Usul16
بحار الانوار - ط دارالاحیاء التراث

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

Printed-page view →

113 - كتاب الأربعين [1] في قضاء حقوق المؤمنين وأعلام الدين: قال جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام: المؤمن يداري ولا يماري. وقال عليه السلام: من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان في غده شرا من يومه فهو مفتون، ومن لم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له، ومن أدب من غير عمد كان للعفو أهلا. وقال عليه السلام: اطلبوا العلم ولو بخوض اللجج وشق المهج.

bihar-35581

تحف العقول : وصيته عليه السلام لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول

الهوامش2

[4]التحف ص 307.ص 286

[5]هو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان الكوفي المعروف عندنا بصاحب الطاق أو مؤمن الطاق والمخالفون يلقبونه شيطان الطاق، كان صيرفيا في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال: شيطان الطاق وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام كان رحمه الله ثقة، متكلما، حاذقا، كثير العلم، حسن الخاطر، حاضر الجواب حكى عن أبي خالد الكابلي أنه قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازاره وهو دائب يجيبهم ويسألونه فدنوت منه وقلت: ان أبا عبد الله عليه السلام نهانا عن الكلام. فقال: وأمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا والله ولكنه أمرني أن لا أكلم أحدا قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبى عبد الله عليه السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق وما قلت له وقوله: اذهب وأطعه فيما أمرك. فتبسم أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقض وأنت ان قصوك لن تطير اه‌. وله مع أبي حنيفة حكايات نقلها المؤرخون وأهل السير فمنها أنه لما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات امامك، قال: نعم أما امامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وله كتب منها كتاب الإمامة وكتاب المعرفة وكتاب الرد على المعتزلة في امامة المفضول وكتاب في اثبات الوصية وغير ذلك.ص 286

bihar-35582

تحف العقول : رسالته عليهما السلام إلى جماعة شيعته وأصحابه أما بعد فسلوا ربكم العافية. وعليكم بالدعة والوقار والسكينة والحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون منكم. وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم دينوا فيما بينكم وبينهم - إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم و نازعتموهم الكلام، فإنه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم - بالتقية التي أمركم الله بها، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم ويعرفون في وجوهكم المنكر. ولولا أن الله يدفعهم عنكم لسطوا بكم وما في صدورهم من العداوة و البغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة إن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره إليه الشر ويباعده منه ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه وطلق وجهه، وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه، وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه، ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم، وترك مقاطعة الناس والخصومات، ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ. وإن العبد إذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق - كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقر به منه، فإذا حبب إليه الشر وقر به منه ابتلي بالكبر والجبرية، فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها، فبعد ما بعد حال المؤمن والكافر، فسلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله. أكثروا من الدعاء، فان الله يحب من عباده الذين يدعونه، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة. وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فان الله أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر من ذكره من المؤمنين، إن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم. وعليكم بحب المساكين المسلمين، فإن من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم ". واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس أشد مقتا، فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين، فان لهم عليكم حقا أن تحبوهم فان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم، فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله و رسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات من الغاوين. إياكم والعظمة والكبر، فان الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة. إياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين، فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه. ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله. إياكم أن يحسد بعضكم بعضا، فان الكفر أصله الحسد . إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة ". إياكم أن تشره نفوسكم إلى شئ مما حرم الله عليكم، فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها و كرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين.

الهوامش12

[١]التحف ص ٣١٣.ص 293

[٢]هذه الرسالة مختارة من التي رواها الكليني (ره) في الروضة ونقله المؤلف في هذا الجزء ص ٢١٠.ص 293

[٣]الدعة: الخفض والطمأنينة.ص 293

[٤]المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة - بالمعجمة -: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم.ص 293

[٥]" بالتقية " متعلق بدينوا وما بينهما معترض.ص 293

[6]السطو: القهر. أي وثبوا عليكم وقهروكم، وفى بعض النسخ " لبطشوا بكم ".ص 293

[7]العريكة: الطبيعة والخلق والنفس.ص 293

[8]مر كلام فيه ص 222.ص 293

[1]حقره استصغره وهان قدره وصغر. ومقت فلانا: أبغضه.ص 294

[2]المحقرة: الحقارة أي الذلة والهوان.ص 294

[١]لان الشيطان أول من حسد فكفر وأخرجه الله من الجنة.ص 295

[٢]شره فلان - كفرح -: غلب حرصه واشتد ميله.ص 295

bihar-35583
أمالي الطوسي : عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسين علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش، عن عمرو ابن سعيد بن هلال قال:
Show clickable narrator chain

قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أوصني فقال: أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه، وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فكثيرا ما قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " وقال عز ذكره: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " فان نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف. وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فان الناس لم يصابوا بمثله أبدا ولن يصابوا بمثله أبدا.

الهوامش3

[٣]الأمالي ج ٢ ص ٢٩٤.ص 295

[٤]التوبة: ٥٥ وص 295

[٥]طه: ١٣١.ص 295

bihar-35584
المنافقون: ٤ نظيرها. 25. * (باب) * * " (مواعظ موسى بن جعفر وحكمه عليهما السلام) " * 1 - تحف العقول : وصيته عليه السلام لهشام وصفته للعقل: إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال:
Show clickable narrator chain

" فبشر عباد الذين يستمعون القول وكان أولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالإمامة بالدلائل والنظر وهو منقطعا إلى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد وكان القيم بمجالس كلامه ونظره ثم تبع الصادق عليه السلام فانقطع إليه وتوفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيره وقيل: بل في خلافة المأمون. وان العامة طعنوا فيه. وورد في الاخبار ذم له من جهة القول بالتجسم وان الأصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك، ووردت روايات في مدحه ودل على جلالته هذه الروايات المذكورة في المتن الجامعة لأبواب الخير والفلاح. فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ". يا هشام بن الحكم إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، و أفضى إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالادلاء، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ". " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار " - إلى قوله - لايات لقوم يعقلون ". يا هشام قد جعل الله عز وجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ". وقال: " حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " وقال: " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون ". يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبتهم في الآخرة، فقال: " وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ". وقال: " وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ". يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه، فقال عز وجل: " ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون ". يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم، فقال: " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ". يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون. فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " وقال: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " . وقال: " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ". ثم ذم الكثرة، فقال: " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ". " وأكثرهم وسورة الزمر: 30 وكذا قوله تعالى: " بل أكثرهم لا يعقلون " سورة العنكبوت: 63 وقوله تعالى: " وأكثرهم لا يعقلون " سورة المائدة: 102. لا يشعرون ". يا هشام ثم مدح القلة، فقال: " وقليل من عبادي الشكور ". وقال: " وقليل ما هم " وقال: " وما آمن معه إلا قليل ". يا هشام ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ": يا هشام إن الله يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " يعني العقل. وقال: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " قال: الفهم والعقل. يا هشام إن لقمان قال لابنه: " تواضع للحق تكن أعقل الناس . يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الايمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر ". ١٩ وسورة ص: ٢٨، وسورة الزمر: ١٢. وسورة المؤمن: ٥٦. يا هشام لكل شئ دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت. ولكل شئ مطية، ومطية العاقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس: [في يدك] لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام مامن عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله. يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسول والأنبياء. والأئمة وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك، وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه [وكان الله] آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه في غير عشيرة . يا هشام نصب الخلق لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم. والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العالم بالعقل. يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض . يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. يا هشام إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورادها . إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما من شئ عبد الله به أفضل من العقل وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان . والرشد والخير منه مأمولان وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه من الدنيا القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه. وهو تمام الامر . يا هشام من صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمر. يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا . يا هشام لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا ، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها . يا هشام إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول : " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق ". وقال الحسن بن علي عليهما السلام: " إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها " قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها؟ قال: " الذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال: " إنما يتذكر أولو الألباب " قال: هم أولو العقول ". وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح. وأدب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا ". يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد مالا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول: " أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمن ظلمكم، وتعطوا على من حرمكم، وليكن نظركم عبرا، وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، وطبيعتكم السخاء فإنه لا يدخل الجنة بخيل، ولا يدخل النار سخي ". يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى . والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات. يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام وجد في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعتى الناس على الله ومن الشعر: ناصيته. وعتا يعتو عتوا، وعتى يعتى عتيا بمعنى واحد أي استكبر وتجاوز الحد، والعتو: الطغيان والتجاوز عن الحدود والتجبر. من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله، ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله، ومن أحدث حدثا ، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. يا هشام أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به: الصلاة، وبر الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر. يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكن أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيئ الظلال - ثم قال عليه السلام -: أولا حر يدع [هذه] اللماظة لأهلها - يعني الدنيا - فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ". يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين: " يا عبيد السوء يهولكم طول النخلة وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها، وتنسون طيب ثمرها ومرافقها . كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده. و تنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه ، بحق أقول لكم، لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فان دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما يغدوا ويروح. بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب، وأن صغار الذنوب ومحقراتها من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله، ورجل أتقنها سيال دهني شبيه النفط، يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز فيهنأ به الإبل الجربى ويسرع فيه اشعال النار. وقوله: " نتنه " أي خبث رائحته. بقوله وضيعها بسوء فعله، فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا، يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة، ولا بالأسد العاتية كما تفعل بالفراس كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم . بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقي الغل في صدوركم، يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه، يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب ، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر ". ما بقي في المنخل من القشر ونحوه. يا هشام مكتوب في الإنجيل " طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس، أولئك هم المقربون يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة ". يا هشام قله المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر، وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم، فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. يا هشام تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجاهل مما علمت، عظم العالم لعلمه ودع منازعته، وصغر الجاهل لجهله، ولا تطرده، ولكن قربه وعلمه. يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها، وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية فأسكتتهم عن المنطق، وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل، يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لأكياس وأبرار " . يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.

الهوامش76

[١]التحف ص ٣٨٣.ص 296

[٢]رواه الكليني في المجلد الأول من كتابه الكافي مع اختلاف نشير إليه. وهشام هو أبو محمد وقيل: أبو الحكم هشام بن الحكم البغدادي الكندي مولى بنى شيبان ممن اتفق الأصحاب على وثاقته وعظم قدره ورفعة منزلته عند الأئمة عليهم السلام، وكانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها، صحب أبا عبد الله وبعده أبا الحسن موسى عليهما السلام وكان من أجلة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام وبلغ من مرتبة علوه عنده أنه دخل عليه بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفى مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبى جعفر الأحول وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيهم الا من هو أكبر سنا منه، فلما رأى أبو عبد الله عليه السلام أن ذلك الفعل كبر على أصحابه قال: " هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ". وكان له أصل وله كتب كثيرة، وان الأصحاب كانوا يأخذون عنه. مولده بالكوفة ومنشأوه واسط وتجارته بغداد وكان بياع الكرابيس وينزل الكرخ من مدينة السلام بغداد في درب الجنب، ثم انتقل إلى الكوفة في أواخر عمره ونزل قصر وضاح وتوفى سنة 199 أو 179 في أيام الرشيد مستترا وكان لاستتاره قصة مشهورة في المناظرات، وترحم عليه الرضا عليه السلام وقيل في شأنه: " انه من متكلمي الشيعة وبطائنهم ومن دعى له الصادق عليه السلام فقال: أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان: لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهو الذي فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه. وكان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب.ص 296

[١]الزمر: ١٩.ص 297

[٢]في بعض النسخ " أكمل الناس ".ص 297

[٣]البقرة: ١٦٢.ص 297

[٤]البقرة: ١٦٣. والمراد باختلافهما ذهابهما ومجيئهما.ص 297

[٥]النحل: ١٢.ص 297

[٦]الزخرف: ١، ٢، ٣.ص 297

[٧]الروم: ٢٣. " خوفا " أي للمسافر. و " طمعا " للحاضر.ص 297

[8]الانعام: 32.ص 297

[١]القصص: ٦٠.ص 298

[٢]الصافات: ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩.ص 298

[٣]العنكبوت: ٤٣.ص 298

[٤]البقرة: ١٦٥. ألفينا أي وجدنا.ص 298

[٥]الأنفال: ٢٢. ومثلها قوله تعالى في سورة البقرة: 41، 166. وسورة يونس: 43، وسورة الفرقان: 46. وسورة الحشر: 14.ص 298

[6]هذه الآية في سورة لقمان: 24 وفيه " بل أكثرهم لا يعلمون " كما في بعض نسخ الكافي ولعله سهو من الراوي أو اشتباه من النساخ.ص 298

[7]الانعام: 116.ص 298

[8]الانعام: 37. ونظيرها قوله تعالى: " بل أكثرهم لا يعلمون ". النحل: 77 وآية 103. وسورة الأنبياء آية 24. وسورة النمل آية 62. وسورة لقمان: 24.ص 298

[١]مضمون مأخوذ من آي القرآن.ص 299

[٢]سبأ: ١٣.ص 299

[٣]ص: ٢٣. " ما " تأكيد القلة.ص 299

[٤]هود: ٤٢.ص 299

[٥]البقرة: ٢٧٢. ونظيرها في سورة آل عمران: ١٨٧. وسورة الرعد:ص 299

[٦]ق: ٣٦.ص 299

[٧]لقمان: ١١. إلى هنا كان في الكافي بتقديم وتأخير.ص 299

[8]وزاد في الكافي: وان الكيس لدى الحق يسير ".ص 299

[9]الحشو: ما حشي به الشئ أي ملاء به والظاهر أن ضمير " فيها " يرجع إلى الدنيا وضمير حشوها وما بعده يرجع إلى السفينة. وفى بعض النسخ " فلتكن سفينتك منها ". و " حشوها " في بعض النسخ " جسرها ". وشراع السفينة - بالكسر -: ما يرفع فوقها من ثوب وغيره ليدخل فيه الريح فتجريها.ص 299

[1]في الكافي مكان العاقل " العقل " في الموضعين.ص 300

[2]في الكافي " وأكملهم عقلا ".ص 300

[3]في الكافي " من أظلم نور تفكره ".ص 300

[1]العيلة: الفاقة.ص 301

[2]نصب - من باب علم -: تعب وأعيا. وفى الكافي " ونصب الحق لطاعة الله ".ص 301

[3]اعتقد الشئ: نقيض حله. وفى بعض النسخ " يعتقل " هو أيضا نقيض حل أي يمسك ويشد.ص 301

[4]وزاد في الكافي " يا هشام ان العاقل نظر إلى الدنيا والى أهلها فعلم أنها لا تنال الا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال الا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما "ص 301

[١]في الكافي " أن الدنيا طالبة مطلوبة وأن الآخرة طالبة ومطلوبة.ص 302

[٢]آل عمران: ٧.ص 302

[3]الردى: الهلاك.ص 302

[4]في بعض النسخ " لا يدل ".ص 302

[5]في الكافي " ما عبد الله بشئ ".ص 302

[6]الكفر في الاعتقاد، والشر في القول والعمل، والكل ينشأ من الجهل، وفى بعض النسخ " مأمون ".ص 302

[7]الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناش من العقل. وفى بعض النسخ " مأمول ".ص 302

[١]أي ملاك الامر وتمامه في أن يكون الانسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال.ص 303

[٢]لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم ولا تعلموهم. والمنحة: العطاء.ص 303

[٣]في الكافي ههنا " يا هشام ان العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه ".ص 303

[٤]أي قدرا ورفعة. والخطر: الحظ والنصيب والقدر والمنزلة.ص 303

[٥]ههنا كلام نقله صاحب الوافي عن أستاذه - رحمهما الله - قال: ذلك لان الأبدان في التناقص يوما فيوما لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فان كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه والى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية والاستقامة فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ولهذا خلقه الله عز وجل وان كانت شقية كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية واللذات الحيوانية التي ستصير نيرانات محرقة مؤلمة وهي اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا وستبرز يوم القيامة " وبرزت الجحيم لمن يرى " معاملة مع الشيطان وخسر هنالك المبطلون.ص 303

[١]في الكافي " ان من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام. ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق، ان أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن - الخ ".ص 304

[٢]الزمر: ١٢.ص 304

[3]في الكافي " وآداب العلماء ".ص 304

[4]أي استنماؤه بالكسب والتجارة ".ص 304

[5]التعنيف: اللؤم والتوبيخ والتقريع. والمراد ان العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه وما لم يستعده.ص 304

[6]في الكافي " ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه ". أي لا يبادر إلى فعل قبل أوانه خوفا من أن يفوته بالعجز عنه في وقته.ص 304

[1]في بعض نسخ المصدر " وتعطفوا ".ص 305

[2]في بعض نسخ المصدر " وإياكم والبخل وعليكم بالسخاء ".ص 305

[3]" وما حوى " أي ما حواه الرأس من الأوهام والأفكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والاذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. وما وعى أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام. والبلى - بالكسر -: الاندراس والاضمحلال.ص 305

[4]المحفوفة: المحيطة. والمكاره: جمع مكرهة - بفتح الراء وضمها -: ما يكرهه الانسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الأقوال والافعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة، والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار.ص 305

[5]الذؤابة من كل تفسير العياشي: أعلاه. ومن السيف: علاقته. ومن السوط: طرفه.ص 305

[1]الحدث: الامر الحادث الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة.ص 306

[2]" عقل عن الله ": عرف عنه وبلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن الله فكأنه أخذ العلم عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله.ص 306

[3]اللماظة - بالضم - بقية الطعام في الفم. وأيضا بقية الشئ القليل. والمراد بها هنا الدنيا.ص 306

[4]يهولكم أي يفزعكم وعظم عليكم.ص 306

[1]مؤونة المراقى: شدة الارتقاء. والمرافق: المنافع وهي جمع مرفق - بالفتح -:ص 307

[2]الأمد: الغاية ومنتهى الشئ، يقال: طال عليهم الأمد أي الأجل. والنور - بالفتح -: الزهرة.ص 307

[3]الغب - بالكسر -: العاقبة. وأيضا بمعنى البعد.ص 307

[4]القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء -:ص 307

[5]كناية عن الموت فإنه يأتي في الغداة والرواح.ص 307

[6]في بعض النسخ " ومحقرتها ".ص 307

[1]الحداء - بالكسر -: جمع حدأة - كعنبة -: طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الأشياء، والخاطفة من خطف الشئ يخطف كعلم يعلم -: استلبه بسرعة والغادرة: الخائنة. والعاتي: الجبار.ص 308

[2]الفريسة: ما يفترسه الأسد ونحوه. وفى بعض النسخ " بالفراش ".ص 308

[3]في بعض النسخ " وفريقا تقدرون بهم ".ص 308

[4]المنخل - بضم الميم والخاء أو بفتح الخاء -: ما ينخل به. والنخالة - بالضم -:ص 308

[5]جثا يجثو. وجثى يجثى: جلس على ركبته أو قام على أطراف الأصابع. وفى بعض النسخ " حبوا " أي زحفا على الركب من حبا يحبو وحبى يحبى " إذا مشى على أربع.ص 308

[6]الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.ص 308

[1]المشاء: الكثير المشي. وأيضا النمام والمراد ههنا الأول. والإرب - بفتحتين -:ص 309

[2]الأكياس: جمع كيس - كسيد -: الفطن، الظريف، الحسن الفهم والأدب.ص 309

[3]البذاء: الفحش. والبذئ - على فعيل -: السفيه والذي أفحش في منطقه.ص 309

bihar-35585
أمالي الصدوق: عن أبيه، عن محمد العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن سعيد بن عمرو، عن إسماعيل بن بشر بن عمار قال:
Show clickable narrator chain

كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: عظني وأوجز، فكتب إليه: ما من شئ تراه عينيك إلا وفيه موعظة.

bihar-35586

تحف العقول : وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني.

الهوامش1

[2]التحف ص 408.ص 319

bihar-35587

وقال عليه السلام: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ولا يتهمه في قضائه.

الهوامش2

[1]في بعض النسخ " لا تجتمع ".ص 319

[3]أي لا يجده بطيئا.ص 319

bihar-35588
وقال: سألته عن اليقين؟ فقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

يتوكل على الله ويسلم الله ويرضى بقضاء الله ويفوض إلى الله.

bihar-35589

وقال عبد الله بن يحيى : كتبت إليه في دعاء " الحمد لله منتهى علمه " فكتب عليه السلام: لا تقولن منتهى علمه، فإنه ليس لعلمه منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه.

الهوامش1

[4]رواه الصدوق - رحمه الله - في التوحيد باب العلم باسناده عن الكاهلي عن موسى بن جعفر عليهما السلام. وعبد الله بن يحيى الكاهلي الأسدي الكوفي أخو إسحاق بن يحيى من وجوه أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وله كتاب.ص 319

bihar-35590
وسأله رجل عن الجواد؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوقين، فإن الجواد، الذي يؤدي ما افترض الله عليه، والبخيل من بخل بما افترض الله، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لأنه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك وإن منعك منعك ما ليس لك.

bihar-35591

وقال لبعض شيعته: أي فلان! إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، أي فلان! اتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإن فيه هلاكك.

bihar-35592

وقال له وكيله: والله ما خنتك. فقال عليه السلام له: خيانتك وتضييعك علي مالي سواء، والخيانة شرهما عليك.

bihar-35593

وقال عليه السلام، إياك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثليه في معصية الله.

bihar-35594

وقال عليه السلام: المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه.

bihar-35595

وقال عليه السلام: عند قبر حضره إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره.

الهوامش1

[1]وفى بعض النسخ " حفره ".ص 320

bihar-35596

وقال عليه السلام: من تكلم في الله هلك، ومن طلب الرئاسة هلك، ومن دخله العجب هلك.

bihar-35597

وقال عليه السلام: اشتدت مؤونة الدنيا والدين: فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه.

bihar-35598

وقال عليه السلام: أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفت الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن.

bihar-35599

وقال عليه السلام: ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.

bihar-35600

وقال عليه السلام: لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك وابق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء.

الهوامش1

[2]الحشمة: الانقباض والاستحياء.ص 320

bihar-35601

وقال عليه السلام لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها. وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف مروتك، وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والآخرة.

bihar-35602

وقال عليه السلام: إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه.

bihar-35603

وقال عليه السلام: ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير.

bihar-35604

وقال عليه السلام: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات. لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ومالا يثلم المروة ومالا سرف فيه. واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي " ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه ".

bihar-35605

وقال عليه السلام: تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا.

bihar-35606

وقال عليه السلام لعلي بن يقطين : كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان.

الهوامش1

[١]هو علي بن يقطين بن موسى مولى بنى أسد كوفي الأصل سكن بغداد من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام قال الشيخ في الفهرست: علي بن يقطين - رحمه الله - ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى عليه السلام، عظيم المكان في الطائفة.ص 321

bihar-35607

وقال عليه السلام: كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون.

bihar-35608

وقال عليه السلام: إذا كان الامام عادلا كان له الاجر وعليك الشكر. وإذا كان جائرا كان عليه الوزر وعليك الصبر.

bihar-35609

وقال أبو حنيفة حججت في أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فلما

الهوامش1

[1]هو نعمان بن ثابت بن زوطي أحد الأئمة الأربعة كان جده من الفرس من موالي تيم الله بن ثعلبة فمسه الرق فاعتق فكان أبو حنيفة من أبناء الفرس ولد سنة 80 بالكوفة وكان خزازا يبيع الخز، صاحب الرأي والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه وقال هو بالقياس والاستحسان حتى أنه قاس في أمور معاشه أيضا، وهو أول من قاس في الاسلام، وقيل:ص 322

bihar-35610

وقال له أبو أحمد الخراساني: الكفر أقدم أم الشرك ؟ فقال عليه السلام له: مالك ولهذا ما عهدي بك تكلم الناس. قلت: أمرني هشام بن الحكم أن أسألك. [ف‌] - قال: قل له: الكفر أقدم، أول من كفر إبليس " أبى واستكبر وكان من الكافرين " والكفر شئ واحد والشرك يثبت واحدا ويشرك معه غيره.

الهوامش3

[١]رواه الكليني في الكافي ج ٢ ص ٣٨٥ عن موسى بن بكر الواسطي والعياشي في تفسيره. عنه قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم - إلى آخر الآية -.ص 324

[٢]وكذا في تفسير العياشي ولكن في الكافي " هشام بن سالم ".ص 324

[٣]البقرة: ٣٢.ص 324

bihar-35611

ورأي رجلان يتسابان فقال عليه السلام: البادي أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم.

bihar-35612

وقال عليه السلام: ينادي مناد يوم القيامة: ألا من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا، وأصلح فأجره على الله.

bihar-35613

وقال عليه السلام: السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة. وما بعث الله نبيا إلا سخيا. وما زال أبي يوصيني بالسخاء وحسن الخلق حتى مضى.

bihar-35614

وقال السندي بن شاهك - وكان الذي وكله الرشيد بحبس موسى عليه السلام - لما حضرته الوفاة: دعني أكفنك. فقال عليه السلام: إنا أهل بيت، حج صرورتنا ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا.

الهوامش1

[4]الصرور - بالصاد المهملة - الذي لم يتزوج أو لم يحج.ص 324

bihar-35615

وقال عليه السلام لفضل بن يونس: أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تن إمعة قلت: وما الإمعة؟ قال: لا تقل: أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس. إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ".

الهوامش2

[1]فضل بن يونس الكاتب البغدادي عده الشيخ من أصحاب الكاظم عليه السلام وقال:ص 325

[2]الإمع والإمعة - بالكسر فالتشديد - قيل: أصله " انى معك ".ص 325

bihar-35616
وروي أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر ، فسلم عليه و نزل عنده وحادثه طويلا. ثم عرض عليه السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه، وهو إليك أحوج؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: عبد من عبيد الله وأخ في كتاب الله وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الاباء آدم عليه السلام وأفضل الأديان الاسلام ولعل الدهر يرد من حاجاتنا إليه،

الهوامش1

[3]النجد: الطريق الواضح المرتفع. وقوله عليه السلام: " إنما هما نجدان " فالظاهر إشارة إلى قوله في سورة البلد 10 " فهديناه النجدين ".ص 325

bihar-35617

وقال عليه السلام: عونك للضعيف من أفضل الصدقة.

bihar-35618

وقال عليه السلام: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل.

bihar-35619

وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان.

bihar-35620

وقال عليه السلام: يعرف شدة الجور من حكم به عليه.

bihar-35621
تحف العقول : روي عن موسى بن جعفر عليه السلام
Show clickable narrator chain

أنه قال: صلاة النوافل قربان إلى الله لكل مؤمن، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شئ زكاة وزكاة الجسد صيام النوافل، وأفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج، ومن دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله كان كمن رمى بسهم بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية وإن امرء اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد إلى الناس نصف العقل، وكثرة الهم يورث الهرم، والعجلة هي الخرق، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه، أو ضرب بيده الواحدة على الأخرى عند المصيبة فقد حبط أجره، والمصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها إلا بالصبر والاسترجاع عند الصدمة، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي دين أو حسب،

الهوامش1

[3]التحف ص 403.ص 326

bihar-35622

كشف الغمة : قال الابي في كتاب نثر الدرر: سمع موسى عليه السلام رجلا يتمنى الموت فقال له: هل بينك وبين الله قرابة يحاميك لها؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيئاتك؟ قال: لا، قال: فأنت إذا تتمنى هلاك الأبد. وقال عليه السلام: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة. وروي عنه عليه السلام: أنه قال: اتخذوا القيان فإنه لهن فطنا وعقولا، ليست لكثير من النساء. كأنه أراد النجابة في أولادهن. قلت: القيان جمع قينة وهي الأمة مغنية كانت أو غير مغنية. قال أبو عمر: وكل عبد هو عند العرب قين والأمة قينة، وبعض الناس يظن القينة، المغنية خاصة وليس كذلك. وقال: ابن حمدون في تذكرته قال موسى بن جعفر عليه السلام: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك. معنى هذه الأربع: الأولى وجوب معرفة الله تعالى الذي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعين عليك لأجلها الشكر والعبادة، الثالثة أن تعرف ما أراده منك فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب، والرابعة أن تعرف الشئ الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه.

