال أبوعبدالله 7 : لما أجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموا به في النار أتاه جبرئيل فقال : السلام عليك ياإبراهيم ورحمة الله وبركاته ألك حاجة؟ فقال : أما إليك فلا. فلما طرحوه دعا الله فقال : ياالله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فحسرت النار عنه وإنه لمحتبى ومعه جبرئيل وهما يتحدثان في روضة خضراء ، وروى الواحدي بإسناده إلى أنس ، عن النبي (ص) قال : إن نمرود الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبرئيل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه ; وقال كعب : ما أحرقت النار [١]مفاتيح الغيب ٦ : ١٣١ ـ ١٣٢. م من إبراهيم غير وثاقه ; [١] وقيل : إن إبراهيم ألقي في الناروهو ابن ست عشرة سنة. « وأرادوا به كيدا » أي شرا وتدبيرا في إهلاكه « فجعلناهم الاخسرين » قال ابن عباس : هو أن سلط الله على نمرود وخيله البعوض حتى أخذت لحومهم وشربت دمائهم ووقعت واحدة في دماغه حتى أهكته. « إلى الارض التى باركنا » أي الشام أو بيت المقدس أو مكة. « فنظل لها عاكفين » أي مصلين ، عن ابن عباس ; أو نقيم على عبادتها مداومين « هل يسمعونكم » أي هل يستجيبون دعاءكم إذا دعوتموهم ، أو ينفعونكم إذا عبدتموهم ، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها؟ « أفرأيتم ما كنتم تعبدون » أي الذي كنتم تعبدونه من الاصنام « أنتم » الآن « وآباؤكم الاقدمون » أي المتقدمون « فإنهم عدولي » أي إن عباد الاصنام معها عدو لي ، إلا أنه غلب مايعقل ; وقيل : إنه يعني الاصنام وإنما قال : « فإنهم » لما وصفها بالعداوة التي لا تكون إلا من العقلاء ، وجعل الاصنام كالعدو في الضرر من جهة عبادتها ، ويجوز أن يكون قال : « فإنهم » لانه كان منهم من يعبد الله مع عبادته الاصنام فغلب مايعقل وذلك استثنى فقال : « إلا رب العالمين » استثناه من جميع المعبودين قال الفراء : إنه من المقلوب ، والمعنى : فإني عدولهم « فهو يهدين » أي يرشدني إلى ما فيه نجاتى أو إلى جنته « والذي أطمع أن يغفرلي إنما قال ذلك 7 على سبيل الانقطاع منه إلى الله تعالى من غير ذنب ، أو المعنى : أن يغفر لمن يشفعني فيه ; فأضافه إلى نفسه » رب هب لى حكما « أي حكمة وعلما أو نبوة » واجعل لي لسان صدق « أي ثناء حسنا وذكرا جميلا في الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة ، وقيل : ولد صدق وهو محمد 9 » ولا تخزني هذا أيضا على الانقطاع. « أوثانا » أي أصناما من حجارة لا تضر ولا تنفع « وتخلقون إفكا » أي تفعلون [١]الوثاق : ما يشد به من قيد وحبل ونحوهما. كذبا بأن تسموا هذه الاوثان آلهة. [١] « مودة بينكم » أي لتتوادوا بها « فآمن له لوط » أي فصدق بإبراهيم وهو ابن اخته ، وهو أول من صدق بإبراهيم « وقال » إبراهيم « إني مهاجر إلى ربي » أي خارج من جملة الظالمين على جهة الهجر لهم على قبيح أعمالهم إلى حيث أمرني ربي ; وقيل : معناه : قال لوط إني مهاجر ، وخرج إبراهيم ومعه لوط وامرأته سارة ـ وكانت ابنة عمته ـ من كوثى وهى قرية من سواد الكوفة إلى أرض الشام. « وإن من شيعته لابراهيم » أي من شيعة نوح ، يعني أنه على منهاجه وسننه في التوحيد والعدل واتباع الحق ; وقيل : من شيعة محمد (ص) « إذ جاء ربه بقلب سليم » أي حين صدق الله وآمن به بقلب خالص من الشرك برئ من المعاصي والغل والغش على ذلك عاش وعليه مات ; وقيل : بقلب سليم من كل ما سوى الله لم يتعلق بشئ غيره ، عن أبي عبدالله 7. « أئفكا آلهة » قال البيضاوي : أي تريدون آلهة دون الله إفكا ، فقدم المفعول للعناية ثم المفعول له لان الاهم أن يقرر أنهم على الباطل ، ويجوز أن يكون « إفكا » مفعولا به و « آلهة » بدل منه على أنها إفك في أنفسها للمبالغة ، والمراد عبادتها فحذف المضاف ، أو حالا بمعنى آفكين. قال الطبرسي : « فما ظنكم برب العالمين » أن يصنع بكم مع عبادتكم غيره أو كيف تظنون برب تأكلون رزقه وتعبدون غيره؟ أو ماتظنون بربكم أنه على أي صفة ومن أي جنس من أجناس الاشياء حتى شبهتم به هذه الاصنام؟ « فراغ إلى آلهتهم » أي فمال إليها « فقال ألا تأكلون » خاطبها وإن كانت جمادا على وجه التهجين لعابديها و تنبيههم على أن من لا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها ، وكانوا صنعوا للاصنام طعاما [١]مجمع البيان ٨ : ٢٧٧. م تقربا إليها وتبركا بها « فراغ عليهم ضربا باليمين » أي فمال على الاصنام يكسرها و يضربها باليد اليمنى لانها أقوى ; وقيل : المراد باليمين القوة ، وقيل : أي بالقسم الذي سبق منه بقوله « تا لله لاكيدن ». « يزفون » أي يسرعون ، فإنهم اخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم فقصدوه مسرعين وحملوه إلى بيت أصنامهم وقالوا له : « أنت فعلت هذا بآلهتنا » فأجابهم بقوله : أتعبدون ما تنحتون « استفهاما على الانكار والتوبيخ » والله خلقكم وما تعملون « أي وخلق ما عملتم من الاصنام » قالوا ابنوا له بنيانا « قال ابن عباس : بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا ، وملؤوه نارا وطرحوه فيها » فألقوه في الجحيم « قال الفراء : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ; وقيل : إن الجحيم النار العظيمة » فجعلناهم الاسفلين « بأن أهلكناهم ونجينا إبراهيم وسلمناه ورددنا كيدهم عنه » إني ذاهب إلى ربي « أي إلى حيث أمرني أو إلى مرضات ربي بعملى ونيتي » سيهدين « أي يهديني ربي فيما بعد إلى طريق المكان الذي أمرني بالمصير إليه ; أو إلى الجنة بطاعتي إياه ». [١] « وجعلها كلمة باقية » أي جعل كلمة التوحيد باقية في ذريته فلم يزل فيهم من يقولها ; وقيل الكلمة هى براءة إبراهيم من الشرك ; وقيل : هي الامامة إلى يوم القيامة ، عن أبى عبدالله (ع) « لعلهم يرجعون » عما هم عليه بالاقتداء بأبيهم إبراهيم (ع). « أسوة حسنة » أي اقتداء حسن « كفرنا بكم » أي جحدنا دينكم وأنكرنا معبود كم « إلا قول إبراهيم » أي اقتدوا بإبراهيم في كل أموره إلا في هذا القول فلا تقتدوا به فيه فإنه 7 إنما استغفر لابيه عن موعدة وعدها إياه بالايمان فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ; قال الحسن : وإنما تبين له ذلك عند موت أبيه ; وقيل : كان آذر ينافق إبراهيم ويريه أنه مسلم ويعده إظهار الاسلام ليستغفر له « وما أملك لك من الله من شئ » إن أراد عقابك « ربنا عليك توكلنا » أي وكانوا يقولون ذلك « وإليك أنبنا » أي إلى طاعتك [١]مجمع البيان ٨ : ٤٤٩ ـ ٤٥١. م رجعنا « وإليك المصير » وإلى حكمك المرجع ، وهذه حكاية لقول إبراهيم وقومه ; ويحتمل أن يكون تعليما لعباده أن يقولوا ذلك « لا تجعلنا فتنة » أي لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا ; وقيل : أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن دينك ; وقيل : أى ألطف حتى نصبر على أذاهم ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم.
الهوامش · 19⌄
[٢]مجمع البيان ٤ : ٣٢٢. مص 18
[٣]« « « : ٣٢٣ – ٣٢٤. مص 18
[٢]مجمع البيان ٤ : ٣٢٥. مص 19
[٢]« « « : ٣٢٩. مص 20
[٣]كلمة تقال عند الشكاية أو التوجع ، وفيها لغات.ص 20
[٤]مجمع البيان ٥ : ٧٧. مص 20
[٢]انوار التنزيل ٢ : ٣٢. مص 22
[٢]انوار التنزيل ٢ : ٣٣. مص 23
[٣]مجمع البيان ٧ : ٥٤ ـ ٥٥. مص 23
[٢]حسرت عنه أى انكشفت عنه. احتبى بالثوب : اشتمل به. جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. وفى المصدر : وإنه لمحتب.ص 24
[٢]مجمع البيان ٧ : ٥٥. مص 25
[٣]مجمع البيان : ٥٦ مص 25
[٤]مجمع البيان : ١٩٣ ـ ١٩٤. مص 25
[٢]كوثى كطوبى وسيأتى تفسيرها.ص 26
[٣]مجمع البيان ٨ : ٢٨٠. مص 26
[٤]مجمع البيان : ٤٤٩.ص 26
[٥]أنوار التنزيل ٢ : ١٣٣. مص 26
[٢]مجمع البيان ٩ : ٤٥ وفيه : بابيهم ابراهيم 7 في توحيد الله تعالى كما اقتدى الكفار بآبائهم. مص 27
[٥]تفسير القمى : ١٩٦. مص 28