الهوامش2

[٤]كشف الغمة ج ٣ ص ٤٢.ص 327

[1]المصدر: ج 3 ص 45.ص 328

bihar-35623
رجال الكشي ، عن حمدويه، عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد السائي قال:
Show clickable narrator chain

كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس أسأله فيه عن حاله وعن جواب مسائل كتبت بها إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد الله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ابتغى إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والأديان الشتى، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتدي، وسميع وأصم، وأعمى وبصير، وحيران، فالحمد لله الذي عرف وصف دينه بمحمد صلى الله عليه وآله. أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة مودة بما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بفضلهم، ورد الأمور إليهم والرضا بما قالوا - في كلام طويل - وقال: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا ووال آل محمد صلى الله عليه وآله، ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف خلافه فإنك لا تدري لما قلناه وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك، ولا تفش ما استكتمتك، أخبرك أن من أوجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا ينفعه لأمر دنياه ولامر آخرته .

الهوامش4

[2]اختيار رجال الكشي ص 386.ص 328

[3]السائي نسبة إلى ساية: اسم واد من حدود الحجاز. وقيل: قرية من قرى المدينة المشرفة، وقيل: إنها قرية بمكة، وقيل واد بين الحرمين. وقال في منهج المقال قرية بالمدينة.ص 328

[4]في بعض النسخ " ولا تحصن بحصن رياء ".ص 328

[١]في المصدر " لا من دنياه ولا من آخرته ".ص 329

bihar-35624
الكافي : عن العدة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد. ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور، عن علي بن سويد قال:
Show clickable narrator chain

كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة، فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة، والأديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتد، وسميع وأصم، وبصير وأعمى وحيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد صلى الله عليه وآله . أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما استرعاك من دينه وما ألهمك من رشدك، وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الأمور إليهم كتبت تسألني عن أمور كنت منها في تقية، ومن كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الامر أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم بإفشاء ما استودعتك، وإظهار ما استكتمتك، ولن تفعل إن شاء الله، إن أول ما أنهى إليك أني أنعى إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عز وجل وحتم، فاستمسك بعروة الدين - آل محمد - والعروة الوثقى، الوصي بعد الوصي، والمسالمة لهم، والرضا بما قالوا، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وتدري ما خانوا أماناتهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ودلوا على ولاة الامر منهم فانصرفوا عنهم، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفى سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا ولعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عز وجل كلامه، وهزئا برسوله صلى الله عليه وآله وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الايمان منذ خروجهما من حالتيهما، وما ازداد إلا شكا كانا خداعين، مرتابين، منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام. وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فأولئك أهل الردة الأولى من هذه الأمة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، أما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الاسماع، وهو أفضل علمنا، ولا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله . وسألت عن أمهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم، فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة نكاح بغير ولي وطلاق بغير عدة وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه. وسألت عن الزكاة فيهم، فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم، وأين كان. وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف. وسألت عن الشهادات لهم، فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك [أ] و الوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيما فلا، وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته، ولا تحصن بحصن رياء ، ووال آل محمد عليهم السلام ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف منا خلافه فإنك لا تدري لما قلناه، وعلى إي وجه وصفناه، آمن بما أخبرك، ولا تفش ما استكتمناك من خبرك، إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه وآخرته، ولا تحقد عليه وإن أساء، وأجب دعوته إذا دعاك، ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك، وعده في مرضه، ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الأذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الامر به، فإذا رأيت المشوه الاعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين فإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عز وجل بالمجرمين، فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الأخيار.

الهوامش13

[٢]في الكافي ج ٨ ص ١٢٤.ص 329

[3]" عرف ووصف " كذا في بعض النسخ، فقوله " عرف " بتخفيف الراء أي عرف محمد دينه ووصفه. وفى بعض النسخ " عز ووصف " أي عز هو تعالى ووصف الخلق دينه محمد وفى بعض النسخ " محمدا " بالنصب فعرف بتشديد الراء. والأول أظهر وأصوب.ص 329

[١]" حفظ مودة " كأنه معطوف على قوله " منزلة " أي جعلك تحفظ مودة امر استرعاك وهو دينه، ويمكن أن يقرء حفظ على صيغة الماضي ليكون معطوفا على قوله " أنزلك ".ص 330

[٢]أي كنت أتقى هذه الظلمة في أن أكتب جوابك لكن في تلك الأيام دنا أجلى وانقضت أيامي ولا يلزمني الآن التقية وجاء سلطان الله فلا أخاف من سلطانهم.ص 330

[3]" المذمومة إلى أهلها " لعل المراد أنها مذمومة بما يصل منها إلى أهلها الذين ركنوا إليها كما يقال: استذم إليه أي فعل ما يذمه على فعله، يحتمل أن تكون إلى بمعنى اللام أو بمعنى عند أي إنما هي لهم بئست الدار وأما للصالحين فنعمت الدار فان فيها يتزودون لدار القرار.ص 330

[4]التحريش الاغراء على الضرر، والحرش: الصيد، ويطلق على الخديعة والمعنى الأول هنا أنسب.ص 330

[1]أي لا يتوهم أن القاء الملك مستلزم للنبوة بل يكون للأئمة عليهم السلام ولا نبوة بعد نبينا.ص 331

[2]العواهر: الزواني لان تلك السبايا لما سبين بغير اذن الامام فكلهن أو خمسهن للامام ولم يرخص الامام لغير الشيعة في وطيهن.ص 331

[3]أي طلاقهم طلاق في غير الزمان الذي يمكن فيه انشاء العدة أي طهر غير المواقعة مع أنه تعالى قال " وطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة ".ص 331

[1]الضيم: الظلم يعنى إذا كان يعلم مثلا أن المدعى عليه معسر ويعلم أنه مع شهادته يجبره الحاكم على أدائه فلا يلزم إقامة تلك الشهادة.ص 332

[2]أي إلى الشرائط التي اشترطها الله على الناس بسبب معرفة الأئمة من ولايتهم ومحبتهم وطاعتهم والتبري من أعدائهم ومخالفيهم، ويحتمل أن يكون المراد بالشرائط الوعد والوعيد والتأكيد والتهديد الذي ورد في أصل المعرفة وتركها.ص 332

[3]في بعض النسخ " ولا تحضر حصن زناء ".ص 332

[4]الجحفل - كجعفر -: الجيش الكبير، ويقال: كتيبة جرارة أي ثقيلة السير لكثرتها.ص 332

bihar-35625

الدرة الباهرة : قال الكاظم عليه السلام: المعروف غل لا يفكه إلا مكافأة أو شكر، لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال، من ولده الفقر أبطره الغنى، من لم يجد للإساءة مضضا لم يكن للإحسان عنده موقع، ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الأسفل.

الهوامش2

[1]مخطوط.ص 333

[2]المضض: وجع الألم.ص 333

bihar-35626
اعلام الدين : قال موسى بن جعفر عليهما السلام، أولى العلم بك مالا يصلح لك العمل إلا به، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك، وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشتغلن بعلم مالا يضرك جهله، ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه. وقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال. وقال عليه السلام: من أتى إلى أخيه مكروها فبنفسه بدأ. وقال عليه السلام: من لم يجد للإساءة مضضا لم يكن عنده للإحسان موقعا. وقال عبد المؤمن الأنصاري: دخلت على الامام أبي الحسن موسى بن - جعفر عليهما السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسمت إليه فقال: أتحبه؟ فقلت: نعم وما أحببته إلا لكم، فقال عليه السلام: هو أخوك والمؤمن أخو المؤمن لامه وأبيه وإن لم يلده أبوه، ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه. وقال عليه السلام: ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الأسفل. وقدم على الرشيد رجل من الأنصار يقال له: نفيع، وكان عارفا فحضر يوما باب الرشيد وتبعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن - جعفر عليهما السلام على حمار له فتلقاه الحاجب بالاكرام والاجلال وأعظمه من كان هناك وعجل له الاذن فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ فقال له: أو ما تعرفه هذا شيخ آل أبي طالب هذا موسى بن جعفر عليه السلام فقال نفيع: ما رأيت أعجب من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل لو يقدر على زوالهم عن السرير لفعل أما إن خرج لأسوءنه فقال له عبد العزيز: لا تفعل فإن هؤلاء أهل بيت قلما تعرض لهم أحد بخطاب إلا وسموه في الجواب وسمة يبقى عارها عليه أبد الدهر، وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع فأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت قال: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض عز وجل عليك وعلى المسلمين إن كنت منهم الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركي قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يا محمد اخرج لنا أكفاءنا من قريش، خل عن الحمار فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك. وقيل حج الرشيد فلقي موسى عليه السلام على بغلة له فقال للرشيد: من مثلك في حسبك ونسبك وتقدمك يلقاني على بغلة؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة الحمير. 26. * (باب) * " (مواعظ الرضا عليه السلام) " 1 - تحف العقول : روي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني.

الهوامش2

[3]مخطوط.ص 333

[1]التحف ص 442.ص 334

bihar-35627

قال الرضا عليه السلام: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه صلى الله عليه وآله، وسنة من وليه عليه السلام. فأما السنة من ربه فكتمان السر، وأما السنة من نبيه صلى الله عليه وآله فمداراة الناس، وأما السنة من وليه عليه السلام فالصبر في البأساء والضراء.

bihar-35628

وقال عليه السلام: صاحب النعمة يجب أن يوسع على عياله.

bihar-35629

وقال عليه السلام: ليس العبادة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله.

bihar-35630

وقال عليه السلام: من أخلاق الأنبياء التنظف.

bihar-35631

وقال عليه السلام: ثلاث من سنن المرسلين: العطر، وإحفاء الشعر، وكثرة الطروقة .

الهوامش1

[1]الاحفاء: القص. والطروقة: الجماع. وفى بعض النسخ " واخفاء السر ".ص 335

bihar-35632

وقال عليه السلام: لم يخنك الأمين، ولكن ائتمنت الخائن.

bihar-35633

وقال عليه السلام: إذا أراد الله أمرا سلب العباد عقولهم، فأنفذ أمره وتمت إرادته. فإذا أنفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله، فيقول: كيف ذا ومن أين ذا.

bihar-35634

وقال عليه السلام: الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير.

bihar-35635

وقال عليه السلام: مامن شئ من الفضول إلا وهو يحتاج إلى الفضول من الكلام.

bihar-35636

وقال عليه السلام: الأخ الأكبر بمنزلة الأب.

bihar-35637
وسئل عليه السلام عن السفلة فقال:
Show clickable narrator chain

من كان له شئ يلهيه عن الله.

bihar-35638

وكان عليه السلام: يترب الكتاب ويقول: لا بأس به، وكان إذا أراد أن يكتب تذكرات حوائجه كتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكر إن شاء الله، ثم يكتب ما يريد.

الهوامش1

[2]أي يجعل عليه التراب ليجفه. ترب وأترب الشئ: جعل عليه التراب.ص 335

bihar-35639

وقال عليه السلام: إذا ذكرت الرجل وهو حاضر فكنه، وإذا كان غائبا فسمه.

bihar-35640

وقال عليه السلام: صديق كل امرء عقله، وعدوه جهله.

bihar-35641

وقال عليه السلام: التودد إلى الناس نصف العقل.

bihar-35642

وقال عليه السلام: إن الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال.

bihar-35643

وقال عليه السلام: لا يتم عقل امرء مسلم حتى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يمل من طلب العلم طول دهره، الفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العز في عدوه، والخمول أشهى إليه من الشهرة، ثم قال عليه السلام: العاشرة وما العاشرة، قيل له: ما هي؟ قال عليه السلام: لا يرى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى. إنما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى، ورجل شر منه وأدنى، فإذا لقى الذي شر منه وأدنى قال: لعل خير هذا باطن وهو خير له، وخيري ظاهر وهو شر لي. وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده، وطاب خيره، و حسن ذكره، وساد أهل زمانه.

bihar-35644
وسأله رجل عن قول الله: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه "؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: للتوكل درجات: منها أن تثق به في أمرك كله فيما فعل بك، فما فعل بك كنت راضيا وتعلم أنه لم يألك خيرا ونظرا . وتعلم أن الحكم في ذلك له، فتتوكل عليه بتفويض ذلك إليه. ومن ذلك الايمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكلت علمها إليه وإلى امنائه عليها ووثقت به فيها وفي غيرها.

الهوامش2

[١]الطلاق: ٣.ص 336

[٢]ألا في الامر: قصر وأبطأ وترك الجهد ومنه يقال: " لم يأل جهدا ".ص 336

bihar-35645
وسأله أحمد بن نجم عن العجب الذي يفسد العمل؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: للعجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا. ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله ولله المنة عليه فيه.

الهوامش2

[٣]رواه الكليني - رحمه الله - في الكافي ج ٢ ص ٣١٣ والصدوق - رضوان الله عليه - في معاني الأخبار باسناده عن علي بن سويد المديني عن أبي الحسن موسى عليه السلام. وأما أحمد ابن نجم هذا لم نجد الايعاز إليه في معاجم الرجال.ص 336

[4]وفى بعض النسخ " فيمتن ".ص 336

bihar-35646

قال الفضل قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: يونس بن عبد الرحمن يزعم أن المعرفة إنما هي اكتساب. قال عليه السلام: لاما أصاب، إن الله يعطي الايمان من يشاء فمنهم من يجعله مستقرا فيه ومنهم من يجعله مستودعا عنده، فأما المستقر فالذي لا يسلبه الله ذلك أبدا، وأما المستودع فالذي يعطاه الرجل ثم يسلبه إياه.

الهوامش1

[١]الظاهر أنه الفضل بن سنان ولعله ابن سهل ذو الرياستين وزير المأمون وقد مضى ترجمته. ويونس بن عبد الرحمن هو أبو محمد مولى آل يقطين ثقة من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام، كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة قال ابن النديم:ص 337

bihar-35647

وقال صفوان بن يحيى سألت الرضا عليه السلام عن المعرفة هل للعباد

الهوامش1

[٢]هو أبو محمد صفوان بن يحيى البجلي الكوفي، بياع السابري من أصحاب الإمام السابع والثامن والتاسع عليهم السلام وأقروا له بالفقه والعلم، ثقة من أصحاب الاجماع وكان وكيل الرضا عليه السلام وصنف كتبا كثيرة وكان من الورع والعبادة ما لم يكن أحد في طبقته. وكان أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث وأعبدهم، كان يصلى كل يوم خمسين ومائة ركعة ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاث مرات وذاك أنه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلى من بقي بعده صلاته ويصوم عنه ويحج عنه ويزكى عنه ما دام حيا فمات صاحباه وبقى صفوان بعدهما وكان يفي لهما بذلك وكان يصلى عنهما ويزكى عنهما ويصوم عنهما ويحج عنهما وكل شئ من البر والصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه.ص 337

bihar-35648
وقال الفضيل بن يسار سألت الرضا عليه السلام عن أفاعيل العباد مخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ قال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

هي والله مخلوقة - أراد خلق تقدير لا خلق تكوين -. ثم قال عليه السلام: إن الايمان أفضل من الاسلام بدرجة، والتقوى أفضل من الايمان بدرجة، واليقين أفضل من الايمان بدرجة، ولم يعط بنو آدم أفضل من اليقين.

الهوامش1

[٢]الفضيل بن يسار من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ومات في أيامه، ولعله كان قاسم بن الفضيل أو محمد بن الفضيل لأنهما من أصحاب الرضا عليه السلام.ص 338

bihar-35649
وسئل عن خيار العباد؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا.

bihar-35650
وسئل عليه السلام عن حد التوكل؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: أن لا تخاف أحدا إلا الله.

bihar-35651

وقال عليه السلام: من السنة إطعام الطعام عند التزويج.

bihar-35652

وقال عليه السلام: الايمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والتفويض إلى الله، وقال العبد الصالح : " وأفوض أمري إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا ".

الهوامش1

[٣]أراد عليه السلام بالعبد الصالح مؤمن آل فرعون والآية في سورة غافر: ٤٤.ص 338

bihar-35653

وقال عليه السلام: صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الأذى عنها، وقال: في كتاب الله: " ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ".

الهوامش1

[٤]البقرة: ٢٦٦.ص 338

bihar-35654

وقال عليه السلام: إن من علامات الفقه: الحلم والعلم، والصمت باب من أبواب الحكمة. إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير.

الهوامش1

[5]وفى بعض النسخ " على كل حق ".ص 338

bihar-35655

وقال عليه السلام: إن الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم أجرا من المجاهد في سبيل الله.

bihar-35656

وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال عليه السلام: أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا تدري ما يفعل بنا.

bihar-35657

وقال عليه السلام: خمس من لم تكن فيه فلا ترجوه لشئ من الدنيا والآخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته . والكرم في طباعه، والرصانة في خلقه والنبل في نفسه، والمخافة لربه.

الهوامش2

[1]الأرومة: الأصل.ص 339

[2]رصن - كشرف - أي استحكم واشتد وثبت. والنبل - بالضم -: الفضل والنجابة.ص 339

bihar-35658

وقال عليه السلام: ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا.

bihar-35659

وقال عليه السلام: السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه.

bihar-35660

وقال عليه السلام: إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله.

bihar-35661

وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت.

bihar-35662

وقال له معمر بن خلاد : عجل الله فرجك. فقال عليه السلام. يا معمر ذاك فرجكم أنتم، فأما أنا فوالله ما هو إلا مزود فيه كف سويق مختوم بخاتم.

الهوامش1

[3]هو أبو خلاد معمر بن خلاد بن أبي خلاد بغدادي ثقة من أصحاب الرضا عليه السلام وله كتب.ص 339

bihar-35663

وقال عليه السلام: عونك للضعيف أفضل من الصدقة.

bihar-35664

وقال عليه السلام: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: التفقه في الدين. وحسن التقدير في المعيشة. والصبر على الرزايا.

bihar-35665

وقال عليه السلام لأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري : يا داود إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله، وإن لكم علينا حقا. فمن عرف حقنا وجب حقه، ومن لم يعرف حقنا فلا حق له.

الهوامش1

[1]هو أبو هاشم داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة، وقد شاهد جماعة منهم: الامام الثامن إلى الإمام الثاني عشر عليهم السلام وله موقع جليل عندهم وكان منقطعا إليهم وروى عنهم وله منهم أخبار ورسائل وروايات من دلائل أبى الحسن الهادي عليه السلام وقال: ما دخلت على أبى الحسن وأبى محمد عليهما السلام الا رأيت منهما دلالة وبرهانا. وقال السيد ابن طاووس:ص 340

bihar-35666
وحضر عليه السلام: يوما مجلس المأمون وذو الرياستين حاضر، فتذاكروا الليل والنهار وأيهما خلق قبل صاحبه. فسأل ذو الرياستين الرضا عليه السلام عن ذلك؟ فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام له: تحب أن أعطيك الجواب من كتاب الله أم حسابك؟ فقال: أريده أولا من الحساب، فقال عليه السلام: أليس تقولون: إن طالع الدنيا السرطان، وإن الكواكب كانت في أشرافها؟ قال: نعم. قال: فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والمريخ في الجدي، والزهرة في الحوت، والقمر في الثور، والشمس في وسط السماء في الحمل، وهذا لا يكون إلا نهارا. قال: نعم. قال: فمن كتاب الله؟ قال عليه السلام: قوله: " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " أي أن النهار سبقه .

الهوامش1

[2]رواه الطبرسي - رحمه الله - في المجمع عند بيان الآية من تفسير العياشي عن الأشعث بن حاتم هكذا " قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن رسول الله لاخذ بكثير من قولي، ونقل الخطيب في تاريخ بغداد بعضها ويعاب عليه بقواعد العربية. مات سنة 150 واتفق أنه في يوم وفاته ولد الشافعي ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد وهي مشهورة معروفة عند العامة بالامام الأعظم وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفى مملكة السلطان ملكشاه السلجوقي على قبره مشهدا وقبة وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية وقيل: إن الذي أمر ببناء هذه العمارة هو الب أرسلان محمد والد السلطان ملكشاه وكان الأمير أبو سعد نائبا عليها. وفى الاخبار: ان أبا حنيفة: جاء يوما إلى الصادق عليه السلام ليسمع منه وخرج عليه السلام يتوكأ على عصا فقال له أبو حنيفة يا ابن رسول الله ما بلغت من السن ما يحتاج منه إلى العصا قال: هو كذلك ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وآله أردت أتبرك بها فوثب أبو حنيفة إليها وقال له: اقبلها يا ابن رسول الله؟ فحسر عليه السلام عن ذراعه وقال: والله لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وان هذا من شعره فما قبلته وتقبل عصاه.ص 340

bihar-35667

قال علي بن شعيب دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشا؟ قلت: يا سيدي أنت أعلم به مني. فقال عليه السلام: يا علي بن حسن معاش غيره في معاشه. يا علي بن أسوء الناس معاشا؟ قلت: أنت أعلم، قال: من لم يعش غيره في معاشه. يا علي أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية ما نأت عن قوم فعادت إليهم .

الهوامش2

[1]قال صاحب تنقيح المقال - ره - لم أقف عليه بهذا العنوان في كتب الرجال وإنما وقفنا فيها على علي بن أبي شعيب المدائني وقال: له كتاب صغير والظاهر كونه اماميا.ص 341

[2]الجوار - بالكسر - مصدر بمعنى المجاورة. ونأت عن قوم أي بعدت عنه.ص 341

bihar-35668

وقال له عليه السلام رجل في يوم الفطر: إني أفطرت اليوم على تمر وطين القبر. فقال عليه السلام: جمعت السنة والبركة.

bihar-35669

وقال عليه السلام لأبي هاشم الجعفري: يا أبا هاشم العقل حباء من الله، والأدب كلفة، فمن تكلف الأدب قدر عليه، ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا .

الهوامش1

[1]الحباء - بالكسر -: العطية. والمراد ان العقل غريزة موهبة من الله فكان في فطرة الانسان وجبلته فليس للكسب فيه أثر فمن لم يكن فيه عقل ليس له صلاحية اكتساب العقل بخلاف الأدب فان الأدب هو السيرة والطريقة الحسنة في المحاورات والمعاشرات فيمكن للانسان تحصيله بأن يتجشمه ويتكلفه. وأبو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب الذي تقدم شرح حاله في ص 340.ص 342

bihar-35670

وقال أحمد بن عمر والحسين بن يزيد: دخلنا على الرضا عليه السلام فقلنا: إنا كنا في سعة من الرزق وغضارة من العيش فتغيرت الحال بعض التغير فادع الله أن يرد ذلك إلينا؟ فقال عليه السلام: أي شئ تريدون تكونون ملوكا؟ أيسركم أن تكونوا مثل طاهر وهرثمة وإنكم على خلاف ما أنتم عليه؟ فقلت:

الهوامش2

[2]هو أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي ثقة من أصحاب الإمام السابع والثامن عليهما السلام وله كتاب. وأما الحسين بن يزيد هو ابن عبد الملك النوفلي المتطبب من أصحاب الإمام الثامن. كان أديبا شاعرا سكن الري ومات بها - رحمه الله -.ص 342

[3]الظاهر هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقب بذو اليمينين والى خراسان كان من أكبر قواد المأمون والمجاهدين في تثبيت دولته، كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسيا فأسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والى سجستان وكان مولاه، ولذلك اشتهر الطاهر بالخزاعي، وكان هو الذي سيره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الأمين محمد بن زبيدة ببغداد لما خلع المأمون بيعته وسير الأمين علي بن عيسى بن ماهان لدفعه فالتقيا بالري وقتل علي بن عيسى وكسر جيش الأمين وتقدم الطاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد وحاصر بغداد وقتل الأمين سنة 198 وحمل برأسه إلى خراسان وعقد للمأمون على الخلافة فلما استقل المأمون بالملك كتب إليه وهو مقيم ببغداد وكان واليا عليها بأن يسلم إلى الحسن بن سهل جميع ما افتتحه من البلاد وهي العراق وبلا الجبل وفارس وأهواز والحجاز واليمن وأن يتوجه هو إلى الرقة، وولاه الموصل وبلاد الجزيرة والشأم والمغرب فكان فيها إلى أن قدم المأمون بغداد فجاء إليه وكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته ولقبه ذو اليمينين وذلك لأنه ضرب شخصا بيساره فقده نصفين في وقعته مع علي بن عيسى بن ماهان حتى قال بعض الشعراء: " كلتا يديك يمين حين تضربه " فبعثه إلى خراسان فكان واليا عليها إلى أن توفى سنة 207 بمرو وهو الذي أسس دولة آل طاهر في خراسان وما والاها من 205 إلى 259 وكان طاهر من أصحاب الرضا عليه السلام كان متشيعا وينسب التشيع أيضا إلى بنى طاهر كما في مروج الذهب وغيره. ولد طاهر سنة 159 في توشنج من بلاد خراسان وله عهد إلى ابنه وهو من أحسن الرسائل.ص 342

bihar-35671

وقال له ابن السكيت : ما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال عليه السلام: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على الله فيكذبه. فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب.

الهوامش1

[1]هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي الأهوازي من رجال الفرس، المعروف بابن السكيت كان أحد أعلام اللغويين وجهابذة المتأدبين، حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة ويتصرف في أنواع العلوم، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة وكان من عظماء الشيعة ومن خواص أصحاب الإمام التاسع والعاشر، وكان المتوكل الخليفة العباسي قد ألزمه تأديب أولاده وكان في أول أمره يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في درب القنطرة صبيان العامة حتى احتاج إلى الكسب فجعل يتعلم النحو. وكان أبوه رجلا صالحا وأديبا عالما وكان من أصحاب الكسائي، حسن المعرفة بالعربية وحكى عنه أنه كان قد حج فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه العلم.ص 344

bihar-35672

وقال عليه السلام: لا يقبل الرجل يد الرجل فإن قبلة يده كالصلاة له .

الهوامش1

[١]في الكافي ج ٢ ص ١٨٥ باسناده عن رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقبل رأس أحد ولا يده الا يد رسول الله أو من أريد به رسول الله صلى الله عليه وآله.ص 345

bihar-35673

وقال عليه السلام: قبلة الام على الفم، وقبلة الأخت على الخد، وقبلة الامام بين عينيه.

bihar-35674

وقال عليه السلام: ليس لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء ولا لكذوب مروة.

bihar-35675
أمالي الطوسي : عن جماعة، عن أبي المفضل، عن مسعر بن علي بن زياد، عن حريز بن سعد بن أحمد بن مالك، عن العباس بن المأمون، عن أبيه قال:
Show clickable narrator chain

قال لي علي بن موسى الرضا عليهما السلام ثلاثة موكل بها ثلاثة: تحامل الأيام علي ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعاداة العوام على أهل المعرفة.

الهوامش1

[2]الأمالي ج 2 ص 98.ص 345

bihar-35676
قصص الأنبياء : بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيدة قال:
Show clickable narrator chain

دخلت على الرضا عليه السلام فبعث إلى صالح بن سعيد فحضرنا جميعا فوعظنا ثم قال: إن العابد من بني إسرائيل لم يكن عابدا حتى يصمت عشر سنين، فإذا صمت عشر سنين كان عابدا ثم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: كن خيرا لا شر معه، كن ورقا لا شوك معه، ولا تكن شوكا لا ورق معه، وشرا لا خير معه، ثم قال إن الله تعالى يبغض القيل والقال، وإيضاع المال، وكثرة السؤال، ثم قال: إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم قال لهم موسى عليه السلام: اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها، فلم يزالوا شددوا حتى ذبحوا بقرة يملا جلدها ذهبا، ثم قال إن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن الحكماء ضيعوا الحكمة لما وضعوا عند غير أهلها.

الهوامش1

[3]مخطوط.ص 345

bihar-35677
فقه الرضا (ع) : سلوا ربكم العافية في الدنيا والآخرة، فإنه أروي عن العالم أنه " قال
Show clickable narrator chain

الملك الخفي: إذا حضرت لم يؤبه لها، وإن غابت عرف فضلها " واجتهدوا أن يكون زمانكم أربع ساعات ساعة لله لمناجاته، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان الثقات، والذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث الساعات، لا تحدثوا أنفسكم بالفقر، ولا بطول العمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر حرص، اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، وما لم يثلم المروة ولا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدنيا فإنه نروي " ليس منا من ترك دنياه لدينه، ودينه لدنياه "، وتفقهوا في دين الله فإنه أروي " من لم يتفقه في دينه ما يحظى أكثر مما يصيب، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، وحاز المرء المرتبة الجليلة في الدين والدنيا، فضل الفقيه على العباد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يزك الله له عملا ". وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: " لو وجدت شابا من شبان الشيعة لا يتفقه لضربته ضربة بالسيف " وروي غيري عشرون سوطا، وأنه قال: " تفقهوا وإلا أنتم أعراب جهال ". وروي أنه قال: " منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل ". روي " أن الفقيه يستغفر له ملائكة السماء وأهل الأرض والوحش والطير وحيتان البحر " وعليكم بالقصد في الغنى والفقر، والبر من القليل والكثير فإن الله تبارك وتعالى يعظم شقة التمرة حتى يأتي يوم القيامة كجبل أحد. إياكم والحرص والحسد فإنهما أهلكا الأمم السالفة، وإياكم والبخل فإنها عاهة لا تكون في حر ولا مؤمن، إنها خلاف الايمان. عليكم بالتقية، فإنه روي " من لا تقية له لا دين له "، وروي " تارك التقية كافر " وروي " اتق حيث لا يتقى، التقية دين منذ أول الدهر إلى آخره " وروي " أن أبا عبد الله عليه السلام كان يمضي يوما في أسواق المدينة وخلفه أبو الحسن موسى فجذب رجل ثوب أبي الحسن ثم قال له: من الشيخ فقال: لا أعرف . تزاوروا تحابوا وتصافحوا ولا تحاشموا فإنه روي " المحتشم والمحتشم في النار " لا تأكلوا الناس بآل محمد فإن التأكل بهم كفر، لا تستقلوا قليل الرزق فتحرموا كثيره، عليكم في أموركم بالكتمان في أمور الدين والدنيا فإنه روي " أن الإذاعة كفر " وروي " المذيع والقاتل شريكان " وروي " ما تكتمه من عدوك فلا يقف عليه وليك " لا تغضبوا من الحق إذا صدعتم، ولا تغرنكم الدنيا فإنها لا تصلح لكم كما لا تصلح لمن كان قبلكم ممن اطمأن إليها، وروي " أن الدنيا سجن المؤمن، والقبر بيته، والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار مأواه ". عليكم بالصدق وإياكم والكذب فإنه لا يصلح إلا لأهله، أكثروا من ذكر الموت فإنه أروي " أن ذكر الموت أفضل العبادة ". وأكثروا من الصلوات على محمد وآله عليهم السلام والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في آناء الليل والنهار فإن الصلاة على محمد وآله أفضل أعمال البر، واحرصوا على قضاء حوائج المؤمنين وإدخال السرور عليهم ودفع المكروه عنهم، فإنه ليس شئ من الأعمال عند الله عز وجل بعد الفرائض أفضل من إدخال السرور على المؤمن. لا تدعوا العمل الصالح والاجتهاد في العبادة اتكالا على حب آل محمد عليهم السلام، وفى بعض النسخ " ولا تحاشموا " أي لا تغاضبوا فان المتغاضبان في النار. لا تدعوا حب آل محمد عليهم السلام والتسليم لأمرهم اتكالا على العبادة فإنه لا يقبل أحدهما دون الاخر. واعلموا أن رأس طاعة الله سبحانه التسليم لما عقلناه، وما لم نعقله، فان رأس المعاصي الرد عليهم، وإنما امتحن الله عز وجل الناس بطاعته لما عقلوه وما لم يعقلوه إيجابا للحجة وقطعا للشبهة، واتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ولا يفوتنكم خير الدنيا فإن الآخرة لا تلحق ولا تنال إلا بالدنيا.

الهوامش4

[١]فقه الرضا عليه السلام باب حق النفوس من باب الديات.ص 346

[2]أي إذا حضرت العافية لا يلتفت إليها وإذا غابت ظهر فضلها.ص 346

[1]سأل الرجل عن أبي الحسن من الرجل يعنى أبا عبد الله فقال أبو الحسن عليه السلام " انى لا أعرف " فقط بدون ذكر مفعول لا أعرف، وهذا من أحسن التورية.ص 347

[2]حشمه: آذاه وأغضبه بتسميعه ما يكره. واحتشم منه وعنه غضب وانقبض واستحيا.ص 347

bihar-35678
فقه الرضا (ع) : نروي " انظر إلى من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإن ذلك أقنع لك وأحرى أن تستوجب الزيادة، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين والبصيرة أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين والجهد، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكف عن أذى المؤمن، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع، ولا جهل أضر من العجب، ولا تخاصم العلماء ولا تلاعبهم ولا تحاربهم ولا تواضعهم " ونروي " من احتمل الجفا لم يشكر النعمة " " وأروي عن العالم عليه السلام
Show clickable narrator chain

أنه قال: " رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، وأيم الله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا أعز ولما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ ". وأروي عن العالم أنه قال: " عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد وأداء الأمانة وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، صلوا في عشائركم، وصلوا أرحامكم، وعودوا مرضاكم، واحضروا جنائزكم، كونوا زينا ولا تكونوا شينا، حببونا إلى الناس، ولا تبغضونا، جر وإلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، وما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا من شر فما نحن

الهوامش2

[١]فقه الرضا عليه السلام أواخر باب مكارم الأخلاق.ص 348

[2]كذا. وواضعه أي راهنه، وفى الامر: واقفه فيه، وواضعه البيع: تاركه، والرهان:ص 348

bihar-35679
كشف الغمة قال الابي في نثر الدرر، سئل الرضا عليه السلام عن صفة الزاهد، فقال:
Show clickable narrator chain

متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وسئل عليه السلام عن القناعة فقال: القناعة تجتمع إلى صيانة النفس وعز القدر، وطرح مؤن الاستكثار ، والتعبد لأهل الدنيا، ولا يسلك الطريق القناعة إلا رجلان إما متعلل يريد أجر الآخرة، أو كريم متنزه عن لئام الناس. وامتنع عنده رجل من غسل اليد قبل الطعام، فقال: اغسلها والغسلة الأولى لنا، وأما الثانية فلك، فإن شئت فاتركها. قال عليه السلام: في قول الله تعالى: " فاصفح الصفح الجميل " قال: عفو بغير عتاب. وفي قوله " خوفا وطمعا " قال خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.

الهوامش6

[١]كشف الغمة ج ٣ ص ٩٦.ص 349

[٢]في بعض النسخ " مؤونة الاستكثار ".ص 349

[٣]في بعض النسخ " متعبد ".ص 349

[٤]المصدر ج ٣ ص ٩٩.ص 349

[٥]غافر: ٨٤.ص 349

[٦]الرعد: ١٣.ص 349

bihar-35680
ومن تذكرة ابن حمدون قال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: من رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل، وقال: لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراء البغي، وقال: الناس ضربان بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد.

الهوامش2

[٧]كشف الغمة ج ٣ ص ١٠٠.ص 349

[8]نكث الصفقة أي نقض العهد. وبالفارسية " پيمان شكنى ".ص 349

bihar-35681
رجال الكشي : عن حمدويه عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران عن أحمد بن محمد قال:
Show clickable narrator chain

كتب الحسين بن مهران إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام كتابا قال فكان (يمشي) شاكا في وقوفه قال: فكتب إلى أبي الحسن يأمره وينهاه، فأجابه أبو الحسن بجواب وبعث به إلى أصحابه فنسخوه ورد [وا] إليه لئلا يستره حسين بن مهران وكذلك كان يفعل إذا سئل عن شئ فأحب ستر الكتاب فهذه نسخة الكتاب الذي أجابه به: بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياك جائني كتابك تذكر فيه الرجل الذي عليه الجناية والعين وتقول: أخذته وتذكر ما تلقاني به وتبعث إلي بغيره فاحتججت فيه فأكثرت وعميت عليه أمرا وأردت الدخول في مثله تقول إنه عمل في أمري بعقله وحيلته نظرا منه لنفسه وإرادة أن تميل إليه قلوب الناس ليكون مثله الامر بيده وليته يعمل فيه برأيه ويزعم أني طاوعته فيما أشار به علي وهذا أنت تشير علي فيما يستقيم عندك في العقل والحيلة بعدك، لا يستقيم الامر إلا بأحد أمرين إما قبلت الامر على ما كان يكون عليه، وإما أعطيت القوم ما طلبوا وقطعت عليهم، وإلا فالامر عندنا معوج، والناس غير مسلمين ما في أيديهم من مال وذاهبون به، فالامر ليس بعقلك ولا بحيلتك يكون، ولا تفعل الذي نحلته بالرأي والمشورة ولكن الامر إلى الله عز وجل وحده لا شريك له يفعل في خلقه ما يشاء، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، ولن تجد له مرشدا، فقلت: واعمل في أمرهم واحتل فيه فكيف لك بالحيلة والله يقول: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا في التورية والإنجيل - إلى قوله عز وجل - وليقترفوا ما هم مقترفون " فلو تجيبهم فيما سألوا عنه استقاموا وأسلموا وقد كان مني ما أنكرت وأنكروا من بعدي ومدلي بقائي، وما كان ذلك إلا رجاء الاصلاح لقول أمير المؤمنين عليه السلام: " واقتربوا واقتربوا وسلوا وسلوا فان العليم يفيض فيضا وجعل يمسح بطنه ويقول: ما ملئ طعاما ولكن ملأته علما والله ما آية أنزلت في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل إلا أني أعلمها وأعلم فيمن نزلت " وقول أبي عبد الله عليه السلام: إلى الله أشكو أهل المدينة إنما أنا فيهم كالشعر انتقل يريدونني ألا أقول الحق والله لا أزال أقول الحق حتى أموت فلما قلت: حقا أريد به حقن دمائكم وجمع أمركم على ما كنتم عليه أن يكون سركم مكتوما عندكم غير فاش في غيركم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله سرا أسره الله تعالى إلى جبرئيل، وأسره جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله، وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي، وأسره علي إلى من شاء، ثم قال قال أبو جعفر ثم أنتم تحدثون به في الطريق فأردت حيث مضى صاحبكم أن ألف أمركم عليكم لئلا تضعوه في غير موضعه ولا تسألوا عنه غير أهله فيكون في مسألتكم إياهم هلاككم، فلما دعا إلى نفسه ولم يكن داخله "، ثم قلتم: لا بد إذا كان ذلك منه يثبت على ذلك ولا يتحول عنه إلى غيره قلت لأنه كان له من التقية والكف أولى، وأما إذا تكلم فقد لزمه الجواب فيما يسأل عنه وصار الذي كنتم تزعمون أنكم تذمون به فإن الامر مردود إلى غيركم وإن الفرض عليكم اتباعهم فيه إليكم فصبرتم ما استقام في عقولكم وآرائكم وصح به القياس عندكم بذلك لازما لما زعمتم من أن لا يصح أمرنا زعمتم حتى يكون ذلك علي لكم فإن قلتم لم يكن كذلك لصاحبكم فصار الامر ان وقع إليكم نبذتم أمر ربكم وراء ظهوركم فلا أتبع أهواءكم قد ظلت إذا وما أنا من المهتدين، وما كان بد من أن تكونوا كما كان من قبلكم قد أخبرتم أنها السنن والأمثال القذة بالقذة وما كان يكون ما طلبتم من الكف أولا ومن الجواب آخرا شفاء لصدوركم ولاذهاب شككم وقد كان بد من أن يكون ما قد كان منكم ولا يذهب عن قلوبكم حتى يذهبه الله عنكم، ولو قدر الناس كلهم على أن يحبونا ويعرفوا حقنا ويسلموا لامرنا فعلوا، ولكن الله يفعل ما يشاء ويهدي إليه من أناب، فقد أجبتك في مسائل كثيرة فانظر أنت ومن أراد المسائل منها وتدبرها فإن لم يكن في المسائل شفاء فقد مضى إليكم مني ما فيه حجة ومعتبر وكثرة المسائل معتبة عندنا مكروهة إنما يريد أصحاب المسائل المحنة ليجدوا سبيلا إلى الشبهة والضلالة، ومن أراد لبسا لبس الله عليه ووكله إلى نفسه ولا ترى أنت وأصحابك إني أجبت بذلك وإن شئت صمت فذاك إلي لا ما تقوله أنت وأصحابك لا تدرون كذا وكذا، بل لابد من ذلك إذا نحن منه على يقين وأنتم منه في شك .

الهوامش13

[١]اختيار رجال الكشي ص ٥٠٠.ص 350

[٢]في التحرير الطاووسي " إسماعيل ابن موسى ".ص 350

[3]في المصدر " الخيانة والغبن ".ص 350

[4]في المصدر " عممت ".ص 350

[5]في بعض النسخ " بقول انه عمل في أمري ".ص 350

[6]في المصدر " الامر بيده واليه يعمل ".ص 350

[7]في بعض النسخ " والشهرة ".ص 350

[8]الانعام: 113.ص 350

[1]في المصدر " ما كان منى ما أمرتك وأنكروا ".ص 351

[2]في المصدر " فكم دعا إلى نفسه ".ص 351

[3]في بعض النسخ " قلتم ".ص 351

[4]في بعض النسخ " فصيرتم ".ص 351

[١]اعلم أن النسخ في هذا المكتوب مشوة لا يسعنا تصحيها.ص 352

bihar-35682
العدد : من كتاب الذخيرة قال الرضا: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، وصديق الجاهل في تعب، وأفضل المال ما وقي به العرض، وأفضل العقل معرفة الانسان نفسه، والمؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه. وقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

الغوغاء قتلة الأنبياء والعامة اسم مشتق من العمى، ما رضي الله لهم أن شبههم بالانعام حتى قال: " بل هم أضل سبيلا " . وقال عليه السلام: قال لي المأمون: هل رويت شيئا من الشعر؟ قلت: ورويت منه الكثير، فقال: أنشدني أحسن ما رويته في الحلم فأنشدته : إذا كان دوني من بليت بجهله * أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل وإن كان مثلي في محلي من النهى * هربت لحلمي كي أجل عن المثل وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى * عرفت له حق التقدم والفضل قال المأمون: من قائله؟ قلت: بعض فتياننا قال: فأنشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل، فقلت: إني ليهجرني الصديق تجنبا * فأريه أن الهجرة أسبابا وأراه إن عاتبته أغريته * فأرى له ترك العتاب عتابا وإذا ابتليت بجاهل متحلم * يجد المحال من الأمور صوابا أوليته عني السكوت وربما * كان السكوت عن الجواب جوابا فقال: من قائله؟ قلت بعض فتياننا. ومن كتاب النزهة قال: مولينا الرضا عليه السلام من رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل، من كثرت محاسنه مدح بها واستغنى التمدح بذكرها من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر به، من لم تتابع رأيك في صلاحه فلا تصغ إلى رأيه وانتظر به أن يصلحه شر، ومن طلب الامر من وجهه لم يزل، وإن زل لم تخذله الحيلة، لا يعدم المرء دائرة الشر مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراع البغي. الناس ضربان بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد، طوبى لمن شغل قلبه بشكر النعمة، لا يختلط بالسلطان في أول اضطراب الأمور يعني أول المخالطة القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعز القدرة وطرح مؤونة الاستكثار، والتعبد لأهل الدنيا، ولا يسلك طريق القناعة إلا رجلان إما متعبد يريد أجر الآخرة أو كريم يتنزه عن لئام الناس. كفاك من يريد نصحك بالنميمة ما يجد من سوء الحساب في العاقبة، الاسترسال بالانس يذهب المهابة. وقال عليه السلام للحسن بن سهل في تغريته: التهنية بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وقال عليه السلام: من صدق الناس كرهوه، المسكنة مفتاح البؤس، إن للقلوب إقبالا وإدبارا ونشاطا وفتورا فإذا أقبلت بصرت وفهمت وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها واتركوها عند إدبارها وفتورها، لا خير في المعروف إذا رخص. وقال عليه السلام للصوفية لما قالوا له: إن المأمون قد رد هذا الامر إليك وإنك لاحق الناس به إلا أنه يحتاج من يتقدم منك بقدمك إلى لبس الصوف وما يخشن لبسه: ويحكم إنما يراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، والخير معروف " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " وإن يوسف الصديق لبس الديباج المنسوج بالذهب وجلس على متكآت فرعون. قال عليه السلام في صفة الزاهد: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وقال في تفسير " فاصفح الصفح الجميل " : عفو بغير عتاب. وقال للمأمون لما أراد قتل رجل: إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وقال بعض أصحابه: روي لنا عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " فما معناه؟ قال: من زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى عباده فقد قال بالتفويض، قلت: يا ابن رسول الله والقائل به مشرك؟ فقال: نعم، ومن قال بالجبر فقد ظلم الله تعالى، فقلت: يا ابن رسول الله فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. وقال وقد قال له رجل: إن الله تعالى فوض إلى العباد أفعالهم؟ فقال: هم أضعف من ذلك وأقل، قال: فجبرهم؟ قال: هو أعدل من ذلك وأجل، قال: فكيف تقول؟ قال: نقول: إن الله أمرهم ونهاهم وأقدرهم على ما أمرهم به و نهاهم عنه. سأله عليه السلام الفضل بن الحسن بن سهل الخلق مجبورون؟ قال: الله أعدل من أن يجبر ويعذب، قال: فمطلقون؟ قال: الله أحكم أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه. اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر. الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة. ولم يقسم بين العباد شئ أقل من اليقين. وسئل عن المشية والإرادة فقال: المشية الاهتمام بالشئ، والإرادة إتمام ذلك الشئ، الأجل آفة الامل، والعرف ذخيرة الأبد ، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذي القدرة، والبخل يمزق العرض، والحب داعي المكاره. وأجل الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وتحقيق أمل الآمل، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الأصدقاء في الحياة والباكين بعد الوفاة. من كتاب الدر قال عليه السلام: اتقوا الله أيها الناس في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون الله بشئ بعد الايمان بالله ورسوله، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد عليهم السلام أحب إليكم من معاونتكم لاخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنات ربهم فإن من فعل ذلك كان من خاصة الله. من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسرو من خاف أمن ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم ومن فهم عقل. وصديق الجاهل في تعب وأفضل المال ما وقي به العرض وأفضل العقل معرفة الانسان نفسه، والمؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه، الغوغاء قتلة الأنبياء، والعامة اسم مشتق من العمى، ما رضي الله لهم أن شبههم بالانعام حتى قال " بلهم أضل سبيلا ". صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله، العقل حباء من الله عز وجل، والأدب كلفة، فمن تكلف الأدب قدر عليه، ومن تكلف العقل لم يزده إلا جهلا، التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه، إن أتى إليه سيئة واراها بالحسنة، كاظم الغيظ، عاف عن الناس، والله يحب المحسنين.

الهوامش11

[٢]العدد القوية: مخطوط.ص 352

[٣]كذا.ص 352

[٤]الفرقان: ٤٧.ص 352

[5]رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام ص 304.ص 352

[1]كذا.ص 353

[2]كذا.ص 353

[1]كذا.ص 354

[2]الحجر: 85.ص 354

[1]في بعض النسخ " والعزم ذخيرة الأبد ".ص 355

[2]جمع الخليقة.ص 355

[3]كذا.ص 355

bihar-35683

الدرة الباهرة : قال الرضا عليه السلام: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. وقال عليه السلام: من طلب الامر من وجهه لم يزل فإن زل لم تخذله الحيلة. وقال عليه السلام: لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراع البغي. وقال عليه السلام: الانس يذهب المهابة، والمسألة مفتاح في البؤس. وأراد المأمون قتل رجل فقال له عليه السلام: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن الله لا يزيد بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وقال عليه السلام: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر. وقال عليه السلام: المشية الاهتمام بالشئ، والإرادة إتمام ذلك الشئ.

الهوامش1

[1]مخطوط.ص 356

bihar-35684
كنز الكراجكي : عن محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن صالح، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح قال:
Show clickable narrator chain

قال الرضا عليه السلام: سبعة أشياء بغير سبعة أشياء من الاستهزاء: من استغفر بلسانه ولم يندم بقلبه فقد استهزء بنفسه، ومن سأل الله التوفيق ولم يجتهد فقد استهزء بنفسه. ومن استحزم ولم يحذر فقد استهزء بنفسه، ومن سأل الله الجنة ولم يصبر على الشدائد فقد استهزء بنفسه، ومن تعوذ بالله من النار ولم يترك شهوات الدنيا فقد استهزء بنفسه، ومن ذكر الله ولم يستبق إلى لقائه فقد استهزء بنفسه.

الهوامش1

[2]المصدر: ص 150.ص 356

bihar-35685
اعلام الدين : قال الرضا عليه السلام: من رضي عن الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل. وقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. وقال عليه السلام: لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان إما متعبد يريد أجر الآخرة أو كريم يتنزه من لئام الناس. وقال عليه السلام: الاسترسال بالانس يذهب المهابة. وقال عليه السلام: من صدق الناس كرهوه. وقال عليه السلام للحسن بن سهل: وقد عزاه بموت ولده: التهنية بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وقال عليه السلام: إن للقلوب إقبالا وإدبارا ونشاطا وفتورا، فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها. وقال عليه السلام للحسن بن سهل وقد سأله عن صفة الزاهد فقال عليه السلام: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وقال عليه السلام في تفسير قوله تعالى: " فاصفح الصفح الجميل " فقال: عفوا من غير عقوبة ولا تعنيف ولا عتب. واتي المأمون برجل يريد أن يقتله والرضا عليه السلام جالس فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وسئل عليه السلام عن المشية والإرادة فقال: المشية الاهتمام بالشئ والإرادة إتمام ذلك الشئ. وقال عليه السلام: الأجل آفة الامل، والعرف ذخيرة الأبد، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذوي القدرة، والبخل يمزق، العرض، والحب داعي المكاره، وأجل الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وتحقيق أمل الآمل، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الأصدقاء في الحياة يكثر الباكين بعد الوفاء. 27. * (باب) * " (مواعظ أبى جعفر محمد بن علي الجواد صلوات الله عليه) " 1 - تحف العقول : قال الجواد عليه السلام رجل، أوصني. قال: وتقبل؟ قال: نعم، قال: توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون. وقال عليه السلام: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، وأما انقطاعك إلي فيعززك بي ولكن هل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا. وكتب إلى بعض أوليائه أما هذه الدنيا فإنا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان، والآخرة هي دار القرار. وقال عليه السلام: المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه.

الهوامش2

[3]مخطوط.ص 356

[١]التحف ص ٤٥٥.ص 358

bihar-35686
الكافي: من الروضة عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن يزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، والحسين بن محمد الأشعري، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن عبد الله، عمن حدثه قال:
Show clickable narrator chain

كتب أبو جعفر عليه السلام إلى سعد الخير: بسم الرحمن الرحيم أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف، والغنيمة في المنقلب، إن الله عز وجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجى نوح ومن معه في السفينة وصالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة، يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الايراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد، وذموا أنفسهم على ما فرطوا وهم أهل الذم، واعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه، وإنما يضل من لم يقبل منه هداه، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده، فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة، فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا، فليس يبتدء العباد بالغضب قبل أن يغضبوه، وذلك من علم اليقين وعلم التقوى، وكل أمة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه. وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون فأوردوهم الهوى، وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا فالأمة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون، بئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله وثواب الناس بعد ثواب الله، ورضا الناس بعد رضا الله، فأصبحت الأمة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون مفتونون فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم، وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين، إن نبيا من الأنبياء كان يستكمل الطاعة ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد فيخرج به من الجنة وينبذ به في بطن الحوت، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة. فاعرف أشباه الأحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثم اعرف أشباههم من هذه الأمة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده فهم مع السادة والكبرة فإذا تفرقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم ، لا يزالون كذلك في طمع وطبع، ولا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير، يصبر منهم العلماء على الأذى والتعنيف، ويعيبون على العلماء بالتكليف والعلماء في أنفسهم خانة اكتموا النصيحة، إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه، أو ميتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لان الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروا به وأن ينهوا عما نهوا عنه، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الاثم والعدوان، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد إن وعظت قالوا: طغت وإن علموا الحق الذي تركوا قالوا: خالفت، وإن اعتزلوهم قالوا: فارقت وإن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدثون، قالوا: نافقت وإن أطاعوهم [قالوا:] عصت الله عز وجل فهلك جهال فيما لا يعلمون، أميون فيما يتلون، يصدقون بالكتاب عند التعريف ويكذبون به عند التحريف، فلا ينكرون. أولئك أشباه الأحبار والرهبان، قادة في الهوى، سادة في الردى، وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى لا يعرفون إحدى الطائفتين من الأخرى، يقولون ما كان الناس يعرفون هذا، ولا يدرون ما هو وصدقوا، تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله على البيضاء ليلها من نهارها لم يظهر فيهم بدعة ولم يبدل فيهم سنة لا خلاف عندهم ولا اختلاف، فلما غشى الناس ظلمة خطاياهم، صاروا إمامين داع إلى الله تبارك وتعالى، وداع إلى النار، فعند ذلك نطق الشيطان فعلى صوته على لسان أوليائه وكثر خيله ورجله وشارك في المال والولد من أشركه، فعمل بالبدعة، وترك الكتاب والسنة، ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل وتهادن أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه، فاعرف هذا الصنف وصنف آخر فأبصرهم رأي العين تحيا وألزمهم حتى ترد أهلك، فان الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. إلى ههنا رواية الحسين، وفي رواية محمد بن يحيى زيادة: " لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليهم فإن كان دونهم عسف من أهل العسف وخسف ودونهم بلايا تنقضي ثم تصير إلى رخاء. ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولولا أن تذهب بك الظنون عني لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها، ولكني أتقيك وأستبقيك، وليس الحليم الذي لا يتقى أحدا في مكان التقوى، والحلم لباس العالم فلا تعرين ومنه والسلام ".

الهوامش20

[٢]الكافي ج ٨ ص ٥٢ تحت رقم 16.ص 358

[1]عزب أي بعد، وفى بعض النسخ " نفى بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ".ص 359

[2]العصب: جمع العصبة أو هي من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين.ص 359

[3]أي جعلوا ولى الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه وجعلوهم رؤساء على أنفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها.ص 359

[4]أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل أو صبي غير عاقل. وقوله: " بعد أمر الله " أي صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه، والورود والصدور كنايتان عن الاتيان للسؤال والاخذ والرجوع بالقبول. كما قال المؤلف.ص 359

[١]" ولاية الناس " هو المخصوص بالذم.ص 360

[٢]أشار به إلى يونس عليه السلام. والمراد بعصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير اذن ربه، روى أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله تعالى. واعلم أن العصيان هنا ترك الأفضل والأولى وذلك لأنه لم يكن هناك أمر من الله تعالى حتى عصاه بترك الاتيان به أو نهى منه حتى خالفه بارتكابه فاطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الأولى والأفضل وذلك بالنسبة إلى درجات كمالهم بمنزلة العصيان.ص 360

[٣]اطلاق الجنة على الدنيا لعل بالإضافة إلى بطن الحوت. كما في الوفي.ص 360

[٤]شبه هؤلاء العباد وعلماء العوام المفتونين بالحطام بالأحبار والرهبان لشرائهم الدنيا بالآخرة بكتمانهم العلم وتحريفهم الكلم عن مواضعها وأكل أموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله كما أنهم كانوا كذلك على ما وصفهم الله في القرآن في عدة مواضع، والمراد بالسادة والكبرة السلاطين والحكام وأعوانهم الظلمة. والكلام يدل على أن التحريف الواقع في القرآن كان في معناه لا في ألفاظه كما توهمه بعض من لا خبرة له بمعاريض الكلام.ص 360

[5]إشارة إلى الآية 31 من سورة النجم " فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ". والطبع - بالتحريك -: الرين و - بالسكون - الختم.ص 360

[1]" منهم " أي من أشباه الأحبار والرهبان " العلماء " يعنى العلماء بالله الربانيين " بالتكليف " يعنى تكليفهم بالحق.ص 361

[2]في بعض النسخ " عملوا الحق ".ص 361

[3]ليس في بعض النسخ " قالوا ".ص 361

[4]يعنى الشريعة، الواضح مجهولها عن معلومها وعالمها عن جاهلها.ص 361

[5]الخيل: جماعة الفرسان والرجل: جماعة المشاة أي أعوانه القوية والضعيفة.ص 361

[١]أي تركوا نصرة الحق. وفى بعض النسخ " تخادن " من الخدن وهو الصديق.ص 362

[٢]في بعض نسخ المصدر " نجباء " وفى بعضها " نجيا ".ص 362

[٣]في بعض النسخ " إليه فان دونهم " وهو الصواب أي فلا ينظرون إلى البلاء لأنها تنقضي ولا تبقى.ص 362

[٤]العسف: الجور والظلم وهو في الأصل أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم. قيل: هو ركوب الامر من غير روية. والخسف: النقصان والهوان. وقوله:ص 362

[٥]أي يصير ظنك السيئ بي سببا لانحرافك عنى وعدم اصغائك إلى بعد ذلك.ص 362

bihar-35687
الكافي : رسالة أيضا منه إليه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع قال:
Show clickable narrator chain

كتب أبو جعفر عليه السلام إلي سعد الخير:

الهوامش1

[٦]الكافي ج ٨ ص ٥٦ تحت رقم 17.ص 362

bihar-35688

الدرة الباهرة [3] قال أبو جعفر الجواد عليه السلام: كيف يضيع من اله كافله؟

bihar-35689

اعلام الدين : قال أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام: كيف يضيع من الله كافله؟ وكيف ينجو من الله طالبه؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم ما أفسد أكثر مما يصلح. وقال عليه السلام: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه. وقال عليه السلام: من هجر المدارأة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر، ومن انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للهلكة والمعاقبة المتعبة. وقال عليه السلام: قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما تهواه. وقال عليه السلام: راكب الشهوات لا تقال عثرته. وقال عليه السلام: الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال، وسلم إلى كل عال. وقال عليه السلام: إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف يحسن منظره ويقبح أثره. وقال عليه السلام: الحوائج تطلب بالرجاء وهي تنزل بالقضاء، والعافية أحسن عطاء. وقال عليه السلام: إذا نزل القضاء ضاق الفضاء. وقال عليه السلام: لا تعادي أحدا حتى تعرف الذي بينه وبين الله تعالى، فإن كان محسنا فإنه لا يسلمه إليك وإن كان مسيئا فان علمك به يكفيكه فلا تعاده. وقال عليه السلام: لا تكن وليا لله في العلانية، عدوا له في السر. وقال عليه السلام: التحفظ على قدر الخوف. وقال عليه السلام: عز المؤمن في غناه عن الناس. وقال عليه السلام: نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر. وقال عليه السلام: لا يضرك سخط من رضاه الجور. وقال عليه السلام: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض منه بالعطية. وقال عليه السلام: الأيام تهتك لك الامر عن الاسرار الكامنة. وقال عليه السلام: تعرف عن الشئ إذا صنعته لقلة صحبته إذا أعطيته . 28. * (باب) * * " (مواعظ أبى الحسن الثالث عليه السلام وحكمه) " * 1 - تحف العقول : قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: 1 - الشاكر أسعد بالشكر منه بالنعمة التي أو جبت الشكر، لان النعم متاع، والشكر نعم وعقبى.

الهوامش3

[3]مخطوط.ص 364

[1]كذا. وفي بعض النسخ " لا تعرف ".ص 365

[2]التحف ص 483.ص 365

bihar-35690

وقال عليه السلام: إن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا.

bihar-35691

وقال عليه السلام: إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحمله، وإن المحق السفيه، يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه.

bihar-35692

وقال عليه السلام: من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك.

bihar-35693

وقال عليه السلام: من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره.

bihar-35694

وقال عليه السلام: الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون.

bihar-35695
كشف الغمة : من دلائل الحميري عن فتح بن يزيد الجرجاني قال:
Show clickable narrator chain

ضمني وأبا الحسن طريق منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته وهو يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع، قال: فتلطفت إلى الوصول إليه، فسلمت عليه فرد علي السلام وأمرني بالجلوس وأول ما ابتدأني به أن قال: يا فتح من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فأيقن أن يحل به الخالق سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الإحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال كيف، وأين الأين فلا يقال أين، إذ هو منقطع الكيفية والأينية، هو الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فجل جلاله، أم كيف يوصف بكنهه. محمد، وقد قرنه الجليل باسمه، وشركه في عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته إذ يقول: " وما نقموا إلا أن أغنيهم الله ورسوله من فضله " وقال يحكي قول من ترك طاعته وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها: " يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا " أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وقال: " ولو ردوه إلى [الله وإلى] الرسول وإلى اولي الامر منهم " وقال: " إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها " [6] وقال: " فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " . يا فتح كما لا يوصف الجليل جل جلاله والرسول والخليل وولد البتول فكذلك لا يوصف المؤمن المسلم لامرنا، فنبينا أفضل الأنبياء، وخليلنا أفضل الأخلاء، و [وصيه] أكرم الأوصياء، اسمهما أفضل الأسماء، وكنيتهما أفضل الكنى وأحلاها، لو لم يجالسنا إلا كفو لم يجالسنا أحد، ولو لم يزوجنا إلا كفو لم يزوجنا أحد، أشد الناس تواضعا، أعظمهم حلما، وأنداهم كفا، وأمنعهم كنفا، ورث عنهما أوصياؤهما علمهما، فاردد إليهما الامر وسلم إليهم، أماتك الله مماتهم، وأحياك حياتهم، إذا شئت رحمك الله. قال فتح: فخرجت فلما كان الغد تلطفت في الوصول إليه فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: يا ابن رسول الله أتأذن لي في مسألة اختلج في صدري أمرها ليلتي، قال: سل وإن شرحتها فلي، وإن أمسكتها فلي، فصحح نظرك وتثبت في مسألتك، واصغ إلى جوابها سمعك، ولا تسأل مسألة تعنت واعتن بما تعتني به، فإن العالم والمتعلم شريكان في الرشد، مأموران بالنصيحة، منهيان عن الغش، وأما الذي اختلج في صدرك ليلتك فإن شاء العالم أنبأك بإذن الله، إن الله لم يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فكل ما كان عند الرسول كان عند العالم، وكل ما اطلع عليه الرسول فقد اطلع أوصياؤه عليه، كيلا تخلو أرضه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته، وجواز عدالته. يا فتح عسى الشيطان أراد اللبس عليك فأوهمك في بعض ما أودعتك وشككك في بعض ما أنبأتك حتى أراد إزالتك عن طريق الله وصراطه المستقيم، فقلت: من أيقنت أنهم كذا فهم أرباب؟ معاذ الله إنهم مخلوقون مربوبون مطيعون لله، داخرون راغبون، فإذا جاءك الشيطان من قبل ما جاءك فاقمعه بما أنبأتك به، فقلت: جعلت فداك فرجت عني وكشفت ما لبس الملعون علي بشرحك فقد كان أوقع بخلدي أنكم أرباب، قال: فسجد أبو الحسن عليه السلام وهو يقول في سجوده: " راغما لك يا خالقي داخرا خاضعا " قال: فلم يزل كذلك حتى ذهب ليلي، ثم قال: يا فتح كدت أن تهلك وتهلك، وما ضر عيسى إذا هلك من هلك، فاذهب إذا شئت رحمك الله. قال: فخرجت وأنا فرح بما كشف الله عني من اللبس بأنهم هم، وحمدت الله على ما قدرت عليه، فلما كان في المنزل الاخر دخلت عليه وهو متك، وبين يديه حنطة مقلوة يعبث بها وقد كان أوقع الشيطان في خلدي أنه لا ينبغي أن يأكلوا ويشربوا إذ كان ذلك آفة والامام غير مأوف؟ فقال: اجلس يا فتح فإن لنا بالرسل أسوة كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، وكل جسم مغذو بهذا إلا الخالق الرازق لأنه جسم الأجسام وهو لم يجسم،، ولم يجزأ بتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرء من ذاته ما ركب في ذات من جسمه، الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منشئ الأشياء مجسم الأجسام، وهو السميع العليم، اللطيف الخبير، الرؤف الرحيم، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، لو كان كما يوصف لم يعرف الرب من المربوب، ولا الخالق من المخلوق، ولا المنشئ من المنشأ ولكنه فرق بينه وبين من جسمه، وشئ الأشياء إذ كان لا يشبهه شئ يرى، ولا يشبه شيئا.

الهوامش9

[١]كشف الغمة ج ٣ ص ١٧٦.ص 366

[٢]التوبة: ٧٥.ص 366

[٣]الأحزاب: ٦٦.ص 366

[٤]النساء: ٥٩.ص 366

[٥]النساء: ٨٣. بدون ما بين القوسين [6] النساء: 58.ص 366

[١]الأنبياء: ٧.ص 367

[2]أي النبي والوصي.ص 367

[1]الخلد - بالتحريك -: الضمير والباطن.ص 368

[2]قلى اللحم وغيره: أنضجه في المقلى. شايد مراد گندم بريان بأشد.ص 368

bihar-35696
الدرة الباهرة : قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه، الغنى قلة تمنيك والرضا بما يكفيك، والفقر شرة النفس وشدة القنوط، والراكب الحرون أسير نفسه والجاهل أسير لسانه، الناس في الدنيا بالأموال وفي الآخرة بالاعمال. وقال عليه السلام لشخص وقد أكثر من إفراط الثناء عليه:
Show clickable narrator chain

اقبل على ما شأنك فإن كثرة الملق يهجم على الظنة، وإذا حللت من أخيك في محل الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النية. المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان، العقوق ثكل من لم يثكل، الحسد ماحي الحسنات والدهر جالب المقت، والعجب صارف عن طلب العلم داع إلى الغمط والجهل، والبخل أذم الأخلاق، والطمع سجية سيئة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والعقوق يعقب القلة وتؤدى إلى الذلة.

الهوامش3

[3]مخطوط.ص 368

[4]الحرون الشموس معرب چموش.ص 368

[1]الغمط: احتقار الناس.ص 369

bihar-35697
اعلام الدين : قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. وقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

المقادير تريك ما لم يخطر ببالك. وقال عليه السلام: من أقبل مع... ولي مع انقضائه . وقال عليه السلام: راكب الحرون أسير نفسه، والجاهل أسير لسانه. وقال عليه السلام: الناس في الدنيا بالأموال وفي الآخرة بالاعمال. وقال عليه السلام: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلل العقدة والوثيقة، وأقل ما فيه أن يكون فيه المغالبة، والمغالبة أس أسباب القطيعة. وقال عليه السلام: العتاب مفتاح الثقال، والعتاب خير من الحقد. وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان. وقال يحيى بن عبد الحميد: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول لرجل ذم إليه ولدا له فقال: العقوق ثكل من لم يثكل. وقال عليه السلام: الهزل فكاهة السفهاء، وصناعة الجهال. وقال عليه السلام في بعض مواعظه: السهر ألذ للمنام، والجوع يزيد في طيب الطعام. (يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار). وقال عليه السلام: أذكر مصرعك بين يدي أهلك، ولا طبيب يمنعك، ولا حبيب ينفعك. وقال عليه السلام: أذكر حسرات التفريط بأخذ تقديم الحزم. وقال عليه السلام: الغضب على من تملك لؤم. وقال عليه السلام: الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة. وقال عليه السلام: خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح من العلم حامله، وشر من الشر جالبه، وأهول من الهول راكبه. وقال عليه السلام: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يعمل في عدوك. وقال عليه السلام: إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن يظن بأحد سوءا حتى يعلم ذلك منه، وإذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل فليس لأحد أن يظن بأحد خيرا ما لم يعلم ذلك منه. وقال عليه السلام للمتوكل في جواب كلام دار بينهما: لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه، ولا الوفاء لمن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك كقلبك له. وقال له وقد سأله عن العباس : ما تقول بنو أبيك فيه؟ فقال: ما يقولون في رجل فرض الله طاعته على الخلق وفرض طاعة العباس عليه. وقال عليه السلام: ألقوا النعم بحسن مجاورتها والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها، واعلموا أن النفس أقبل شئ لما أعطيت وأمنع شئ لما منعت. 29. * (باب) * * " (مواعظ أبى محمد العسكري عليهما السلام وكتبه إلى أصحابه) " * 1 - تحف العقول : قال عليه السلام: لا تمار فيذهب بهاؤك. ولا تمازح فيجترأ عليك.

الهوامش4

[2]مخطوط.ص 369

[3]فيه سقط.ص 369

[1]يعنى عباس بن عبد المطلب.ص 370

[2]التحف ص 486.ص 370

bihar-35698

وقال عليه السلام: من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله وملائكته يصلون عليه حتى يقوم.

bihar-35699

وكتب عليه السلام إلى رجل سأله دليلا: من سأل آية أو برهانا فاعطي ما سأل، ثم رجع عمن طلب منه الآية عذب ضعف العذاب. ومن صبر أعطي التأييد من الله. والناس مجبولون على حيلة إيثار الكتب المنشرة، نسأل الله السداد فإنما هو التسليم أو العطب ولله عاقبة الأمور.

الهوامش1

[1]أي من عادة الناس أن يكتبوا كتبا مزورة وينتشرونها. والعطب: الهلاك.ص 371

bihar-35700

وكتب إليه بعض شيعته يعرفه اختلاف الشيعة، فكتب عليه السلام: إنما خاطب الله العاقل. والناس في علي طبقات: المستبصر على سبيل نجاة، متمسك بالحق، متعلق بفرع الأصل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عني ملجأ. وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عند سكونه. وطبقة استحوذ عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق ودفع الحق بالباطل حسدا من عند أنفسهم. فدع من ذهب يمينا وشمالا، فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون سعي. وإياك والإذاعة وطلب الرئاسة، فإنهما يدعوان إلى الهلكة. [5 - وقال عليه السلام: من الذنوب التي لا تغفر: ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا . ثم قال عليه السلام: الاشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة .

الهوامش2

[2]أي قول الرجل المذنب ذلك إذا قيل له: لا تعص.ص 371

[3]المسح - بالكسر -: البلاس والتقيد بالأسود تأكيد في اخفائه وعدم رؤيته بخلاف ما إذا كان غير الأسود لأنه ربما يمكن أن يراه إذا كان أبيضا.ص 371

bihar-35701

وقال عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها.]

bihar-35702

وخرج في بعض توقيعاته عليه السلام عند اختلاف قوم من شيعته في أمره: ما مني أحد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في، فإن كان هذا الامر أمرا اعتقدتموه ودنتم به إلى وقت ثم ينقطع فللشك موضع. وإن كان متصلا ما اتصلت أمور الله فما معنى هذا الشك؟؟.

bihar-35703

وقال عليه السلام: حب الأبرار للأبرار ثواب للأبرار. وحب الفجار للأبرار فضيلة للأبرار. وبغض الفجار للأبرار زين للأبرار، وبغض الأبرار للفجار خزي على الفجار.

bihar-35704

وقال عليه السلام: من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس.

bihar-35705

وقال عليه السلام: من الجهل الضحك من غير عجب.

bihar-35706

وقال عليه السلام: من الفواقر التي تقصم الظهر جار إن رأى حسنة أخفاها وإن رأى سيئة أفشاها.

الهوامش1

[1]الفواقر: جمع فاقرة أي الداعية العظيمة فكأنها تكسر فقر الظهر.ص 372

bihar-35707

وقال عليه السلام لشيعته: أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه، وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات. احفظوا ما وصيتكم به، واستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام.

الهوامش1

[2]الضمير يرجع إلى المخالفين أو مطلق الناس. وفى المصدر كلها بضمير الخطاب.ص 372

bihar-35708

وقال عليه السلام: ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله.

bihar-35709

وقال عليه السلام: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا ويأكله غائبا، إن أعطي حسده، وإن ابتلي خانه

الهوامش1

[1]أطرا فلانا: أحسن الثناء عليه وبالغ في مدحه.ص 373

bihar-35710

وقال عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر.

bihar-35711

[وقال عليه السلام: لشيعته في سنة ستين ومائتين: أمرناكم بالتختم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم . والآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم إلى أن يظهر الله أمرنا وأمركم، فإنه من أدل دليل عليكم في ولايتنا - أهل البيت -. فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بين يديه ولبسوها في شمائلهم. وقال عليه السلام لهم: حدثوا بهذا شيعتنا.] 17 - وقال عليه السلام: أقل الناس راحة الحقود .

الهوامش2

[3]أي بينكم وفى جماعتكم.ص 373

[4]الحقود: الكثير الحقد.ص 373

bihar-35712

وقال عليه السلام: أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام على الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب.

bihar-35713

وقال عليه السلام: إنكم في آجال منقوصة، وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع، لا يسبق بطيئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من أعطي خيرا فالله أعطاه، ومن وقي شرا فالله وقاه.

bihar-35714

وقال عليه السلام: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر.

bihar-35715

وقال عليه السلام: قلب الأحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه.

bihar-35716

وقال عليه السلام: لا يشغلك رزق مضمون من عمل مفروض.

bihar-35717

وقال عليه السلام: من تعدى في طهوره كان كناقضه.

bihar-35718

وقال عليه السلام: ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذه به ذليل إلا عز.

bihar-35719

وقال عليه السلام: صديق الجاهل تعب.

bihar-35720

وقال عليه السلام: خصلتان ليس فوقهما تفسير العياشي: الايمان بالله ونفع الاخوان.

bihar-35721

وقال عليه السلام: جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في كبره.

bihar-35722

وقال عليه السلام: ليس من الأدب إظهار الفرح عند المحزون.

bihar-35723

وقال عليه السلام: خير من الحياة ما إذا فقدته بغضت الحياة، وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت الموت.

bihar-35724

وقال عليه السلام: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز.

bihar-35725

وقال عليه السلام: التواضع نعمة لا يحسد عليها.

bihar-35726

وقال عليه السلام: لا تكرم الرجل بما يشق عليه.

bihar-35727

وقال عليه السلام: من وعظ أخاه سرا فقد زانه. ومن وعظه علانية فقد شانه.

bihar-35728

وقال عليه السلام: ما من بلية إلا ولله فيها نعمة تحيط بها.

bihar-35729

وقال عليه السلام: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله.

bihar-35730

تحف العقول : كتابه عليه السلام إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري: سترنا الله وإياك بستره وتولاك في جميع أمورك بصنعه، فهمت كتابك يرحمك الله ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على أوليائنا ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم و نعتد بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم، فأتم الله عليك يا إسحاق وعلى من كان مثلك - ممن قد رحمه الله وبصره بصيرتك - نعمته. وقدر تمام نعمته دخول الجنة وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها مؤد شكرها، وأنا أقول الحمد لله أفضل ما حمده حامده إلى أبد الأبد بما من الله عليك من رحمته ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة. وأيم الله إنها لعقبة كؤود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، قديم في الزبر الأولى ذكرها. ولقد كانت منكم في أيام الماضي عليه السلام إلى أن مضى لسبيله وفي أيامي هذه أمور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولا مسددي التوفيق. فاعلم يقينا إسحاق أنه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. يا إسحاق ليس تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذا يقول: " رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ". وأي آية أعظم من حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده وشهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الأولين النبيين وآبائه الآخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته. فأين يتاه بكم وأين تذهبون كالانعام على وجوهكم، عن الحق تصدفون، وبالباطل تؤمنون، وبنعمة الله تكفرون، أو تكونون ممن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلا خزي في الحياة الدنيا وطول عذاب في الآخرة الباقية، وذلك والله الخزي العظيم. إن الله بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم بل رحمة منه - لا إله إلا هو - عليكم ليميز الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم، لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية وجعل لكم بابا تستفتحون به أبواب الفرائض ومفتاحا إلى سبيله، لولا محمد صلى الله عليه وآله والأوصياء من ولده لكنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض وهل تدخل مدينة إلا من بابها، فلما من عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم، قال الله في كتابه: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ففرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " واعلموا أن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء، لا إله إلا هو. ولقد طالت المخاطبة فيما هو لكم وعليكم. ولولا ما هو يحب الله من تمام النعمة من الله عليكم لما رأيتم لي خطا ولا سمعتم مني حرفا من بعد مضي الماضي عليه السلام وأنتم في غفلة مما إليه معادكم . ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبده وكتابي الذي حمله إليكم محمد بن موسى النيسابوري والله المستعان على كل حال. وإياكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين. فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ولم يقبل مواعظ أوليائه. فقد أمركم الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الامر، رحم الله ضعفكم وغفلتكم و صبركم على أمركم، فما أغر الانسان بربه الكريم، ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت قلقا وخوفا من خشية الله، ورجوعا إلى طاعة الله، اعملوا ما شئتم " فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. رجال الكشي : حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع فوقع عليه السلام: يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره إلى آخر الخبر مع تغيير وزيادات أوردتها في أبواب تاريخه عليه السلام.

الهوامش16

[1]التحف ص 484.ص 374

[2]هو ثقة من أصحاب أبي محمد العسكري عليه السلام وممن كانت ترد عليهم التوقيعات أيضا.ص 374

[١]في بعض النسخ " فأنا أقول ".ص 375

[٢]في بعض النسخ " وانها أيم الله ".ص 375

[٣]في بعض النسخ " يا ابن إسماعيل ".ص 375

[٤]طه: ١٢٦.ص 375

[5]تاه يتيه: ضل وذهب متحيرا.ص 375

[١]الحيارى - بالفتح والضم -: جمع حيران.ص 376

[٢]في بعض النسخ " قرية ".ص 376

[٣]المائدة: ٥.ص 376

[4]الشورى، 23.ص 376

[5]في بعض النسخ " معاذكم ".ص 376

[6]إبراهيم بن عبده ومحمد بن موسى النيسابوري كانا من أصحاب الهادي والعسكري عليهما السلام وروى الكشي - ره - بعض توقيعات في حقهما.ص 376

[1]في بعض النسخ " لصدعت ".ص 377

[2]اقتباس من الآية الواردة في سورة التوبة: 106.ص 377

[3]مختار رجال الكشي ص 481.ص 377

bihar-35731

الدرة الباهرة : قال أبو محمد العسكري عليه السلام: إن للسخاء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا، فإن زاد عليه فهو تهور. كفاك أدبا تجنبك ما تكره من غيرك، احذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا حزبت، خير إخوانك من نسي ذنبك إليه، أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته، حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن، من أنس بالله استوحش من الناس، من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله، جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب، إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودعوها. اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره، من أكثر المنام رأى الأحلام (الظاهر أنه عليه السلام يعني أن طلب الدنيا كالنوم وما يصير منها كالحلم). وقال عليه السلام: الجهل خصم والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلب من لم يجرعه الحلم غصص الغيظ. إذا كان المقضي كائنا فالضراعة لماذا؟ نائل الكريم يحببك إليه ونائل اللئيم يضعك لديه، من كان الورع سجيته، والافضال حليته انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه، وتحصن بالذكر الجميل من وصول نقص إليه. وقال بعض الثقات: وجدت بخطه عليه السلام مكتوبا على ظهر كتاب: قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية، ونورنا السبع الطرائق بأعلام الفتوة، فنحن ليوث الوغى، وغيوث الندى، وفينا السيف والقلم في العاجل، ولواء الحمد والعلم في الأجل، وأسباطنا خلفاء الدين وحلفاء اليقين، ومصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، فالكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة وشيعتنا الفئة الناجية، والفرقة الزاكية، صاروا لنا ردءا وصونا وعلى الظلمة إلبا وعونا، وسينفجر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النيران لتمام الطواوية والطواسين من السنين.

الهوامش2

[4]مخطوط.ص 377

[1]كذا. والصاقورة: السماء الثالثة. وباطن القحف المشرف على الدماغ والمراد الأول. والباكورة: أول ما يدرك من الفاكهة، وأول كل شئ.ص 378

bihar-35732

أعلام الدين : قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: من مدح غير المستحق فقد قام مقام المتهم. وقال عليه السلام: لا يعرف النعمة إلا الشاكر، ولا يشكر النعمة إلا العارف. وقال عليه السلام: ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا. واعلم أن الالحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه فما أقرب الصنيع من الملهوف، والامن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع من أدب الله، والحظوظ مراتب، فلا تعجل على ثمرة لم تدرك، وإنما تنالها في أوانها، واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها، فيضيق قلبك وصدرك ويخشاك القنوط، واعلم أن للسخاء مقدارا، فان زاد عليه فهو سرف، وأن للحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو تهور، واحذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا خربت. وقال عليه السلام: خير إخوانك من نسي ذنبك وذكر إحسانك إليه. وقال عليه السلام: أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته. وقال عليه السلام: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال عليه السلام: أولى الناس بالمحبة منهم من أملوه. وقال عليه السلام: من آنس بالله استوحش الناس، وعلامة الانس بالله الوحشة من الناس. وقال عليه السلام: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال عليه السلام: إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودعوها. وقال عليه السلام: اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره. وقال عليه السلام: الجهل خصم، والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلوب من لم يجرعه الحلم غصص الصبر والغيظ. وقال عليه السلام: من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة. وقال عليه السلام: المقادير الغالبة لا تدفع بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا تنال بالشره، ولا تدفع بالامساك عنها. وقال عليه السلام: نائل الكريم يحببك إليه ويقربك منه، ونائل اللئيم يباعدك منه ويبغضك إليه. وقال عليه السلام: من كان الورع سجيته، والكرم طبيعته، والحلم خلته كثر صديقه، والثناء عليه، وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه. وقال عليه السلام: السهر ألذ للمنام والجوع أزيد في طيب الطعام. (رغب به عليه السلام على صوم النهار وقيام الليل). وقال عليه السلام: إن الوصول إلى الله عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل. من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي. وقال عليه السلام للمتوكل: لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه فإنما قلب غيرك لك كقلبك له. 30. * (باب) * * " (مواعظ القائم عليه السلام وحكمه) " * 1 - الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة: مما كتبه عليه السلام جوابا لإسحاق بن يعقوب إلى العمري - رحمه الله - أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكل فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث، وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب، وإني أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء. 31. * (باب) * (وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة) 1 - تحف العقول : أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. اتقوا الله وقولوا قولا معروفا. وابتغوا رضوان الله واخشوا سخطه. وحافظوا على سنة الله ولا تتعدوا حدود الله. وراقبوا الله في جميع أموركم. وارضوا بقضائه فيما لكم وعليكم. ألا وعليكم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ألا ومن أحسن إليكم فزيدوه إحسانا واعفوا عمن أساء إليكم. وافعلوا بالناس ما تحبون أن يفعلوه بكم. ألا وخالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه وإنكم أحرى أن لا تجعلوا عليكم سبيلا. عليكم بالفقه في دين الله والورع عن محارمه وحسن الصحابة لمن صحبكم برا كان أو فاجرا. ألا وعليكم بالورع الشديد، فإن ملاك الدين الورع. صلوا الصلوات لمواقيتها وأدوا الفرائض على حدودها. ألا ولا تقصروا فيما فرض الله عليكم وبما يرضى عنكم، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " تفقهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". وعليكم بالقصد في الغنى والفقر. واستعينوا ببعض الدنيا على الآخرة، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " استعينوا ببعض هذه على هذه ولا تكونوا كلا على الناس ". عليكم بالبر بجميع من خالطتموه وحسن الصنيع إليه. ألا وإياكم والبغي، فإن أبا عبد الله عليه السلام كان يقول: " إن أسرع الشر عقوبة البغي ". أدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والصوم وسائر فرائض الله وأدوا الزكاة المفروضة إلى أهلها فإن أبا عبد الله عليه السلام قال: " يا مفضل قل لأصحابك: يضعون الزكاة في أهلها وإني ضامن لما ذهب لهم ". عليكم بولاية آل محمد صلى الله عليه وآله. أصلحوا ذات بينكم ولا يغتب بعضكم بعضا. تزاوروا وتحابوا وليحسن بعضكم إلى بعض. وتلاقوا وتحدثوا ولا يبطنن بعضكم عن بعض وإياكم والتصارم وإياكم والهجران فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " والله لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران إلا برئت من أحدهما ولعنته وأكثر ما أفعل ذلك بكليهما، فقال له معتب : جعلت فداك هذا الظالم فما بال المظلوم؟ قال: لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، سمعت أبي وهو يقول: " إذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الاخر فليرجع المظلوم إلي صاحبه حتى يقول له: يا أخي أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما، إن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم ". لا تحقروا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد عليهم السلام وألطفوهم وأعطوهم من الحق الذي جعله الله لهم في أموالكم وأحسنوا إليهم. لا تأكلوا الناس بآل محمد، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا، فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا، فسيحشرهم الله إلى النار. وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملأ الله بطونهم نارا يسلط عليهم الجوع والعطش. وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فأولئك منا ونحن منهم " ولا تدعوا صلة آل محمد عليهم السلام من أموالكم: من كان غنيا فبقدر غناه ومن كان فقيرا فبقدر فقره، فمن أراد أن يقضي الله له أهم الحوائج إليه فليصل آل محمد وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله. لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم. ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به، فإن المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به. وقال أبو عبد الله عليه السلام مرة وأنا معه: يا مفضل كم أصحابك؟ فقلت: وقليل، فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت علي الشيعة فمزقوني كل ممزق: يأكلون لحمي ويشتمون عرضي حتى أن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي وبعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي، ورموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله عليه السلام، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أول ما استقبلني به بعد تسليمه علي أن قال، يا مفضل ما هذا الذي بلغني أن هؤلاء يقولون لك وفيك؟ قلت: وما علي من قولهم، قال: " أجل بل ذلك عليهم، أيغضبون بؤس لهم، إنك قلت: إن أصحابك قليل. لا والله ما هم لنا شيعة ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزوا منه، لقد وصف الله شيعتنا بغير ما هم عليه، وما شيعة جعفر إلا من كف لسانه وعمل لخالقه ورجا سيده وخاف الله حق خيفته، ويحهم أفيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة؟ أو قد صار كالتائه من شدة الخوف، أو كالضرير من الخشوع، أو كالضني من الصيام، أو كالأخرس من طول الصمت والسكوت، أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام وأدأب نهاره من الصيام، أو منع نفسه لذات الدنيا ونعيمها خوفا من الله وشوقا إلينا - أهل البيت - أنى يكونون لنا شيعة وإنهم ليخاصمون عدونا فينا حتى يزيدوهم عداوة وانهم ليهرون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب، أما إني لولا أنني أتخوف عليهم أن أغريهم بك لامرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ولكن إن جاؤوك فاقبل منهم، فإن الله قد جعلهم حجة على أنفسهم واحتج بهم على غيرهم ". لا تغرنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها وملكها فإنها لا تصلح لكم، فوالله ما صلحت لأهلها. 32. * (باب) * * " (قصة بلوهر ويوذاسف) " * 1 - إكمال الدين عن أبي علي أحمد بن الحسن القطان عن الحسن بن علي العسكري قال: حدثنا محمد بن زكريا أن ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند، واسع المملكة، مهيبا في أنفس الناس، مظفرا علي الأعداء، وكان مع ذلك عظيم النهمة في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها، مؤثرا لهواه، مطيعا له، وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه، وأبغض الناس إليه و أغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنه وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس و ضبطهم، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له، وخضع له كل صعب وذلول، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان، والشهوة والعجب، ثم قوي ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته، وانقياد الناس له، فاستطال على الناس واحتقرهم، ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده، فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا إلا ناله، غير أنه كان مئناثا لا يولد له ذكر، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه وقرب أهل الأوثان، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة، وفضلهم و شرفهم، وسجد لأصنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد أن يستعين به على بعض أموره ويحبوه ويكرمه، فقيل له أيها الملك إنه قد خلع الدنيا وخلي منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك، و شق عليه، ثم إنه أرسل إليه فأوتي به، فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم ويقابله المذكار وهي التي تلد الذكور كثيرا. زبره وشتمه وقال له: بينا أنت من عبيدي وعيون أهل مملكتي ووجههم وأشرافهم إذ فضحت نفسك وضيعت أهلك ومالك واتبعت أهل البطالة والخسارة حتى صرت ضحكة ومثلا، وقد كنت أعددتك لمهم أموري، والاستعانة بك على ما ينوبني، فقال له: أيها الملك إن لم يكن لي عليك حق فلعقلك عليك حق، فاستمع قولي بغير غضب، ثم ائمر بما بدا لك بعد الفهم والتثبيت، فإن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول ما بين صاحبه وبين الفهم، قال له الملك: قل ما بدا لك. قال الناسك: فإني أسألك أيها الملك أفي ذنبي على نفسي عتبت علي أم في ذنب مني إليك سالف؟. قال الملك: إن ذنبك إلى نفسك أعظم الذنوب عندي، وليس كلما أراد رجل من رعيتي أن يهلك نفسه أخلي بينه وبين ذلك، ولكني أعد إهلاكه لنفسه كإهلاكه لغيره ممن أنا وليه والحاكم عليه وله، فأنا أحكم عليك لنفسك وآخذ لها منك إذ ضيعت أنت ذلك، فقال له الناسك: أراك أيها الملك لا تأخذني إلا بحجة ولا نفاذ لحجة إلا عند قاض، وليس عليك من الناس قاض، لكن عندك قضاة وأنت لأحكامهم منفذ، وأنا ببعضهم راض، ومن بعضهم مشفق. قال الملك: وما أولئك القضاة، قال: أما الذي أرضى قضاءه فعقلك، وأما الذي أنا مشفق منه فهواك، قال الملك: قل ما بدا لك وأصدقني خبرك ومتى كان هذا رأيك؟ ومن أغواك؟ قال: أما خبري فإني كنت سمعت كلمة في حداثة سني وقعت في قلبي فصارت كالحبة المزروعة ثم لم تزل تنمي حتى صارت شجرة إلى ما ترى، وذلك؟ أني كنت قد سمعت قائلا يقول: يحسب الجاهل الامر الذي هو لا شئ شيئا والامر الذي هو الشئ لا شئ، ومن لم يرفض الامر الذي هو لا شئ لم ينل الامر الذي هو شئ، ومن لم يبصر الامر الذي هو الشئ لم تطب نفسه برفض الامر الذي هو لا شئ، والشئ هو الآخرة، ولا شئ هو الدنيا، فكان لهذه الكلمة عندي قرار لأني وجدت الدنيا حياتها موتا وغناها فقرا، وفرحها ترحا، وصحتها سقما، و قوتها ضعفا، وعزها ذلا، وكيف لا تكون حياتها موتا، وإنما يحيى فيها صاحبها ليموت، وهو من الموت على يقين، ومن الحياة على قلعة، وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس أصيب أحد منها شيئا إلا احتاج لذلك الشئ إلى شئ آخر يصلحه و إلى أشياء لا بدله منها. ومثل ذلك أن الرجل ربما يحتاج إلى دابة فإذا أصابها احتاج إلى علفها وقيمها ومربطها وأدواتها، ثم احتاج لكل شئ من ذلك إلى شئ آخر يصلحه، وإلى أشياء لا بدله منها، فمتى تنقضي حاجة من هو كذلك وفاقته؟ وكيف لا يكون فرحها ترحا وهي مرصدة لكل من أصاب منها قرة أعين أن يرى من ذلك الامر بعينه أضعافه من الحزن، إن رأى سرورا في ولده فما ينتظر من الأحزان في موته وسقمه وجايحة إن أصابته أعظم من سروره به، وإن رأى السرور في مال فما يتخوف من التلف أن يدخل عليه أعظم من سروره بالمال، فإذا كان الامر كذلك فأحق الناس بأن لا يتلبس بشئ منها من عرف هذا منها، وكيف لا يكون صحتها سقما وإنما صحتها من أخلاطها وأصح أخلاطها وأقربها من الحياة الدم، وأظهر ما يكون الانسان دما أخلق ما يكون صاحبه بموت الفجأة، والذبحة والطاعون والاكلة والبرسام، وكيف لا تكون قوتها ضعفا وإنما تجمع القوى فيها ما يضره ويوبقه، وكيف لا يكون عزها ذلا ولم ير فيها عز قط إلا أورث أهلها ذلا طويلا، غير أن أيام الغر قصيرة، وأيام الذل طويلة، فأحق الناس بذم الدنيا من بسطت له الدنيا فأصاب حاجته منها، فهو يتوقع كل يوم وليلة وساعة وطرفة عين أن يعدى على ماله فيحتاج، وعلى حميمه فيختطف، وعلى جمعه فينهب، وأن يؤتى بنيانه من القواعد فيهدم، وأن يدب الموت إلى جسده فيستأصل ويفجع بكل ما هو به ضنين. فأذم إليك أيها الملك الدنيا الآخذة ما تعطي، والمورثة بعد ذلك التبعة، السالبة لمن تكسو، والمورثة بعد ذلك العرى، المواضعة لمن ترفع، والمورثة بعد ذلك الجزع، التاركة لمن يعشقها، والمورثة بعد ذلك الشقوة، المغوية لمن أطاعها واغتر بها، الغدارة بمن ائتمنها وركن إليها، هي المركب القموص والصاحب الخؤون، والطريق الزلق، والمهبط المهوي، هي المكرمة التي لا تكرم أحدا إلا أهانته، المحبوبة التي لا تحب أحدا، الملزومة التي لا تلزم أحدا، يوفى لها وتغدر، ويصدق لها وتكذب، وينجز لها وتخلف، هي المعوجة لمن استقام بها، المتلاعبة بمن استمكنت منه، بينا هي تطعمه إذ حولته مأكولا، وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادما، وبينا هي تضحكه إذ ضحكت منه، وبينا هي تشتمه إذ شتمت منه وبينا هي تبكيه إذا بكت عليه، وبينا هي قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته، وبينا هو فيها مكرم إذ أهانته، وبينا هو فيها معظم إذ صار محقورا، وبينا هو فيها رفيع إذ وضعته، وبينا هي له مطيعة إذ عصته، وبينا هو فيها مسرور إذ أخزنته، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته، وبينا هو فيها حي إذ أماتته. فأف لها من دار إذ كان هذا فعالها، وهذه صفتها، تضع التاج على رأسه غدوة وتعفر خده بالتراب عشية، وتجعلها في الأغلال غدوة [تحلى الأيدي بأسورة الذهب عشية، وتجعلها في الأغلال غدوة - خ ل] وتقعد الرجل على السرير غدوة، وترمي به في السجن عشية، تفرش له الديباج عشية، وتفرش له التراب غدوة، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية تحبب إلى أهله قربه عشية وتحبب إليهم بعده غدوة، تطيب ريحه غدوة وتنتن ريحه عشية، فهو متوقع لسطواتها، غير ناج من فتنتها وبلائها، تمتع نفسه من أحاديثها وعينه من أعاجيبها، ويده مملؤة من جمعها، ثم تصبح الكف صفرا، والعين هامدة، ذهب ما ذهب، وهوى ما هوى، وبادماباد، وهلك ما هلك، تجد في كل من كل خلفا، وترضى بكل من كل بدلا، تسكن دار كل قرن قرنا، وتطعم سؤر كل قوم قوما، تقعد الأراذل مكان الأفاضل، والعجزة مكان الحزمة تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب ، ومن الرجلة إلى المركب ومن البؤس إلى النعمة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الشقاء إلى الخفض والدعة، حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب، ونزعت منهم القوة، فعادوا إلى أبأس البؤس، وأفقر الفقر، وأجدب الجدب. فأما قولك أيها الملك في إضاعة الأهل وتركهم فإني لم أضيعهم، ولم أتركهم، بل وصلتهم وانقطعت إليهم، ولكني كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الأهل من الغرباء، ولا الأعداء من الأولياء، فلما انجلى عني السحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة، واستنبت الأعداء من الأولياء، والأقرباء من الغرباء، فإذا الذين كنت أعدهم أهلين وأصدقاء وإخوانا وخلطاء إنما هم سباع ضارية لا همة لهم إلا أن تأكلني وتأكل بي، غير أن اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوة، فمنهم كالأسد في شدة السورة ومنهم كالذئب في الغارة والنهبة، ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة، ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة، فالطرق واحدة والقلوب مختلفة. فلو أنك أيها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك، وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك، نظرت في أمرك عرفت أنك وحيد فريد، ليس معك أحد من جميع أهل الأرض، وذلك أنك قد عرفت أن عامة الأمم عدو لك، وأن هذه الأمة التي أوتيت الملك عليها كثيرة الحسد من أهل العداوة والغش لك الذين هم أشد عداوة لك من السباع الضارية، وأشد حنقا عليك من كل الأمم الغريبة، وإذا صرت إلى أهل طاعتك ومعرفتك وقرابتك وجدت لهم قوما يعملون عملا بأجر معلوم، يحرصون مع ذلك أن ينقصوك من العمل فيزدادوك من الاجر، وإذا صرت إلى أهل خاصتك وقرابتك صرت إلى قوم جعلت كدك وكدحك ومهنأك وكسبك لهم، فأنت تؤدي إليهم كل يوم الضريبة، وليس كلهم وإن وزعت بينهم جميع كدك عنك براض فإن أنت حبست عنهم ذلك فليس منهم البتة براض، أفلا ترى أنك أيها الملك وحيد لا أهل لك ولا مال. فأما أنا فإن لي أهلا ومالا وإخوانا وأخواتا وأولياء، لا يأكلوني، ولا يأكلون بي، يحبوني وأحبهم، فلا يفقد الحب بيننا، ينصحوني وأنصحهم فلا غش بيننا، ويصدقوني وأصدقهم فلا تكاذب بيننا، ويوالوني وأواليهم فلا عداوة بيننا، ينصروني وأنصرهم فلا تخاذل بيننا، يطلبون الخير الذي إن طلبته معهم لم يخافوا أن أغلبهم عليه أو أستأثر به دونهم، فلا فساد بيننا ولا تحاسد، يعملون لي وأعمل لهم بأجور لا تنفد ولا يزال العمل قائما بيننا، هم هداتي إن ضللت، ونور بصري إن عميت، وحصني إن اتيت، ومجني أن رميت وأعواني إذا فزعت، وقد تنزهنا عن البيوت والمخاني فلا يزيدها وتركنا الذخاير والمكاسب لأهل الدنيا فلا تكاثر بيننا، ولا تباغي، ولا تباغض، ولا تفاسد، ولا تحاسد، ولا تقاطع، فهؤلاء أهلي أيها الملك وإخواني وأقربائي وأحبائي، أحببتهم وانقطعت إليهم، وتركت الذين كنت أنظر إليهم بالعين المسحورة لما عرفتهم، والتمست السلامة منهم. فهذه الدنيا أيها الملك التي أخبرتك أنها لا شئ فهذا نسبها وحسبها ومسيرها إلى ما قد سمعت، قد رفضتها لما عرفتها، وأبصرت الامر الذي هو الشئ فإن كنت تحب أيها الملك أن أصف لك ما أعرف عن أمر الآخرة التي هي الشئ فاستعد إلى السماع، تسمع غير ما كنت تسمع به من الأشياء. فلم يزده الملك عليه إلا أن قال له: كذبت لم تصب شيئا، ولم تظفر إلا بالشقاء والعناء، فاخرج ولا تقيمن في شئ من مملكتي، فإنك فاسد مفسد. وولد للملك في تلك الأيام بعد إياسه من الذكور غلام لم ير الناس مولودا مثله قط حسنا وجمالا وضياء، فبلغ السرور من الملك مبلغا عظيما كاد يشرف منه على هلاك نفسه من الفرح، وزعم أن الأوثان التي كان يعبدها هي التي وهبت له الغلام، فقسم عامة ما كان في بيوت أمواله على بيوت أوثانه، وأمر الناس بالاكل والشرب سنة وسمى الغلام يوذاسف، وجمع العلماء والمنجمين لتقويم ميلاده، فرفع المنجمون إليه أنهم يجدون الغلام يبلغ من الشرف والمنزلة مالا يبلغه أحد قط في أرض الهند، واتفقوا على ذلك جميعا، غير أن رجلا قال: ما أظن الشرف والمنزلة والفضل الذي وجدناه يبلغه هذا الغلام إلا شرف الآخرة ولا أحسبه إلا أن يكون إماما في الدين والنسك وذا فضيلة في درجات الآخرة لأني أرى الشرف الذي تبلغه ليس يشبه شيئا من شرف الدنيا وهو شبيه بشرف الآخرة. فوقع ذلك القول من الملك موقعا كاد أن ينغصه سروره بالغلام، وكان المنجم الذي أخبره بذلك من أوثق المنجمين في نفسه وأعلمهم وأصدقهم عنده، وأمر الملك للغلام بمدينة فأخلاها وتخير له من الظؤرة والخدم كل ثقة وتقدم إليهم أن لا يذكر فيما بينهم موت ولا آخرة ولا حزن ولا مرض ولا فناء حتى تعتاد ذلك ألسنتهم وتنساه قلوبهم، وأمرهم إذا بلغ الغلام أن لا ينطقوا عنده بذكر شئ مما يتخوفونه عليه خشية أن يقع في قلبه منه شئ فيكون ذلك داعية إلى اهتمامه بالدين والنسك، وأن يتحفظوا ويتحرزوا من ذلك، ويتفقد بعضهم من بعض، وازداد الملك عند ذلك حنقا على النساك مخافة على ابنه. وكان لذلك الملك وزير قد كفل أمره وحمل عنه مؤونة سلطانه، وكان لا يخونه ولا يكذبه ولا يكتمه، ولا يؤثر عليه، ولا يتوانى في شئ من علمه، ولا يضيعه، وكان الوزير مع ذلك رجلا لطيفا طلقا معروفا بالخير يحبه الناس ويرضون به إلا أن أحباء الملك وأقربائه كانوا يحسدونه، ويبغون عليه، ويستثقلون بمكانه. ثم إن الملك خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه ذلك الوزير فأتى به في شعب من الشعاب على رجل قد أصابته زمانة شديدة في رجليه، ملقى في أصل شجرة لا يستطيع براحا فسأله الوزير عن شأنه فأخبره أن السباع أصابته، فرق له الوزير فقال له الرجل: ضمني إليك واحملني إلى منزلك فإنك تجد عندي منفعة فقال الوزير: إني لفاعل وإن لم أجد عندك منفعة، ولكن يا هذا ما المنفعة التي تعدينها، هل تعمل عملا أو تحسن شيئا؟ فقال الرجل: نعم أنا أرتق الكلام فقال، وكيف ترتق الكلام؟ قال: إذا كان فيه فتق أرتقه حتى لا يجيئ من قبله فساد، فلم ير الوزير قوله شيئا، وأمر بحمله إلى منزله وأمر له بما يصلحه حتى إذ كان بعد ذلك احتال أحباء الملك للوزير وضربوا له الأمور ظهرا وبطنا فاجمع رأيهم على أن دسوا رجلا منهم إلى الملك، فقال له: أيها الملك إن هذا الوزير يطمع في ملكك أن يغلب عليه عقبك من بعدك فهو يصانع الناس على ذلك، ويعمل عليه دائبا، فإن أردت أن تعلم صدق ذلك فأخبره أنه قد بدا لك أن ترفض الملك وتلحق بالنساك، فإنك سترى من فرحه بذلك ما تعرف به أمره، وكان القوم قد عرفوا من الوزير رقة عند ذكر فناء الدنيا والموت ولينا للنساك وحبا لهم فعملوا فيه من الوجه الذي ظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم منه، فقال الملك: لئن هجمت منه على هذا لم أسأل عما سواه، فلما أن دخل عليه الوزير قال له الملك: إنك قد عرفت حرصي على الدنيا وطلب الملك وإني ذكرت ما مضى من ذلك فلم أجد معي منه طائلا، وقد عرفت أن الذي بقي منه كالذي مضى فإنه يوشك أن ينقضي ذلك كله بأجمعه فلا يصير في يدي منه شئ، وأنا أريد أن أعمل في حال الآخرة عملا قويا على قدر ما كان من عملي في الدنيا وقد بدا لي أن الحق بالنساك واخلي هذا العمل لأهله فما رأيك؟ قال: فرق الوزير لذلك رقة شديدة حتى عرف الملك ذلك منه، ثم قال: أيها الملك إن الباقي وإن كان عزيزا لأهل أن يطلب وإن الفاني وإن استمكنت منه لأهل أن يرفض ونعم الرأي رأيت، وإني لأرجو أن يجمع الله لك مع الدنيا شرف الآخرة، قال: فكبر ذلك على الملك ووقع منه كل موقع ولم يبدله شيئا غير أن الوزير عرف الثقل في وجهه فانصرف إلى أهله كئيبا حزينا لا يدري من أين أتي ولا من دهاه ولا يدري ما دواء الملك فيما استنكر عليه فسهر لذلك عامة الليل، ثم ذكر الرجل الذي زعم أنه يرتق الكلام فأرسل إليه فاتي به فقال له: إنك كنت ذكرت لي ذكرا من رتق الكلام فقال الرجل أجل فهل احتجت إلى شئ من ذلك؟ فقال الوزير: نعم أخبرك أني صحبت هذا الملك قبل ملكه ومنذ صار ملكا فلم أستنكره فيما بيني وبينه قط لما يعرفه من نصيحتي وشفقتي وإيثاري إياه على نفسي وعلى جميع الناس، حتى إذا كان هذا اليوم استنكرته استنكارا شديدا لا أظن خيرا عنده بعده، فقال له الراتق: هل لذلك سبب أو علة، قال الوزير: نعم دعاني أمس وقال لي كذا وكذا فقلت له كذا وكذا، فقال: من ههنا جاء الفتق وأنا أرتقه إن شاء الله. إعلم أن الملك قد ظن أنك تحب أن ينجلي هو عن ملكه وتخلفه أنت فيه فإذا كان عند الصبح فاطرح عنك ثيابك وحليتك وألبس أوضع ما تجده من ذي النساك واشهره ثم احلق رأسك وامض على وجهك إلى باب الملك فإن الملك سيدعو بك ويسألك عن الذي صنعت فقل له: هذا الذي دعوتني إليه ولا ينبغي لاحد أن يشير على صاحبه بشئ إلا واساه فيه وصبر عليه، وما أظن الذي دعوتني إليه إلا خيرا مما نحن فيه، فقم إذا بدا لك، ففعل الوزير ذلك فتخلى عن نفس الملك ما كان فيها عليه. ثم أمر الملك بنفي النساك من جميع بلاده وتوعدهم بالقتل، فجدوا في الهرب والاستخفاء، ثم إن الملك خرج ذات يوم متصيدا فوقع بصره على شخصين من بعيد فأرسل إليهما فاتي بهما فإذا هما ناسكان فقال لهما: ما بالكما لن تخرجا من بلادي قالا: قد أتتنا رسلك ونحن على سبيل الخروج، قال: ولم خرجتما راجلين، قالا: لأنا قوم ضعفاء ليس لنا دواب ولا زاد ولا نستطيع الخروج إلا بالتقصير، قال الملك: إن من خاف الموت أسرع بغير دابة، ولا زاد فقالا له: إنا لا نخاف الموت بل لا ننظر قرة عين في شئ من الأشياء إلا فيه. قال الملك: وكيف لا تخافان الموت وقد زعمتما أن رسلنا لما أتتكم وأنتم على سبيل الخروج أفليس هذا هو الهرب من الموت؟ قالا: إن الهرب من الموت ليس من الفرق فلا تظن أنا فرقناك ولكنا هربنا من أن يعينك على أنفسنا، فأسف الملك وأمر بهما أن يحرقا بالنار، وأذن في أهل مملكته بأخذ النساك وتحريقهم بالنار فتجرد رؤساء عبدة الأوثان في طلبهم وأخذوا منهم بشرا كثيرا وأحرقوهم بالنار، فمن ثم صار التحريق سنة باقية في أرض الهند، وبقي في جميع تلك الأرض قوم قليل من النساك كرهوا الخروج من البلاد، واختاروا الغيبة والاستخفاء ليكونوا دعاة وهداة لمن وصلوا إلى كلامه. فنبت ابن الملك أحسن نبات في جسمه وعقله وعلمه ورأيه، ولكنه لم يؤخذ بشئ من الآداب إلا بما يحتاج إليه الملوك مما ليس فيه ذكر موت ولا زوال ولا فناء واوتى الغلام من العلم والحفظ شيئا كان عند الناس من العجائب، وكان أبوه لا يدري أيفرح بما أوتي ابنه من ذلك أو يحزن له لما يتخوف عليه أن يدعوه ذلك إلى ما قيل فيه. فلما فطن الغلام بحصرهم إياه في المدينة ومنعهم إياه من الخروج والنظر والاستماع وتحفظهم عليه ارتاب لذلك وسكت عنه وقال في نفسه هؤلاء أعلم بما يصلحني مني حتى إذا ازداد بالسن والتجربة علما قال: ما أرى لهؤلاء علي فضلا وما أنا بحقيق أن أقلدهم أمري، فأراد أن يكلم أباه إذا دخل عليه ويسأله عن سبب حصره إياه، ثم قال: ما هذا الامر إلا من قبله وما كان ليطلعني عليه ولكني حقيق أن ألتمس علم ذلك من حيث أرجو إدراكه، وكان في خدمه رجل كان ألطفهم به وأرأفهم به، وكان الغلام إليه مستأنسا فطمع الغلام في إصابة الخبر من قبل ذلك الرجل فازداد له ملاطفة وبه استيناسا، ثم إن الغلام واضعه الكلام في بعض الليل باللين وأخبره أنه بمنزلة والده وأولى الناس به، ثم أخذه بالترغيب والترهيب وقال له: إني لأظن هذا الملك سائر لي بعد والدي وأنت فيه سائر أحد رجلين إما أعظم الناس فيه منزلة وإما أسوء الناس حالا، قال له الحاضن وبأي شئ أتخوف في ملكك سوء الحال قال: بأن تكتمني اليوم أمرا أفهمه غدا من غيرك، فأنتقم منك بأشد ما أقدر عليك، فعرف الحاضن منه الصدق وطمع منه في الوفاء فأفشى إليه خبره، والذي قال المنجمون لأبيه، والذي حذر أبوه من ذلك، فشكر له الغلام ذلك وأطبق عليه حتى إذا دخل عليه أبوه. قال: يا أبه إني وإن كنت صبيا فقد رأيت في نفسي واختلاف حالي أذكر من ذلك ما أذكر وأعرف بمالا أذكر منه ما أعرف وأنا أعرف أني لم أكن على هذا المثال وأنك لم تكن على هذه الحال، ولا أنت كائن عليها إلى الأبد وسيغيرك الدهر عن حالك هذه، فلئن كنت أردت أن تخفي عني أمر الزوال فما خفي علي ذلك، ولئن كنت حبستني عن الخروج وحلت بيني وبين الناس لكيلا تتوق نفسي إلى غير ما أنا فيه لقد تركتني بحصرك إياي، وإن نفسي لقلقة مما تحول بيني وبينه حتى مالي هم غيره، ولا أردت سواه، حتى لا يطمئن قلبي إلى شئ مما أنا فيه ولا أنتفع به ولا آلفه، فخل عني وأعلمني بما تكره من ذلك وتحذره حتى أجتنبه وأوثر موافقتك ورضاك على ما سواهما. فلما سمع الملك ذلك من ابنه على أنه قد علم ما الذي يكرهه وأنه من حبسه وحصره لا يزيده إلا إغراء وحرصا على ما يحال بينه وبينه، فقال: يا بني ما أردت بحصري إياك إلا أن انحي عنك الأذى، فلا ترى إلا ما يوافقك ولا تسمع إلا ما يسرك، فأما إذا كان هواك في غير ذلك فإن آثر الأشياء عندي ما رضيت وهويت. ثم أمر الملك أصحابه أن يركبوه في أحسن زينة وأن ينحوا عن طريقه كل منظر قبيح، وأن يعدوا له المعازف والملاهي ففعلوا ذلك، فجعل بعد ركبته تلك يكثر الركوب، فمر ذات يوم على طريق قد غفلوا عنه فأتى على رجلين من السؤال أحدهما قد تورم وذهب لحمه، واصفر جلده، وذهب ماء وجهه، وسمج منظره، والاخر أعمى يقوده قائد، فلما رأى ذلك اقشعر منهما وسأل عنهما فقيل له: إن هذا المورم من سقم باطن، وهذا الأعمى من زمانة، فقال ابن الملك: وإن هذا البلاء ليصيب غير واحد؟ قالوا: نعم فقال: هل يأمن أحد من نفسه أن يصيبه مثل هذا؟ قالوا: لا، وانصرف يومئذ مهموما ثقيلا محزونا باكيا مستخفا بما هو فيه من ملكه وملك أبيه فلبث بذلك أياما. ثم ركب ركبة فأتى في مسيره على شيخ كبير قد انحنى من الكبر، وتبدل خلقه، وابيض شعره، واسود لونه، وتقلص جلده ، وقصر خطوه فعجب منه وسأل عنه، فقالوا: هذا الهرم، فقال: وفي كم يبلغ الرجل ما أرى؟ قالوا: في مائة سنة أو نحو ذلك، وقال: فما وراء ذلك؟ قالوا: الموت، قال: فما يخلى بين الرجل وبين ما يريد من المدة؟ قالوا: لا وليصيرن إلى هذا في قليل من الأيام، فقال: الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا وانقضاء العمر مائة سنة فما أسرع اليوم في الشهر، وما أسرع الشهر في السنة، وما أسرع السنة في العمر فانصرف الغلام، وهذا كلامه يبديه ويعيده مكررا له. ثم سهر ليلته كلها وكان له قلب حي ذكي وعقل لا يستطيع معه نسيانا ولا غفلة، فعلاه الحزن والاهتمام فانصرف نفسه عن الدنيا وشهواتها وكان في ذلك يداري أباه ويتلطف عنده وهو مع ذلك قد أصغى بسمعه إلى كل متكلم بكلمة طمع أن يسمع شيئا يدله على غير ما هو فيه، وخلا بحاضنه الذي كان أفضى إليه بسره، فقال له: هل تعرف من الناس أحدا شأنه غير شأننا، قال: نعم قد كان قوم يقال لهم: النساك، رفضوا الدنيا وطلبوا الآخرة، ولهم كلام، وعلم لا يدرى ما هو، غير أن الناس عادوهم وأبغضوهم وحرقوهم ونفاهم الملك عن هذه الأرض، فلا يعلم اليوم ببلادنا منهم أحد فإنهم قد غيبوا أشخاصهم ينتظرون الفرج، وهذه سنة في أولياء الله قديمة يتعاطونها في دول الباطل، فاغتص لذلك الخبر فؤاده، وطال به اهتمامه، وصار كالرجل الملتمس ضالته التي لا بدله منها، وذاع خبره في آفاق الأرض وشهر بتفكره وجماله وكماله وفهمه وعقله وزهادته في الدنيا وهوانها عليه. فبلغ ذلك رجلا من النساك يقال له: بلوهر، بأرض يقال لها: سرانديب، وكان رجلا ناسكا حكيما فركب البحر حتى أتى أرض سولابط، ثم عمد إلى باب ابن الملك فلزمه وطرح عنه زي النساك ولبس زي التجار وتردد إلى باب ابن الملك حتى عرف الأهل والأحباء والداخلين إليه، فلما استبان له لطف الحاضن بابن الملك، وحسن منزلته منه أطاف به بلوهر حتى أصاب منه خلوة، فقال له: إني رجل من تجار سرانديب، قدمت منذ أيام، ومعي سلعة عظيمة نفيسة الثمن، عظيمة القدر، فأردت الثقة لنفسي فعليك وقع اختياري، وسلعتي خير من الكبريت الأحمر، وهي تبصر العميان، وتسمع الصم، وتداوي من الأسقام، وتقوي من الضعف، وتعصم من الجنون، وتنصر على العدو، ولم أر بهذا أحدا هو أحق بها من هذا الفتى فإن رأيت أن تذكر له ذلك ذكرته فإن كان له فيها حاجة أدخلتني عليه، فإنه لم يخف عنه فضل سلعتي لو قد نظر إليها، قال الحاضن: للحكيم إنك لتقول شيئا ما سمعنا به من أحد قبلك ولا أرى بك بأسا وما مثلي يذكر مالا يدري به ما هو، فأعرض علي سلعتك أنظر إليها فإن رأيت شيئا ينبغي لي أن أذكره ذكرته، قال له بلوهر: إني رجل طبيب وإني لأرى في بصرك ضعفا فأخاف إن نظرت إلى سلعتي أن يلتمع بصرك، ولكن ابن الملك صحيح البصر حدث السن ولست أخاف عليه أن ينظر إلى سلعتي فإن رأى ما يعجبه كانت له مبذولة على ما يحب، وإن كان غير ذلك لم تدخل عليه مؤونة ولا منقصة، وهذا أمر عظيم لا يسعك أن تحرمه إياه أو تطويه دونه، فانطلق الحاضن إلى ابن الملك فأخبره خبر الرجل فحس قلب ابن الملك بأنه قد وجد حاجته، فقال: عجل إدخال الرجل علي ليلا وليكن ذلك في سر وكتمان، فإنه مثل هذا لا يتهاون به. فأمر الحاضن بلوهر بالتهئ للدخول عليه، فحمل معه سفطا فيه كتب له، فقال الحاضن: ما هذا السفط؟ قال بلوهر: في هذا السفط سلعتي فإذا شئت فأدخلني عليه فانطلق به حتى أدخله عليه فلما دخل عليه بلوهر سلم عليه وحياه وأحسن ابن الملك إجابته، وانصرف الحاضن، وقعد الحكيم عند الملك فأول ما قال له بلوهر: رأيتك يا ابن الملك زدتني في التحية على ما تصنع بغلمانك وأشراف أهل بلادك؟ قال ابن الملك: ذلك لعظيم ما رجوت عندك، قال بلوهر: لئن فعلت ذلك بي فقد كان رجلا من الملوك في بعض الآفاق يعرف بالخير ويرجى فبينا هو يسير يوما في موكبه إذ عرض له في مسيره رجلان ماشيان، لباسهما الخلقان، وعليهما أثر البؤس والضر، فلما نظر إليهما الملك لم يتمالك أن وقع على الأرض فحياهما وصافحهما، فلما رأى ذلك وزراؤه اشتد جزعهم مما صنع الملك فأتوا أخا له وكان جريا عليه فقالوا: إن الملك أزرى بنفسه، وفضح أهل مملكته، وخر عن دابته لانسانين دنيين، فعاتبه على ذلك كيلا يعود، ولمه على ما صنع، ففعل ذلك أخ الملك فأجابه الملك بجواب لا يدري ما حاله فيه أساخط عليه الملك أم راض عنه، فانصرف إلى منزله حتى إذا كان بعد أيام أمر الملك مناديا وكان يسمى منادي الموت فنادى في فناء داره، وكانت تلك سنتهم فيمن أرادوا قتله، فقامت النوائح والنوادب في دار أخ الملك ولبس ثياب الموتى وانتهى إلى باب الملك وهو يبكي بكاء شديدا ونتف شعره، فلما بلغ ذلك الملك دعا به، فلما أذن له الملك دخل عليه ووقع على الأرض ونادى بالويل والثبور ورفع يده بالتضرع فقال له الملك: اقترب أيها السفيه أنت تجزع من مناد نادى من بابك بأمر مخلوق وليس بأمر خالق، وأنا أخوك وقد تعلم أنه ليس لك إلي ذنب أقتلك عليه، ثم أنتم تلومونني على وقوعي إلى الأرض حين نظرت إلى منادي ربي إلي وأنا أعرف منكم بذنوبي، فاذهب فإني قد علمت أنه إنما استغرك وزرائي وسيعلمون خطأهم. ثم أمر الملك بأربعة توابيت فصنعت له من خشب فطلا تابوتين منها بالذهب وتابوتين بالقار، فلما فرغ منها ملا تابوتي القار ذهبا وياقوتا وزبر جدا وملا تابوتي الذهب جيفا ودما وعذرة وشعرا، ثم جمع الوزراء والاشراف الذين ظن أنهم أنكروا صنيعه بالرجلين الضعيفين الناسكين فعرض عليهم التوابيت الأربعة وأمرهم بتقويمها، فقالوا: أما في ظاهر الامر وما رأينا ومبلغ علمنا فإن تابوتي الذهب لأثمن لهما لفضلهما وتابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما، فقال الملك: أجل هذا لعلمكم بالأشياء ومبلغ رأيكم فيها، ثم أمر بتابوتي القار فنزعت عنهما صفايحهما فأضاء البيت بما فيها من الجواهر فقال: هذا مثل الرجلين الذين ازدريتم لباسهما وظاهرهما وهما مملو ان علما وحكمة وصدقا وبرا وسائر مناقب الخير الذي هو أفضل من الياقوت واللؤلؤ والجوهر والذهب. ثم أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أبوابهما فاقشعر القوم من سوء منظرهما وتأذوا بريحهما ونتنهما، فقال الملك وهذان مثل القوم المتزينين بظاهر الكسوة واللباس وأجوافهما مملوة جهالة وعمى وكذبا وجورا وسائر أنواع الشر التي هي أفضع وأشنع وأقذر من الجيف. قال القوم: قد فقهنا واتعظنا أيها الملك. ثم قال بلوهر: هذا مثلك يا ابن الملك فيما تلقيتني به من التحية والبشر فانتصب يوذاسف ابن الملك وكان متكئا، ثم قال: زدني مثلا قال الحكيم: إن الزارع خرج ببذره الطيب ليبذره، فلما ملا كفه ونثره وقع بعضه على حافة الطريق فلم يلبثان أن التقطه الطير ووقع بعضه على صفاة قد أصابها ندى وطين، فمكث حتى اهتز. فلما صارت عروقه إلى يبس الصفاة مات ويبس، ووقع بعضه بأرض ذات شوك فنبت حتى سنبل، وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأبطله، وأما ما كان منه وقع في الأرض الطيبة وإن كان قليلا فإنه سلم وطاب وزكى، فالزارع حامل الحكمة، وأما البذر ففنون الكلام، وأما ما وقع منه على حافة الطريق فالتقطه الطير فمالا يجاوز السمع منه حتى يمر صفحا، وأما ما وقع على الصخرة في الندى فيبس حين بلغت عروقه الصفاة فما استحلاه صاحبه حتى سمعه بفراغ قلبه وعرفه بفهمه ولم يفقه بحصافة ولايته، وأما ما نبت منه وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأهلكه فما وعاه صاحبه حتى إذا كان عند العمل به حفته الشهوات فأهلكته، وأما ما زكي وطاب وسلم منه وانتفع به رآه البصر ووعاه الحفظ، وأنفذه العزم بقمع الشهوات وتطهير القلوب من دنسها. قال ابن الملك: إني أرجو أن يكون ما تبذره أيها الحكيم ما يزكو ويسلم ويطيب فاضرب لي مثل الدنيا وغرور أهلها بها. قال بلوهر: بلغنا أن رجلا حمل عليه فيل مغتلم فانطلق موليا هاربا وأتبعه الفيل حتى غشيه فاضطره إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ووقعت قدماه على رؤوس حياة، فلما تبين له الغصنين فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض والاخر أسود، فلما نظر إلى تحت قدميه، فإذا رؤس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن، فلما نظر إلى قعر البئر إذا بتنين فاغرفاه نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى أعلا الغصنين إذا عليهما شئ من عسل النحل فتطعم من ذلك العسل فألهاه ما طعم منه، وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر في أمر الأفاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته. أما البئر فالدنيا مملوة آفات وبلايا وشرور، وأما الغصنان فالعمر، وأما الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الأجل، وأما الأفاعي الأربعة فالأخلاط الأربعة التي هي السموم القاتلة من المرة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به، وأما التنين الفاغرفاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب، وأما العسل الذي اغتر به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشهواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشم واللمس والسمع والبصر. قال ابن الملك: إن هذا المثل عجيب وأن هذا التشبيه حق، فزدني مثلا للدنيا وصاحبها المغرور بها المتهاون بما ينفعه فيها؟ قال بلوهر، زعموا أن رجلا كان له ثلاثة قرناء، وكان قد آثر أحدهم على الناس جميعا، ويركب الأهوال والاخطار بسببه ويغرر بنفسه له، ويشغل ليله ونهاره في حاجته، وكان القرين الثاني دون الأول منزلة وهو على ذلك حبيب إليه مشفق عنده، ويكرمه ويلاطفه ويخدمه ويطيعه ويبذل له ولا يغفل عنه، وكان القرين الثالث محقورا مستثقلا، ليس له من وده وماله إلا أقله حتى إذا نزل بالرجل الامر الذي يحتاج فيه إلى قرنائه الثلاثة، فأتاه جلاوزة الملك ليذهبوا به ففزع إلى قرينه الأول فقال له: قد عرفت إيثاري إياك وبذل نفسي لك، وهذا اليوم يوم حاجتي إليك فماذا عندك؟ قال: ما أنا لك بصاحب وإن لي أصحابا يشغلوني عنك، هم اليوم أولى بي منك ولكن لعلي أزودك ثوبين لتنتفع بهما. ثم فزع إلى قرينه الثاني ذي المحبة واللطف، فقال له: قد عرفت كرامتي إياك ولطفي بك وحرصي على مسرتك، وهذا يوم حاجتي إليك فماذا عندك؟ فقال: إن أمر نفسي يشغلني عنك وعن أمرك، فاعمد لشأنك، واعلم أنه قد انقطع الذي بيني وبينك وأن طريقي غير طريقك إلا أني لعلي أخطو معك خطوات يسيرة لا تنتفع بها، ثم أنصرف إلى ما هو أهم إلي منك. ثم فزع إلى قرينه الثالث الذي كان يحقره ويعصيه ولا يلتفت إليه أيام رخائه فقال له: إني منك لمستح ولكن الحاجة اضطرتني إليك فماذا لي عندك؟ قال: لك عندي المواساة، والمحافظة عليك، وقلة الغفلة عنك، فأبشر وقر عينا فإني صاحبك الذي لا يخذلك ولا يسلمك، فلا يهمك قلة ما أسلفتني واصطنعت إلي، فإني قد كنت أحفظ لك ذلك وأوفره عليك كله، ثم لم أرض لك بعد ذلك به حتى اتجرت لك به فربحت أرباحا كثيرة، فلك اليوم عندي من ذلك أضعاف ما وضعت عندي منه فأبشر، وإني أرجو أن يكون في ذلك رضي الملك عنك اليوم وفرجا مما أنت فيه. فقال الرجل عند ذلك: ما أدري على أي الامرين أنا أشد حسرة عليه على ما فرطت في القرين الصالح أم على ما اجتهدت فيه من المحبة لقرين السوء؟. قال بلوهر: فالقرين الأول هو المال والقرين الثاني هو الأهل والولد، والقرين الثالث هو العمل الصالح. قال ابن الملك: إن هذا هو الحق المبين فزدني مثلا للدنيا وغرورها و صاحبها المغرور بها، المطمئن إليها. قال بلوهر: كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملكونه عليهم سنة فلا يشك أن ملكه دائم عليهم لجهالته بهم فإذا انقضت السنة أخرجوه من مدينتهم عريانا مجردا سليبا، فيقع في بلاء وشقاء لم يحدث به نفسه، فصار ما مضى عليه من ملكه وبالا وحزنا ومصيبة وأذى، ثم إن أهل المدينة أخذوا رجلا آخر فملكوه عليهم فلما رأى الرجل غربته فيهم لم يستأنس بهم وطلب رجلا من أهل أرضه خبيرا بأمرهم حتى وجده فأفضى إليه بسر القوم وأشار إليه أن ينظر إلى الأموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع الأول فالأول حتى يحرزه في المكان الذي يخرجونه إليه فإذا أخرجه القوم صار إلى الكفاية والسعة بما قدم وأحرز، ففعل ما قال له الرجل ولم يضيع وصيته. قال بلوهر: وإني لأرجو أن تكون ذلك الرجل يا ابن الملك الذي لم يستأنس بالغرباء ولم يغتر بالسلطان، وأنا الرجل الذي طلبت ولك عندي الدلالة والمعرفة والمعونة. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم أنا ذلك الرجل وأنت ذلك الرجل وأنت طلبتي التي كنت طلبتها فصف لي أمر الآخرة تاما، فأما الدنيا فلعمري لقد صدقت ولقد رأيت منها ما يدلني على فنائها ويزهدني فيها، ولم يزل أمرها حقيرا عندي. قال بلوهر: إن الزهادة في الدنيا يا ابن الملك مفتاح الرغبة إلى الآخرة، ومن طلب الآخرة فأصاب بابها دخل ملكوتها وكيف لا تزهد في الدنيا وقد آتاك الله من العقل ما آتاك، وقد ترى أن الدنيا كلها وإن كثرت إنما يجمعها أهلها لهذه الأجساد الفانية، والجسد لأقوام له، ولا امتناع به، فالحر يذيبه، والبرد يجمده، والسموم يتخلله، والماء يغرقه، والشمس تحرقه، والهواء يسقمه، والسباع يفترسه، والطير تنقره، والحديد يقطعه، والصدم يحطمه، ثم هو معجون بطينة من ألوان الأسقام والأوجاع والأمراض، فهو مرتهن بها، مترقب لها، وجل منها، غير طامع في السلامة منها، ثم هو مقارن الآفات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد وهي الجوع والظمأ والحر والبرد والوجع والخوف والموت. فأما ما سألت منه من الامر الآخرة، فإني أرجو أن تجد ما تحسبه بعيدا قريبا، وما كنت تحسبه عسيرا يسيرا، وما كنت تحسبه قليلا كثيرا. قال ابن الملك: أيها الحكيم أرأيت القوم الذين كان والدي حرقهم بالنار ونفاهم أهم أصحابك؟ فقال: نعم، قال: فإنه بلغني أن الناس اجتمعوا على عداوتهم وسوء الثناء عليهم، قال بلوهر: نعم قد كان ذلك، قال: فما سبب ذلك أيها الحكيم؟ قال بلوهر: أما قولك يا ابن الملك في سوء الثناء عليهم فما عسى أن يقولون فيمن يصدق ولا يكذب، ويعلم ولا يجهل، ويكف ولا يؤذي، ويصلي ولا ينام، ويصوم ولا يفطر، ويبتلي فيصبر، ويتفكر فيعتبر، ويطيب نفسه عن الأموال والأهلين، ولا يخافهم الناس على أموالهم وأهليهم. قال ابن الملك: فكيف اتفق الناس على عداوتهم وهم فيما بينهم مختلفون؟ قال بلوهر: مثلهم في ذلك مثل كلاب اجتمعوا على جيفة تنهشها ويهار بعضها بعضا، مختلفة الألوان والأجناس فبينا هي تقبل على الجيفة ازدني رجل منهم فترك بعضهن بعضا وأقبلن على الرجل فيهرن عليه جميعا معاويات عليه وليس للرجل في جيفتهن حاجة ولا أراد أن ينازعهن فيها، ولكن هن عرفن غربته منهن فاستوحشن منه واستأنس بعضهن ببعض وإن كن مختلفات متعاديات فيما بينهن من قبل أن يرد الرجل عليهن. قال بلوهر: فمثل الجيفة متاع الدنيا ومثل صنوف الكلاب ضروب الرجال الذين يقتتلون على الدنيا ويهرقون دماءهم وينفقون لها أموالهم، ومثل الرجل الذي اجتمعت عليه الكلاب ولا حاجة له في جيفهن كمثل صاحب الدين الذي رفض الدنيا وخرج منها، فليس ينازع فيها أهلها ولا يمنع ذلك الناس من أن يعادونه لغربته عندهم، فإن عجبت فأعجبت من الناس أنهم لا همة لهم إلا الدنيا وجمعها والتكاثر والتفاخر والتغالب عليها حتى إذا رأوا من قد تركها في أيديهم وتخلى عنها كانوا له أشد قتالا عليه وأشد حنقا منهم للذي يشاحهم عليها فأي حجة لله يا ابن الملك أدحض من تعاون المختلفين على من لا حجة لهم عليه؟ قال ابن الملك أعمد لحاجتي، قال بلوهر: إن الطبيب الرفيق إذ رأى الجسد قد أهلكته الاخلاط الفاسدة فأراد أن يقويه ويسمنه لم يغذه بالطعام الذي يكون منه اللحم والدم والقوة لأنه يعلم أنه متى أدخل الطعام على الاخلاط الفاسدة أضر بالجسد ولم ينفعه ولم يقوه، ولكن يبدأ بالأدوية والحمية من الطعام، فإذا أذهب من جسده الاخلاط الفاسدة أقبل عليه بما يصلحه من الطعام فحينئذ يجد طعم الطعام ويسمن ويقوي ويحمل الثقل بمشية الله عز وجل. وقال ابن الملك أيها الحكيم: أخبرني ماذا تصيب من الطعام والشراب؟ قال الحكيم: زعموا أن ملكا من الملوك كان عظيم الملك كثير الجند والأموال وأنه بداله أن يغزو ملكا آخر ليزداد ملكا إلى ملكه ومالا إلى ماله، فسار إليه بالجنود والعدد والعدة، والنساء والأولاد والأثقال، فأقبلوا نحوه فظهروا عليه واستباحوا عسكره فهرب وساق امرأته وأولاده صغارا فألجأه الطلب عند المساء إلى أجمة على شاطئ النهر فدخلها مع أهله وولده وسيب دوابه مخافة أن تدل عليه بصهيلها فباتوا في الأجمة وهم يسمعون وقع حوافر الخيل من كل جانب فأصبح الرجل لا يطيق براحا، وأما النهر فلا يستطيع عبوره، وأما الفضاء فلا يستطيع الخروج إليه لمكان العدو، فهم في مكان ضيق قد أذاهم البرد وأهجرهم الخوف وطواهم الجوع، وليس لهم طعام ولا معهم زاد ولا إدام، وأولاده صغار جياع يبكون من الضر الذي قد أصابهم فمكث بذلك يومين، ثم إن أحد بنيه مات فألقوه في النهر فمكث بعد ذلك يوما آخر فقال الرجل لامرأته إنا مشرفون على الهلاك جميعا وإن بقي بعضنا وهلك بعضنا كان خيرا من أن نهلك جميعا وقد رأيت أن أعجل ذبح صبي من هؤلاء الصبيان فنجعله قوتا لنا ولأولادنا إلى أن يأتي الله عز وجل بالفرج فإن أخرنا ذلك هزل الصبيان حتى لا يشبع لحومهم وتضعف حتى لا نستطيع الحركة ان وجدنا إلى ذلك سبيلا، وطاوعته امرأته فذبح بعض أولاده ووضعوه بينهم ينهشونه، فما ظنك يا ابن الملك بذلك المضطر أأكل الكلب المستكثر يأكل؟ أم أكل المضطر المستقل؟ قال ابن الملك: بل أكل المستقل، قال الحكيم: كذلك أكلي وشربي يا ابن الملك في الدنيا. فقال له ابن الملك: أرأيت هذا الذي تدعوني إليه أيها الحكيم أهو شئ نظر الناس فيه بعقولهم وألبابهم حتى اختاروه على ما سواه لأنفسهم أم دعاهم الله إليه فأجابوا، قال الحكيم: علا هذا الامر ولطف عن أن يكون من أهل الأرض أو برأيهم دبروه، ولو كان من أهل الأرض لدعوا إلى عملها وزينتها وحفظها ودعتها ونعيمها ولذتها ولهوها ولعبها وشهواتها، ولكنه أمر غريب ودعوة من الله عز وجل ساطعة، وهدى مستقيم ناقض على أهل الدنيا أعمالهم، مخالف لهم، عائب عليهم، وطاعن ناقل لهم عن أهوائهم، داع لهم إلى طاعة ربهم، وإن ذلك لبين لمن تنبه، مكتوم عنده عن غير أهله حتى يظهر الله الحق بعد خفائه ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين جهلوا السفلى. قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم. ثم قال الحكيم: إن من الناس من تفكر قبل مجيئ الرسل عليهم السلام فأصاب، ومنهم من دعته الرسل بعد مجيئها فأجاب وأنت يا ابن الملك ممن تفكر بعقله فأصاب. قال ابن الملك: فهل تعلم أحدا من الناس يدعو إلي التزهيد في الدنيا غيركم؟ قال الحكيم: أما في بلادكم هذه فلا وأما في سائر الأمم ففيهم قوم ينتحلون الدين بألسنتهم ولم يستحقوه بأعمالهم، فاختلف سبيلنا وسبيلهم، قال ابن الملك: كيف صرتم أولى بالحق منهم وإنما أتاكم هذا الامر الغريب من حيث أتاهم؟ قال الحكيم: الحق كله جاء من عند الله عز وجل وإنه تبارك وتعالى دعا العباد إليه فقبله قوم بحقه وشروطه حتى أدوه إلى أهله كما أمروا، لم يظلموا ولم يخطئوا ولم يضيعوا، وقبله آخرون فلم يقوموا بحقه وشروطه، ولم يؤدوه إلى أهله، ولم يكن لهم فيه عزيمة، ولا على العمل به نية ضمير، فضيعوه واستثقلوه فالمضيع لا يكون مثل الحافظ، والمفسد لا يكون كالمصلح، والصابر لا يكون كالجازع، فمن ههنا كنا نحن أحق به منهم وأولى. ثم قال الحكيم: إنه ليس يجري على لسان أحد منهم من الدين والتزهيد والدعاء إلى الآخرة إلا وقد اخذ ذلك عن أصل الحق الذي عنه أخذنا، ولكنه فرق بيننا وبينهم أحداثهم التي أحدثوا وابتغاؤهم الدنيا وإخلادهم إليها، وذلك أن هذه الدعوة لم تزل تأتي وتظهر في الأرض مع أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم في القرون الماضية على ألسنة مختلفة متفرقة، وكان أهل دعوة الحق أمرهم مستقيم، وطريقهم واضح، ودعوتهم بينة، لا فرقة فيهم ولا اختلاف، فكانت الرسل عليهم السلام إذا بلغوا رسالات ربهم، واحتجوا لله تبارك وتعالى على عباده بحجة وإقامة معالم الدين وأحكامه، قبضهم الله عز وجل إليه عند انقضاء آجالهم ومنتهى مدتهم، ومكثت الأمة من الأمم بعد نبيها برهة من دهرها لا تغير ولا تبدل ثم صار الناس بعد ذلك يحدثون الاحداث ويبتغون الشهوات، ويضيعون العلم، فكان العالم البالغ المستبصر منهم يخفى شخصه ولا يظهر علمه، فيعرفونه باسمه ولا يهتدون إلى مكانه ولا يبقى منهم إلا الخسيس من أهل العلم، يستخف به أهل الجهل والباطل، فيخمل العلم ويظهر الجهل، وتتناس القرون فلا يعرفون إلا الجهل، ويزداد الجهال استعلاء وكثرة، والعلماء خمولا وقلة، فحولوا معالم الله تبارك وتعالى عن وجوهها، وتركوا قصد سبيلها، وهم مع ذلك مقرون بتنزيله، متبعون شبهه ابتغاء تأويله، متعلقون بصفته، تاركون لحقيقته، نابذون لأحكامه، فكل صفة جاءت الرسل تدعوا إليها فنحن لهم موافقون في تلك الصفة، مخالفون لهم في أحكامهم وسيرتهم، ولسنا نخالفهم في شئ إلا ولنا عليهم الحجة الواضحة والبينة العادلة من نعت ما في أيديهم من الكتب المنزلة من الله عز وجل فكل متكلم منهم يتكلم بشئ من الحكمة فهي لنا وهي بيننا وبينهم تشهد لنا عليهم بأنها توافق صفتنا وسيرتنا وحكمنا وتشهد عليهم بأنها مخالفة لسنتهم وأعمالهم، فليسوا يعرفون من الكتاب إلا وصفه، ولا من الذكر إلا اسمه، فليسوا بأهل الكتاب حقيقة حتى يقيموه. قال ابن الملك: فما بال الأنبياء والرسل عليهم السلام يأتون في زمان دون زمان؟ قال الحكيم: إنما مثل ذلك كمثل ملك كانت له أرض موات لا عمران فيها، فلما أراد أن يقبل عليها بعمارته أرسل إليها رجلا جلدا أمينا ناصحا، ثم أمره أن يعمر تلك الأرض وأن يغرس فيها صنوف الشجر وأنواع الزرع، ثم سمى له الملك ألوانا من الغرس معلومة، وأنواعا من الزرع معروفة، ثم أمره أن لا يعدو ما سمى له وأن لا يحدث فيها من قبله شيئا لم يكن أمره به سيده، وأمره أن يخرج لها نهرا ويسد عليها حائطا، ويمنعها من أن يفسدها مفسد، فجاء الرسول الذي أرسله الملك إلى تلك الأرض فأحياها بعد موتها وعمرها بعد خرابها، وغرس فيها وزرع من الصنوف التي أمره بها، ثم ساق نهر الماء إليها حتى نبت الغرس واتصل الزرع، ثم لم يلبث قليلا حتى مات قيمها، وأقام بعده من يقوم مقامه وخلف من بعده خلف خالفوا من أقامه القيم بعده وغلبوه على أمره، فأخربوا العمران، وطموا الأنهار، فيبس الغرس، وهلك الزرع، فلما بلغ الملك خلافهم على القيم بعد رسوله وخراب أرضه أرسل إليها رسولا آخر يحييها ويعيدها ويصلحها كما كانت في منزلتها الأولى، وكذلك الأنبياء والرسل عليهم السلام يبعث الله عز وجل الواحد بعد الواحد فيصلح أمر الناس بعد فساده. قال ابن الملك أيخص الأنبياء والرسل عليهم إذا جاءت بما يبعث به أم تعم؟. قال بلوهر: إن الأنبياء والرسل إذا جاءت تدعوا عامة الناس فمن أطاعهم كان منهم، ومن عصاهم لم يكن منهم، وما تخلو الأرض قط من أن يكون لله عز وجل فيها مطاع من أنبيائه ورسله ومن أوصيائه، وإنما مثل ذلك مثل طائر كان في ساحل البحر يقال له قدم يبيض بيضا كثيرا وكان شديد الحب للفراخ وكثرتها، وكان يأتي عليه زمان يتعذر عليه فيه ما يريده من ذلك، فلا يجد بدا من اتخاذ أرض أخرى حتى يذهب ذلك الزمان فيأخذ بيضه مخافة عليه من أن يهلك من شفقته فيفرقه في أعشاش الطير فتحضن الطير بيضته مع بيضتها وتخرج فراخه مع فراخها، فإذا طال مكث فراخ قدم مع فراخ الطير ألفها بعض فراخ الطير واستأنس بها فإذا كان الزمان الذي ينصرف فيه قدم إلى مكانه مر بأعشاش الطير وأو كارها بالليل فأسمع فراخه وغيرها صوته فإذا سمعت فراخه صوته تبعته وتبع فراخه ما كان ألفها من فراخ سائر الطير ولم يجبه ما لم يكن من فراخ ولا ما لم يكن ألف فراخه وكان قد يضم إليه من أجابه من فراخه حبا للفراخ، و كذلك الأنبياء إنما يستعرضون الناس جميعا بدعائهم فيجيبهم أهل الحكمة والعقل لمعرفتهم لفضل الحكمة، فمثل الطير الذي دعا بصوته مثل الأنبياء والرسل التي تعم الناس بدعائهم، ومثل البيض المتفرق في أعشاش الطير مثل الحكمة، ومثل سائر فراخ الطير التي ألفت فراخ قدم مثل من أجاب الحكماء قبل مجيئ الرسل، لان الله عز وجل جعل لأنبيائه ورسله من الفضل والرأي ما لم يجعل لغيرهم من الناس، وأعطاهم من الحجج والنور والضياء ما لم يعط غيرهم، وذلك لما يريد من بلوغ رسالته ومواقع حججه، وكانت الرسل إذا جاءت وأظهرت دعوتها أجابهم من الناس أيضا من لم يكن أجاب الحكماء وذلك لما جعل الله عز وجل على دعوتهم من الضياء والبرهان. قال ابن الملك: أفرأيت ما يأتي به الرسل والأنبياء إذ زعمت أنه ليس بكلام الناس وكلام الله عز وجل وهو كلام وكلام ملائكته كلام، قال الحكيم: أما رأيت الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقدمها وتأخرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير يحتمل كلامهم الذي هو كلامهم، فوضعوا من النقر والصفير والرجز ما يبلغوا به حاجتهم وما عرفوا أنها تطيق حمله، وكذلك العباد يعجزوا أن يعلموا كلام الله عز وجل وكلام ملائكته على كنهه وكماله ولطفه وصفته قصار ما تراجع الناس بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة شبيها بما وضع الناس للدواب، والطير ولم يمنع ذلك الصوت مكان الحكمة المخبرة في تلك الأصوات من أن تكون الحكمة واضحة بينهم، قوية منيرة شريفة عظيمة، ولم يمنعها من وقوع معانيها على مواقعها وبلوغ ما احتج به الله عز وجل على العباد فيها فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا، وكانت الحكمة للصوت نفسا وروحا، ولا طاقة للناس أن ينفذوا غور كلام الحكمة، ولا يحيطوا به بعقولهم، فمن قبل ذلك تفاضلت العلماء في علمهم، فلا يزال عالم يأخذ علمه من عالم حتى يرجع العلم إلى الله عز وجل الذي جاء من عنده، وكذلك العلماء قد يصيبون من الحكمة والعلم ما ينجيهم من الجهل، ولكن لكل ذي فضل فضله، كما أن الناس ينالون من ضوء الشمس ما ينتفعون به في معائشهم وأبدانهم ولا يقدرون أن ينفذوها بأبصارهم فهي كالعين الغزيرة الظاهر مجراها المكنون عنصرها، فالناس قد يجيبون بما ظهر لهم من مائها، ولا يدركون غورها وهي كالنجوم الزاهرة التي يهتدى بها الناس، ولا يعلمون مساقطها، فالحكمة أشرف وأرفع وأعظم مما وصفناها به كله، هي مفتاح باب كل خير يرتجى، والنجاة من كل شر يتقى، وهي شراب الحياة التي من شرب منه لم يمت أبدا، والشفاء للسقم الذي من استشفى به لم يسقم أبدا، والطريق المستقيم الذي من سلكه لم يضل أبدا، هي حبل الله المتين الذي لا يخلقه طول التكرار، من تمسك به انجلى عنه العمى، ومن اعتصم به فاز واهتدى، وأخذ بالعروة الوثقى. قال، فما بال هذه الحكمة التي وصفت بما وصفت من الفضل والشرف والارتفاع والقوة والمنفعة والكمال والبرهان لا ينتفع بها الناس كلهم جميعا؟. قال الحكيم: إنما مثل الحكمة كمثل الشمس الطالعة على جميع الناس الأبيض والأسود منهم، والصغير والكبير، فمن أراد الانتفاع بها لم تمنعه ولم يحل بينه وبينها من أقربهم وأبعدهم، ومن لم يرد الانتفاع بها فلا حجة له عليها، ولا تمنع الشمس على الناس جميعا، ولا يحول بين الناس وبين الانتفاع بها، وكذلك الحكمة وحالها بين الناس إلى يوم القيامة، والحكمة قد عمت الناس جميعا إلا أن الناس يتفاضلون في ذلك، والشمس ظاهرة إذ طلعت على الابصار الناظرة فرقت بين الناس على ثلاثة منازل فمنهم الصحيح البصر الذي ينفعه الضوء ويقوي على النظر، ومنهم الأعمى القريب من الضوء الذي لو طلعت عليه شمس أو شموس لم تغن عنه شيئا، ومنهم المريض البصر الذي لا يعد في العميان ولا في أصحاب البصر، كذلك الحكمة هي شمس القلوب إذا طلعت تفرق على ثلاث منازل: منزل لأهل البصر الذين يعقلون الحكمة فيكونون من أهلها، ويعملون بها، ومنزل لأهل العمى الذين تنبوا الحكمة عن قلوبهم لانكارهم الحكمة وتركهم قبولها كما ينبو ضوء الشمس عن العميان، ومنزلة لأهل مرض القلوب الذين يقصر علمهم ويضعف عملهم ويستوي فيهم السيئ والحسن، والحق والباطل، وإن أكثر من تطلع عليه الشمس وهي الحكمة ممن يعمى عنها. قال ابن الملك: فهل يسع الرجل الحكمة فلا يجيب إليها حتى يلبث زمانا ناكبا عنها، ثم يجيب ويراجعها؟ قال بلوهر: نعم هذا أكثر حالات الناس في الحكمة. قال ابن الملك: ترى والدي سمع شيئا من هذا الكلام قط؟ قال بلوهر: لا أراه سمع سماعا صحيحا رسخ في قلبه ولا كلمه فيه ناصح شفيق. قال ابن الملك: وكيف ترك ذلك الحكماء منه طول دهرهم؟ قال بلوهر: تركوه لعلمهم بمواضع كلامهم، فربما تركوا ذلك ممن هو أحسن إنصافا وألين عريكة، وأحسن استماعا من أبيك حتى أن الرجل ليعاش الرجل طول عمره بينهما الاستيناس والمودة والمفاوضة، ولا يفرق بينهما شئ إلا الدين والحكمة، وهو متفجع عليه، متوجع له، ثم لا يفضي إليه أسرار الحكمة إذ لم يره لها موضعا. وقد بلغنا أن ملكا من الملوك كان عاقلا قريبا من الناس، مصلحا لأمورهم، حسن النظر والنصاف لهم، وكان له وزير صدق صالح يعينه على الاصلاح ويكفيه مؤونته ويشاوره في أموره، وكان الوزير أديبا عاقلا، له دين وورع ونزاهة على الدنيا ، وكان قد لقي أهل الدين، وسمع كلامهم، وعرف فضلهم، فأجابهم وانقطع إليهم بإخائه ووده، وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصة، وكان الملك لا يكتمه شيئا من أمره، وكان الوزير له أيضا بتلك المنزلة، إلا أنه لم يكن ليطلعه على أمر الدين، ولا يفاوضه أسرار الحكمة، فعاشا بذلك زمانا طويلا، وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد الأصنام وعظمها وأخذ شيئا في طريق الجهالة والضلالة تقية له فأشفق الوزير على الملك من ذلك واهتم به واستشار في ذلك أصحابه وإخوانه، فقالوا له: انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعا للكلام فكلمه وفاوضه وإلا فإنك إنما تعينه على نفسك، وتهيجه على أهل دينك، فإن السلطان لا يغتر به، ولا تؤمن سطوته، فلم يزل الوزير على اهتمامه به مصافيا له، رفيقا به رجاء أن يجد فرصة فينصحه أو يجد للكلام موضعا فيفاوضه، وكان الملك مع ضلالته متواضعا سهلا قريبا، حسن السيرة في رعيته، حريصا على إصلاحهم، متفقدا لأمورهم، فاصطحب الوزير الملك على هذا برهة من زمانه. ثم إن الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعدما هدأت العيون: هل لك أن تركب فنسير في المدينة فننظر إلى حال الناس وآثار الأمطار التي أصابتهم في هذه الأيام؟ فقال الوزير: نعم فركبا جميعا يجولان في نواحي المدينة فمرا في بعض الطريق على مزبلة تشبه الجبل، فنظر الملك إلى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة، فقال للوزير: إن لهذه النار لقصة فأنزل بنا نمشي حتى ندنو منها فنعلم خبرها، ففعلا ذلك فلما انتهيا إلى مخرج الضوء وجدا نقبا شبيها بالغار، وفيه مسكين من المساكين ثم نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل فإذا الرجل مشوه الخلق، عليه ثياب خلقان من خلقان المزبلة، متكئ على متكاء قد هيأه من الزبل، وبين يديه إبريق فخار، فيه شراب وفي يده طنبور، يضرب بيده وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها، وترقص له إذا ضرب، وتحييه بتحية الملوك، كلما شرب وهو يسميها سيدة النساء، وهما يصفان أنفسهما بالحسن والجمال وبينهما من السرور والضحك والطرب مالا يوصف، فقام الملك على رجليه مليا والوزير ينظر كذلك ويتعجبان من لذتهما وإعجابهما بما هما فيه، ثم انصرف الملك والوزير فقال الملك: ما أعلمني وإياك أصابنا الدهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة مع أني أظنهما يصنعان كل ليلة مثل هذا، فاغتنم الوزير ذلك منه، ووجد فرصة فقال له: أخاف أيها الملك أن يكون دنيانا هذه من الغرور، ويكون ملكك وما نحن فيه من البهجة والسرور في أعين من يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة، ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما، وتكون مساكننا وما شيدنا منها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الآخرة مثل هذا الغار في أعيننا، وتكون أجسادنا عند من يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحة مثل جسد هذه المشوه الخلق في أعيننا، ويكون تعجبهم عن إعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من إعجاب هذين الشخصين بما هما فيه. قال الملك وهل تعرف لهذه الصفة أهلا؟ قال الوزير: نعم، قال الملك: من هم؟ قال الوزير: أهل الدين الذين عرفوا ملك الآخرة ونعيمها فطلبوه، قال الملك: وما ملك الآخرة؟ قال الوزير هو النعيم الذي لا بؤس بعده، والغنى الذي لا فقر بعده، والفرح الذي لا ترح بعده، والصحة التي لا سقم بعدها، والرضى الذي لا سخط بعده، والامن الذي لا خوف بعده، والحياة التي لا موت بعدها، والملك الذي لا زوال له، التي هي دار البقاء ودار الحيوان، التي لا انقطاع لها، ولا تغير فيها، رفع الله عز وجل عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء والنصب والمرض والجوع والظمأ والموت، فهذه صفة ملك الآخرة وخبرها أيها الملك. قال الملك: وهل تدركون إلى هذه الدار مطلبا وإلى دخولها سبيلا؟ قال الوزير: نعم هي مهيأة لمن طلبها من وجه مطلبها، ومن أتاها من بابها ظفر بها، قال الملك: ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم؟ قال الوزير: منعني من ذلك إجلالك والهيبة لسلطانك، قال الملك: لئن كان هذا الامر الذي وصفت يقينا فلا ينبغي لنا أن نضيعه ولا نترك العمل به في إصابته، ولكنا نجتهد حتى يصح لنا خبره، قال الوزير: أفتأمرني أيها الملك أن أواظب عليك في ذكره والتكرير له؟ قال الملك: بل آمرك أن لا تقطع عني ليلا ولا نهارا، ولا تريحني ولا تمسك عني ذكره فإن هذا أمر عجيب لا يتهاون به، ولا يغفل عن مثله، وكان سبيل ذلك الملك والوزير إلى النجاة. قال ابن الملك: ما أنا بشاغل نفسي بشئ من هذه الأمور عن هذا السبيل ولقد حدثت نفسي بالهرب معك في جوف الليل حيث بدا لك أن تذهب. قال بلوهر: وكيف تستطيع الذهاب معي والصبر على صحبتي وليس لي جحر يأويني، ولا دابة تحملني، ولا أملك ذهبا ولا فضة، ولا أدخر غذاء العشاء، ولا يكون عندي فضل ثوب، ولا أستقر ببلدة إلا قليلا حتى أتحول عنها ولا أتزود من أرض إلى أرض أخرى رغيفا أبدا. قال ابن الملك: إني أرجو أن يقويني الذي قواك، قال بلوهر: أما إنك إن أبيت إلا صحبتي كنت خليقا أن تكون كالفتى الذي صاهر الفقير. قال يوذاسف: وكيف كان ذلك؟ قال بلوهر: زعموا أن فتى كان من أولاد الأغنياء فأراد أبوه أن يزوجه ابنة عم له ذات جمال ومال، فلم يوافق ذلك الفتى ولم يطلع أباه على كراهته حتى خرج من عنده متوجها إلى أرض أخرى، فمر في طريقه على جارية عليها ثياب خلقان لها، قائمة على باب بيت من بيوت المساكين فأعجبته الجارية، فقال لها: من أنت أيتها الجارية؟ قالت: ابنة شيخ كبير في هذا البيت، فنادى الفتى الشيخ فخرج إليه فقال له: هل تزوجني ابنتك هذه؟ قال: ما أنت بمتزوج لبنات الفقراء وأنت فتى من الأغنياء، قال: أعجبتني هذه الجارية ولقد خرجت هاربا من امرأة ذات حسب ومال أرادوا مني تزويجها، فكرهتها فزوجني ابنتك فإنك واجد عندي خيرا إن شاء الله. قال يوذاسف: إني لأرجو أن أكون أنا صاحب هذا المثل إن الشيخ فتش عقل هذا الغلام حتى وثق به، فلعلك تطول بي على تفتيش عقلي فأعلمني ما عندك في ذلك، قال الحكيم: لو كان هذا الامر إلي لاكتفيت منك بأدنى المشافهة ولكن فوق رأسي سنة قد سنها أئمة الهدى في بلوغ الغاية في التوفيق، وعلم ما في الصدور فإني أخاف إن خالفت السنة أن أكون قد أحدثت بدعة، وأنا منصرف عنك الليلة وحاضر بابك في كل ليلة، ففكر في نفسك بهذا واتعظ به، وليحضرك فهمك وتثبت ولا تعجل بالتصديق لما يورده عليك همك حتى تعلمه بعد التؤدة والأناة وعليك بالاحتراس في ذلك أن يغلبك الهوى والميل إلى الشبهة والعمى، واجتهد في المسائل التي تظن أن فيها شبهة، ثم كلمني فيها وأعلمني رأيك في الخروج إذا أردت، وافترقا على هذا تلك الليلة. ثم عاد الحكيم إليه فسلم عليه ودعا له، ثم جلس فكان من دعائه أن قال: أسأل الله الأول الذي لم يكن قبله شئ، والاخر الذي لا يبقى معه شئ، والباقي الذي لا فناء له، والعظيم الذي لا منتهى له، والواحد الفرد الصمد الذي ليس معه غيره، والقاهر الذي لا شريك له، البديع الذي لا خالق معه، القادر الذي ليس له ضد، الصمد الذي ليس له ند، الملك الذي ليس معه أحد أن يجعلك ملكا عدلا، إماما في الهدى، قائدا إلى التقوى، ومبصرا من العمى، وزاهدا في الدنيا، ومحبا لذوي النهى، ومبغضا لأهل الردى، حتى يفضي بنا وبك إلى ما وعد الله أوليائه على ألسنة أنبيائه من جنته ورضوانه، فإن رغبتنا إلى الله في ذلك ساطعة، ورهبتنا منه باطنة، وأبصارنا إليه شاخصة وأعناقنا له خاضعة، وأمورنا إليه صائرة. فرق ابن الملك لذلك الدعاء رقة شديدة، وازداد في الخير رغبة، وقال متعجبا من قوله: أيها الحكيم أعلمني كم أتى لك من العمر؟ فقال: اثنتا عشر سنة، فارتاع لذلك ابن الملك، وقال: ابن اثنتي عشرة سنة طفل وأنت مع ما أرى من التكهل كابن ستين سنة. قال الحكيم: أما المولد فقد راهق الستين سنة، ولكنك سألتني عن العمر وإنما العمر الحياة، ولا حياة إلا في الدين والعمل به، والتخلي من الدنيا ولم يكن ذلك لي إلا من اثنتي عشرة سنة، فأما قبل ذلك فإني كنت ميتا ولست أعتد في عمري بأيام الموت، قال ابن الملك: كيف تجعل الاكل والشارب والمتقلب ميتا؟ قال الحكيم: لأنه شارك الموتى في العمى والصم والبكم وضعف الحياة وقلة الغنى، فلما شاركهم في الصفة وافقهم في الاسم. قال ابن الملك: لئن كنت لا تعد حياتك تلك حياة ولا غبطة ما ينبغي لك أن تعد ما تتوقع من الموت موتا، ولا تراه مكروها، قال الحكيم: تغريري في الدخول عليك بنفسي يا ابن الملك مع علمي لسطوة أبيك على أهل ديني يدلك على أني لا أرى الموت موتا، ولا أرى هذه الحياة حياة، ولا ما أتوقع من الموت مكروها، فكيف يرغب في الحياة من قد ترك حظه منها؟ أو يهرب من الموت من قد أمات نفسه بيده، أولا ترى يا ابن الملك أن صاحب الدين قد رفض الدنيا من أهله وماله وما لا يرغب فيها إلا له واحتمل من نصب العبادة مالا يريحه منه إلا الموت، فما حاجة من لا يتمتع بلذة الحياة إلى الحياة؟ أو يهرب من لا راحة له إلا في الموت من الموت. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم فهل يسرك أن ينزل بك الموت من غد؟ قال الحكيم: بل يسرني أن ينزل بي الليلة دون غد فإنه من عرف السيئ والحسن وعرف ثوابهما من الله عز وجل ترك السيئ مخافة عقابه، وعمل الحسن رجاء ثوابه، ومن كان موقنا بالله وحده مصدقا بوعده فإنه يحب الموت لما يرجو بعد الموت من الرخاء ويزهد في الحياة لما يخاف على نفسه من الشهوات الدنيا والمعصية لله فيها فهو يحب الموت مبادرة من ذلك، فقال ابن الملك: إن هذا لخليق أن يبادر الهلكة لما يرجو في ذلك من النجاة، فاضرب لي مثل أمتنا هذه وعكوفها على أصنامها. قال الحكيم: إن رجلا كان له بستان يعمره ويحسن القيام عليه إذ رأى في بستانه ذات يوم عصفورا واقعا على شجرة من شجرة البستان يصيب من ثمرها فغاضه ذلك فنصب فخا فصاده، فلما هم بذبحه أنطقه الله عز وجل بقدرته، فقال لصاحب البستان: إنك تهتم بذبحي وليس في ما يشبعك من جوع ولا يقويك من ضعف فهل لك في خير عما هممت به؟ قال الرجل: ما هو؟ قال العصفور: تخلى سبيلي وأعلمك ثلاث كلمات إن أنت حفظتهن كن خيرا لك من أهل ومال هو لك، قال: قد فعلت فأخبرني بهن، قال العصفور: احفظ عني ما أقول لك: لا تأس على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون، ولا تطلبن مالا تطيق، فلما قضى الكلمات خلى سبيله، فطار فوقع على بعض الأشجار، ثم قال للرجل: لو تعلم ما فاتك مني لعلمت أنك قد فاتك مني عظيم جسيم من الامر، فقال الرجل وما ذاك؟ قال العصفور: لو كنت قضيت على ما هممت به من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درة كبيضة الإوزة فكان لك في ذلك غنى الدهر، فلما سمع الرجل منه ذلك أسر في نفسه ندما على ما فاته، وقال: دع منك ما مضى، وهلم أنطلق بك إلى منزلي فأحسن صحبتك وأكرم مثواك، فقال له العصفور: أيها الجاهل ما أراك حفظتني إذا ظفرت بي، ولا انتفعت بالكلمات التي افتديت بها منك نفسي، ألم أعهد إليك ألا تأس على ما فاتك ولا تصدق مالا يكون، ولا تطلب مالا يدرك؟ أما أنت متفجع على ما فاتك وتلتمس مني رجعتي إليك وتطلب مالا تدرك وتصدق أن في حوصلتي درة كبيضة الإوزة، وجميعي أصغر من بيضها، وقد كنت عهدت إليك أن لا تصدق بما لا يكون. وأن أمتكم صنعوا أصنامهم بأيديهم ثم زعموا أنها هي التي خلقتهم وخفظوها من أن تسرق مخافة عليها وزعموا أنها هي التي تحفظهم، وأنفقوا عليها من مكاسبهم وأموالهم، وزعموا أنها هي التي ترزقهم فطلبوا من ذلك مالا يدرك وصدقوا بما لا يكون فلزمهم منه ما لزم صاحب البستان، قال ابن الملك: صدقت أما الأصنام فإني لم أزل عارفا بأمرها، زاهدا فيها، آيسا من خيرها، فأخبرني بالذي تدعوني إليه والذي ارتضيته لنفسك ما هو؟ قال بلوهر: جماع الدين أمران أحدهما معرفة الله عز وجل والاخر العمل برضوانه، قال ابن الملك: وكيف معرفة الله عز وجل؟ قال الحكيم: أدعوك إلى أن تعلم أن الله واحد ليس له شريك، لم يزل فردا ربا، وما سواه مربوب، وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأنه قديم وما سواه محدث، وأنه صانع وما سواه مصنوع، وأنه مدبر وما سواه مدبر، وأنه باق وما سواه فان، وأنه عزيز وما سواه ذليل، وأنه لا ينام ولا يغفل ولا يأكل ولا يشرب ولا يضعف ولا يغلب ولا يعجز، ولا يعجزه شئ، لم تمتنع منه السماوات والأرض والهواء والبر والبحر، وأنه كون الأشياء لا من شئ، وأنه لم يزل ولا يزال، ولا تحدث فيه الحوادث، ولا تغيره الأحوال، ولا تبدله الأزمان ولا يتغير من حال إلى حال، ولا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون من مكان أقرب منه إلى مكان، ولا يغيب عنه شئ، عالم لا يخفى عليه شئ، قدير لا يفوته شئ، وأن تعرفه بالرأفة والرحمة والعدل، وأن له ثوابا أعده لمن أطاعه، وعذابا أعده لمن عصاه، وأن تعمل لله برضاه، وتجتنب سخطه. قال ابن الملك: فما يرضي الواحد الخالق من الأعمال؟ قال الحكيم: يا ابن الملك أن تطيعه ولا تعصيه، وأن تأتي إلى غيرك ما تحب أن يؤتى إليك، وتكف عن غيرك ما تحب أن يكف عنك في مثله، فإن ذلك عدل وفي العدل رضاه، وفي اتباع آثار أنبياء الله ورسله بأن لا تعدو سنتهم. قال ابن الملك: زدني أيها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها. قال الحكيم: إني لما رأيت الدنيا دار تصرف وزوال وتقلب من حال إلى حال، ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب، ورهائن للمتالف، ورأيت صحة بعدها سقما، وشبابا بعده هرما، وغنى بعده فقرا، وفرحا بعده حزنا، وعزا بعده ذلا، ورخاء بعده شدة، وأمنا بعده خوفا، وحياة بعدها ممات، ورأيت أعمارا قصيرة، وحتوفا راصدة وسهاما قاصدة، وأبدانا ضعيفة مستسلمة، غير ممتنعة ولا حصينة، عرفت أن الدنيا منقطعة بالية فانية، وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عني منها، وعرفت بظاهرها باطنها، وغامضها بواضحها، وسرها بعلانيتها، و صدورها بورودها، فحذرتها لما عرفتها، وفررت منها لما أبصرتها، بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا وملكا مسرورا في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابة، وحداثة من سنه، وغبطة من ملكه، وبهاء من سلطانه، وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا به أسر ما كان فيها نفسا، وأقر ما كان فيها عينا، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها، فأبدلته بالعز ذلا وبالفرح ترحا، وبالسرور حزنا، وبالنعمة بؤسا، وبالغني فقرا، وبالسعة ضيقا، وبالشباب هرما، وبالشرف ضعة، وبالحياة موتا، فدلته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة، وحيدا فريدا غريبا، قد فارق الأحبة وفارقوه، خذله إخوانه فلم يجد عندهم دفعا، وصار عزه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده، كأن لم يكن في الدنيا ولم يذكر فيها ساعة قط ولم يكن له فيها خطر، ولم يملك من الأرض حظا قط فلا تتخذ فيها يا ابن الملك دارا، ولا تتخذن فيها عقد ولا عقارا، فأف لها وتف. قال ابن الملك: أف لها ولمن يغتر بها إذ كان هذا حالها ورق ابن الملك وقال: زدني أيها الحكيم من حديثك فإنه شفاء لما في صدري. قال الحكيم: إن العمر قصير، والليل والنهار يسرعان فيه، والارتحال من الدنيا حثيث قريب، وإنه وإن طال العمر فيها فإن الموت نازل، والظاعن لا محالة راحل فيصير ما جمع فيها مفرقا، وما عمل فيها متبرا، وما شيد فيها خرابا، ويصير اسمه مجهولا، وذكره منسيا، وحسبه خاملا وجسده باليا، وشرفه وضيعا، ونعمته وبالا، وكسبه خسارا، ويورث سلطانه، ويستذل عقبه، ويستباح حريمه، وتنقض عهوده، وتخفر ذمته، وتدرس آثاره، ويوزع ماله، ويطوى رحله، ويفرح عدوه ويبيد ملكه، ويورث تاجه، ويخلف على سريره، ويخرج من مساكنه مسلوبا مخذولا فيذهب به إلى قبره فيدلى في حفرته في وحدة وغربة وظلمة ووحشة ومسكنة وذلة، قد فارق الأحبة، وأسلمته العصبة فلا تؤنس وحشته أبدا، ولا ترد غربته أبدا، واعلم أنها يحق على المرء اللبيب من سياسة نفسه خاصة كسياسة الإمام العادل الحازم الذي يؤدب العامة، ويستصلح الرعية، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عما يفسدهم، ثم يعاقب من عصاه منهم، ويكرم من أطاعه منهم، فكذلك للرجل اللبيب أن يؤدب نفسه في جميع أخلاقها وأهوائها وشهواتها وأن تحملها وإن كرهت على لزوم منافعها فيما أحبت وكرهت، وعلى اجتناب مضارها، وأن يجعل لنفسه عن نفسه ثوابا وعقابا من مكانها من السرور إذا أحسنت، ومن مكانها من الغم إذا أساءت، ومما يحق على ذي العقل فيما ورد عليه من أموره، والاخذ بصوابها، وينهى نفسه عن خطائها، وأن يحتقر عمله ونفسه في رأيه لكيلا يدخله عجب، فإن الله عز وجل قد مدح أهل العقل وذم أهل العجب، ومن لا عقل له، وبالعقل يدرك كل خير بإذن الله تبارك وتعالى، وبالجهل تهلك النفوس، وإن من أوثق الثقات عند ذوي الألباب ما أدركته عقولهم، وبلغته تجاربهم، ونالته أبصارهم في الترك للأهواء والشهوات، وليس ذو العقل بجدير أن يرفض ما قوي على حفظه من العمل احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه، وإنما هذا من أسلحة الشيطان الغامضة التي لا يبصرها إلا من تدبرها، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله منها، ومن أسلحته سلاحان أحدهما إنكار العقل أن يوقع في قلب الانسان العاقل أنه لا عقل له ولا بصر ولا منفعة له في عقله وبصره، ويريد أن يصده عن محبة العلم وطلبه، ويزين له الاشتغال بغيره من ملاهي الدنيا، فإن أتبعه الانسان من هذا الوجه فهو ظفره، وإن عصاه وغلبه فرغ إلى السلاح الاخر وهو أن يجعل الانسان إذا عمل شيئا وأبصره عرض له بأشياء لا يبصرها ليغمزه ويضجره بما لا يعلم حتى يبغض إليه ما هو فيه بتضعيف عقله عنده، وبما يأتيه من الشبهة، ويقول: ألست ترى أنك لا تستكمل هذا الامر ولا تطيقه أبدا فبم تعني نفسك وتشقيها فيما لا طاقة لك به، فبهذا السلاح صرع كثيرا من الناس، فاحترس من أن تدع اكتساب علم ما تعلمه وأن تخدع عما اكتسبت منه، فإنك في دار قد استحوذ على أكثر أهلها الشيطان بألوان حيله ووجوه ضلالته، ومنهم من قد ضرب على سمعه وعقله وقلبه فتركه لا يعلم شيئا، ولا يسأل عن علم ما جهل منه كالبهيمة، وإن لعامتهم أديانا مختلفة فمنهم المجتهدون في الضلالة حتى أن بعضهم ليستحل دم بعض وأموالهم، ويموه ضلالتهم بأشياء من الحق ليلبس عليهم دينهم، ويزينه لضعيفهم، ويصدهم عن الدين القيم، فالشيطان وجنوده دائبون في إهلاك الناس، وتضليلهم لا يسأمون ولا يفترون ولا يحصى عددهم إلا الله، ولا يستطاع دفع مكائدهم إلا بعون من الله عز وجل والاعتصام بدينه، فنسأل الله توفيقا لطاعته ونصرا على عدونا، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن الملك: صف لي الله سبحانه وتعالى حتى كأني أراه قال: إن الله تقدس ذكره لا يوصف بالرؤية، ولا يبلغ بالعقول كنه صفته، ولا تبلغ الألسن كنه مدحته، ولا يحيط العباد من علمه إلا بما علمهم منه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام بما وصف به نفسه، ولا تدرك الأوهام عظم ربوبيته، هو أعلى من ذلك وأجل وأعز وأعظم وأمنع وألطف، فتاح للعباد من علمه بما أحب، وأظهرهم من صفته على ما أراد، وأدلهم على معرفته ومعرفة ربوبيته بإحداث ما لم يكن، وإعدام ما أحدث. قال ابن الملك: وما الحجة؟ قال: إذا رأيت شيئا مصنوعا غاب منك صانعه علمت بعقلك أن له صانعا، فكذلك السماء والأرض وما بينهما، فأي حجة أقوى من ذلك. قال ابن الملك: فأخبرني أيها الحكيم أبقدر من الله عز وجل يصيب الناس ما يصيبهم من الأسقام والأوجاع والفقر والمكاره أو بغير قدر. قال بلوهر: لا بل بقدر، قال: فأخبرني عن أعمالهم السيئة، قال: إن الله عز وجل من سيئ أعمالهم برئ ولكنه عز وجل أوجب الثواب العظيم لمن أطاعه والعقاب الشديد لمن عصاه. قال: فأخبرني من أعدل الناس ومن أجورهم، ومن أكيسهم ومن أحمقهم، ومن أشقاهم ومن أسعدهم؟ قال: أعدلهم أنصفهم من نفسه وأجورهم من كان جوره عنده عدلا وعدل أهل العدل عنده جورا، وأما أكيسهم فمن أخذ لاخرته أهبتها ، وأحمقهم من كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، وأسعدهم من ختم عاقبة عمله بخير، وأشقاهم من ختم له بما يسخط الله عز وجل. ثم قال: من دان الناس بما إن دين بمثله هلك فذلك المسخط لله، المخالف لما يحب، ومن دانهم بما إن دين بمثله صلح فذلك المطيع لله الموافق لما يحب المجتنب لسخطه، ثم قال: لا تستقبحن الحسن وإن كان في الفجار، ولا تستحسنن القبيح وإن كان في الأبرار. ثم قال له: أخبرني أي الناس أولى بالسعادة؟ وأيهم أولى بالشقاوة؟ قال بلوهر: أولاهم بالسعادة المطيع لله عز وجل في أمره، والمجتنب لنواهيه، وأولاهم بالشقاوة العامل بمعصية الله، التارك لطاعته، المؤثر لشهوته على رضى الله عز وجل، قال: فأي الناس أطوعهم لله عز وجل؟ قال: أتبعهم لامره، وأقواهم في دينه، وأبعدهم من العمل بالسيئات، قال: فما الحسنات والسيئات؟ قال: الحسنات صدق النية والعمل، والقول الطيب، والعمل الصالح، والسيئات سوء النية، و سوء العمل، والقول السيئ، قال: فما صدق النية؟ قال: الاقتصاد في الهمة، قال: فما سوء القول؟ قال: الكذب، قال: فما سوء العمل؟ قال: معصية الله عز وجل قال: أخبرني كيف الاقتصاد في الهمة؟ قال: التذكر لزوال الدنيا وانقطاع أمرها، والكف عن الأمور التي فيها النقمة والتبعة في الآخرة. قال: فما السخاء؟ قال: إعطاء المال في سبيل الله عز وجل، قال: فما الكرم؟ قال: التقوى، قال: فما البخل؟ قال: منع الحقوق عن أهلها وأخذها من غير وجهها، قال: فما الحرص؟ قال: الاخلاد إلى الدنيا، والطماح إلى الأمور التي فيها الفساد، وثمرتها عقوبة الآخرة، قال: فما الصدق؟ قال: طريقة في الدين بأن لا يخادع المرء نفسه ولا يكذبها، قال: فما الحمق؟ قال: الطمأنينة إلى الدنيا و ترك ما يدوم ويبقى، قال: فما الكذب؟ قال: أن يكذب المرء نفسه فلا يزال بهواه شعفا ولدينه مسوفا، قال: أي الرجال أكملهم في الصلاح؟ قال: أكملهم في العقل وأبصرهم بعواقب الأمور، وأعملهم بخصومة، وأشدهم منهم احتراسا، قال: أخبرني ما تلك العاقبة وما أولئك الخصماء الذين يعرفهم العاقل فيحترس منهم؟ قال: العاقبة الآخرة، والعناء الدنيا، قال: فما الخصماء؟ قال: الحرص والغضب والحسد و الحمية والشهوة والرياء واللجاجة. قال: أي هؤلاء الذين عددت أقوى وأجدر أن لا يسلم منه؟ قال: الحرص أقل رضا وأفحش غضبا، والغضب أجور سلطانا وأقل شكرا وأكسب للبغضاء، والحسد أسوء الخيبة للنية، وأخلف للظن، والحمية أشد لجاجة وأفضع معصية، والحقد أطول توقدا وأقل رحمة وأشد سطوة، والرياء أشد خديعة، وأخفى اكتنانا وأكذب، واللجاجة أعي حصومة، وأقطع معذرة. قال: أي مكائد الشيطان للناس في هلاكهم أبلغ؟ قال: تعميته عليهم البر والاثم والثواب والعقاب وعواقب الأمور في ارتكاب الشهوات، قال: أخبرني بالقوة التي قوى الله عز وجل بها العباد في تغالب تلك الأمور السيئة والأهواء المردية؟ قال: العلم والعقل والعمل بهما، وصبر النفس عن شهواتها، والرجاء للثواب في الدين، وكثرة الذكر لفناء الدنيا، وقرب الأجل، والاحتفاظ من أن ينقض ما يبقى بما يفنى، واعتبار ماضي الأمور بعاقبتها، والاحتفاظ بما لا يعرف إلا عند ذوي العقول، وكف النفس عن العادة السيئة وحملها على العادة الحسنة، والخلق المحمود، وأن يكون أمل المرء بقدر عيشه حتى يبلغ غايته، فإن ذلك هو القنوع وعمل الصبر والرضا بالكفاف واللزوم للقضاء والمعرفة بما فيه في الشدة من التعب وما في الافراط من الاغتراف، وحسن العزاء عما فات، وطيب النفس عنه وترك معالجة مالا يتم، والصبر بالأمور التي إليها يرد، واختيار سبيل الرشد على سبيل الغي، وتوطين النفس على أنه إن عمل خيرا جزي به وإن عمل شرا جزي به، والمعرفة بالحقوق والحدود في التقوى، وعمل النصيحة، وكف النفس عن اتباع الهوى وركوب الشهوات، وحمل الأمور على الرأي والاخذ بالحزم والقوة، فإن أتاه البلاء أتاه وهو معذور غير ملوم. قال ابن الملك: أي الأخلاق أكرم وأعز؟ قال: التواضع ولين الكلمة للاخوان في الله عز وجل، قال: أي العبادة أحسن؟ قال: الوقار والمودة قال: فأخبرني أي الشيم أفضل؟ قال: حب الصالحين، قال: أي الذكر أفضل؟ قال: ما كان في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فأي الخصوم ألد؟ قال: ترك الذنوب، قال ابن الملك: أخبرني أي الفضل أفضل؟ قال: الرضا بالكفاف، قال: أخبرني أي الأدب أحسن؟ قال: أدب الدين، قال: أي الشئ أجفا؟ قال السلطان العاتي، والقلب القاسي، قال: أي شئ أبعد غاية؟ قال: عين الحريص التي لا يشبع من الدنيا، قال: أي الأمور أخبث عاقبة؟ قال: التماس رضى الناس في سخط الله عز وجل، قال: أي شئ أسرع تقلبا، قال: قلوب الملوك الذين يعملون للدنيا، قال: فأخبرني أي الفجور أفحش؟ قال: إعطاء عهد الله والغدر فيه، قال: فأي شئ أسرع انقطاعا، قال: مودة الفاسق، قال: فأي شئ أخون؟ قال: لسان الكاذب، قال: فأي شئ أشد اكتتاما؟ قال: شر المرائي المخادع، قال: فأي شئ أشبه بأحوال الدنيا؟ قال: أحلام النائم، قال: أي الرجال أفضل رضى؟ قال: أحسنهم ظنا بالله عز وجل وأتقاهم وأقلهم غفلة عن ذكر الله وذكر الموت وانقطاع المدة، قال: أي شئ من الدنيا أقر للعين؟ قال: الولد الأديب والزوجة الموافقة المؤاتية المعينة على أمر الآخرة، قال: أي الداء ألزم في الدنيا؟ قال: الولد السوء والزوجة السوء اللذين لا يجد منهما بدا، قال: أي الخفض أخفض؟ قال: رضى المرء بحظه واستيناسه بالصالحين. ثم قال ابن الملك للحكيم: فرغ لي ذهنك فقد أردت مساءلتك عن أهم الأشياء إلي بعد إذ بصرني الله عز وجل من أمري ما كنت به جاهلا، ورزقني من الدين ما كنت منه آيسا. قال الحكيم: سل عما بدا لك، قال ابن الملك: أرأيت من أوتي الملك طفلا ودينه عبادة الأوثان وقد غذي بلذات الدنيا واعتادها ونشأ فيها إلى أن كان رجلا وكهلا لا ينتقل من حالته تلك في جهالته بالله تعالى ذكره وإعطائه نفسه شهواتها متجردا لبلوغ الغاية فيما زين له من تلك الشهوات مشتغلا بها، مؤثرا لها، جريا عليها، لا يرى الرشد إلا فيها، ولا تزيده الأيام إلا حبا لها واغترارا بها وعجبا وحبا لأهل ملته ورأيه وقد دعته بصيرته في ذلك إلى أن جهل أمر آخرته وأغفلها فاستخفها وسها عنها قساوة قلب وخبث نية وسوء رأي، واشتدت عداوته لمن خالفه من أهل الدين والاستخفاء بالحق والمغيبين لأشخاصهم انتظارا للفرج من ظلمه وعداوته هل يطمع له إن طال عمره في النزوع عما هو عليه؟ والخروج منه إلى ما الفضل فيه بين والحجة فيه واضحة؟ والحظ جزيل من لزوم ما أبصرت من الدين فيأتي ما يرجى له [بعد] مغفرة ما قد سلف من ذنوبه وحسن الثواب في مآبه. قال الحكيم: قد عرفت هذه الصفة، وما دعاك إلى هذه المسألة؟. قال ابن الملك: ما ذاك منك بمستنكر لفضل ما أوتيت من الفهم وخصصت به من العلم. قال الحكيم: أما صاحب هذه الصفة فالملك والذي دعاك إليه العناية بما سألت عنه، والاهتمام به من أمره، والشفقة عليه من عذاب ما أوعد الله عز وجل من كان على مثل رأيه وطبعه وهواه، مع ما نويت من ثواب الله تعالى ذكره في أداء حق ما أوجب الله عليك له، وأحسبك تريد بلوغ غاية العذر في التلطف لانفاذه و إخراجه عن عظيم الهول ودائم البلاء الذي لا انقطاع له من عذاب الله إلى السلامة وراحة الأبد في ملكوت السماء. قال ابن الملك: لم تحرم حرفا عما أردت فأعلمني رأيك فيما عنوت من أمر الملك وحاله التي أتخوف أن يدركه الموت عليها فتصيبه الحسرة والندامة حين لا أغني عنه شيئا فاجعلني منه على يقين وفرج عني فأنا به مغموم شديد الاهتمام به فإني قليل الحيلة فيه. قال الحكيم: أما رأينا فإنا لا نبعد مخلوقا من رحمة الله خالقه عز وجل ولا نأيس له منها ما دام فيه الروح، وإن كان عاتيا طاغيا ضالا لما قد وصف ربنا تبارك وتعالى به نفسه من التحنن والرأفة والرحمة ودل عليه من الايمان وما أمر به من الاستغفار والتوبة وفي هذا فضل الطمع لك في حاجتك إن شاء الله، وزعموا أنه كان في زمن من الأزمان ملك عظيم الصوت في العلم، رفيق سايس يحب العدل في أمته والاصلاح لرعيته، عاش بذلك زمانا بخير حال، ثم هلك فجزعت عليه أمته وكان بامرأة له حمل فذكر المنجمون والكهنة أنه غلام وكان يدبر ملكهم من كان يلي ذلك في زمان ملكهم فاتفق الامر كما ذكره المنجمون والكهنة وولد من ذلك الحمل غلام فأقاموا عند ميلاده سنة بالمعازف والملاهي والأشربة والأطعمة، ثم إن أهل العلم منهم والفقه والربانيين قالوا لعامتهم: إن هذا المولود إنما هو هبة من الله تعالى وقد جعلتم الشكر لغيره وإن كان هبة من غير الله عز وجل فقد أديتم الحق إلى من أعطاكموه واجتهدتم في الشكر لمن رزقكموه، فقال لهم العامة: ما وهبه لنا إلا الله تبارك وتعالى، ولا أمتن به علينا غيره، قال العلماء: فإن كان الله عز وجل هو الذي وهبه لكم فقد أرضيتم غير الذي أعطاكم وأسخطتم الله الذي وهبه لكم فقالت لهم الرعية: فأشيروا لنا أيها الحكماء وأخبرونا أيها العلماء فنتبع قولكم ونتقبل نصيحتكم، ومرونا بأمركم. قالت العلماء: فإنا نرى لكم أن تعدلوا عن اتباع مرضات الشيطان بالمعازف والملاهي والمسكر إلى ابتغاء مرضات الله عز وجل وشكره على ما أنعم به عليكم أضعاف شكركم للشيطان حتى يغفر لكم ما كان منكم قالت الرعية: لا تحمل أجسادنا كل الذي قلتم وأمرتم به، قالت العلماء: يا أولى الجهل كيف أطعتم من لا حق له عليكم وتعصون من له الحق الواجب عليكم وكيف قويتم على مالا ينبغي وتضعفون عما ينبغي؟! قالوا لهم: يا أئمة الحكماء عظمت فينا الشهوات وكثرت فينا اللذات فقوينا بما عظم فينا منها على العظيم من مشكلها و ضعفت منا النيات فعجزنا عن حمل المثقلات فارضوا منا في الرجوع عن ذلك يوما فيوما، ولا تكلفونا كل هذا الثقل. قالوا لهم: يا معشر السفهاء ألستم أبناء الجهل وإخوان الضلال حين خفت عليكم الشقوة وثقلت عليكم السعادة، قالوا لهم: أيها السادة الحكماء والقادة العلماء إنا نستجير من تعنيفكم إيانا بمغفرة الله عز وجل ونستتر من تعييركم لنا بعفوه فلا تؤنبونا ولا تعيرونا بضعفنا ولا تعيبوا الجهالة علينا فإنا إن أطعنا الله مع عفوه وحلمه وتضعيفه الحسنات أو اجتهدنا في عبادته مثل الذي بذلنا لهوانا من الباطل بلغنا حاجتنا وبلغ الله عز وجل بنا غايتنا ورحمنا كما خلقنا، فلما قالوا ذلك أقرهم علماؤهم ورضوا قولهم فصلوا وصاموا وتعبدوا وأعظموا الصدقات سنة كاملة، فلما انقضى ذلك منهم قالت الكهنة إن الذي صنعت هذه الأمة على هذا المولود يخبر أن هذا الملك يكون فاجرا ويكون بارا، ويكون متجبرا ويكون متواضعا ويكون مسيئا ويكون محسنا. وقال المنجمون مثل ذلك، فقيل لهم: كيف قلتم ذلك؟ قال الكهنة: قلنا هذا من قبل اللهو والمعازف والباطل الذي صنع عليه، وما صنع عليه من ضده بعد ذلك، وقال المنجمون: قلنا ذلك من قبل استقامة الزهرة والمشتري، فنشأ الغلام بكبر لا يوصف عظمته، ومرح لا ينعت، وعدوان لا يطاق فعسف وجار وظلم في الحكم وغشم وكان أحب الناس إليه من وافقه على ذلك وأبغض الناس إليه من خالفه في شئ من ذلك، واغتر بالشباب والصحة والقدرة والظفر والنظر فامتلأ سرورا وإعجابا بما هو فه ورأي كلما يحبه وسمع كلما اشتهى حتى بلغ اثنين و ثلاثين سنة، ثم جمع نساء من بنات الملوك وصبيانا والجواري والمخدرات وخيله المطهمات العناق وألوان مراكبه الفاخرة ووصائفه وخدامه الذين يكونون في خدمته فأمرهم أن يلبسوا أجد ثيابهم ويتزينوا بأحسن زينتهم وأمر ببناء مجلس مقابل مطلع الشمس، صفائح أرضه الذهب مفضضا بأنواع الجواهر، طوله مائة وعشرون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مزخرفا سقفه وحيطانه، قد زين بكرائم الحلي وصنوف الجوهر واللؤلؤ النظيم وفاخره، وأمر بضروب الأموال فأخرجت من الخزائن ونضدت سماطين أمام مجلسه، وأمر جنوده وأصحابه وقواده وكتابه وحجابه وعظماء أهل بلاده وعلمائهم فحضروا في أحسن هيئتهم وأجمل جمالهم وتسلح فرسانه وركبت خيوله في عدتهم، ثم وقفوا على مراكزهم ومراتبهم صفوفا وكراديس، وإنما أراد بزعمه أن ينظر إلى منظر رفيع حسن تسر به نفسه وتقر به عينه، ثم خرج فصعد إلى مجلسه فأشرف على مملكته فخروا له سجدا، فقال لبعض غلمانه: قد نظرت في أهل مملكتي إلى منظر حسن وبقي أن أنظر إلى صورة وجهي فدعا بمرآة فنظر إلى وجهه فبينا هو يقلب طرفه فيها إذ لاحت له شعرة بيضاء من لحيته كغراب أبيض بين غربان سود، واشتد منها ذعره وفزعه وتغير في عينه حاله وظهرت الكآبة والحزن في وجهه وتولى السرور منه. ثم قال في نفسه: هذا حين نعي إلى شبابي وبين لي أن ملكي في ذهاب وأوذنت بالنزول عن سرير ملكي، ثم قال: هذه مقدمة الموت ورسول البلاء لم يحجبه عني حاجب، ولم يمنعه عني حارس، فنعى إلى نفسي وأذن لي بزوال ملكي فما أسرع هذا في تبديل بهجتي وذهاب سروري، وهدم قوتي، لم يمنعه مني الحصون ولم تدفعه عني الجنود، هذا سالب الشباب والقوة، وما حق العز والثروة، ومفرق الشمل وقاسم التراث بين الأولياء والأعداء، مفسد المعاش، ومنغص اللذات ومخرب العمارات ومشتت الجمع، وواضع الرفيع، ومذل المنيع، قد أناخت بي أثقاله ونصب لي حباله. ثم نزل عن مجلسه حافيا ماشيا، وقد صعد إليه محمولا، ثم جمع إليه جنوده ودعا إليه ثقاته فقال: أيها الملا ماذا صنعت فيكم وما أتيت إليكم منذ ملكتكم ووليت أموركم؟ قالوا له: أيها الملك المحمود عظم بلاؤك عندنا وهذه أنفسنا مبذولة في طاعتك، فمرنا بأمرك، قال: طرقني عدو نحيف لم تمنعوني منه حتى نزل بي وكنتم عدتي وثقاتي، قالوا: أيها الملك أين هذا العدو؟ أيرى أم لا يرى؟ قال: يرى بأثر ولا يرى عينه، قالوا: أيها الملك هذه عدتنا كما ترى وعندنا سكن وفينا ذووا الحجى والنهى، فأرناه نكفك ما مثله يكفي، قال: قد عظم الاغترار مني بكم ووضعت الثقة في غير موضعها حين اتخذتكم وجعلتكم لنفسي جنة، وإنما بذلت لكم الأموال ورفعت شرفكم وجعلتكم البطانة دون غيركم لتحفظوني من الأعداء وتحرسوني منهم، ثم أيدتكم على ذلك بتشييد البلدان وتحصين المدائن والثقة من الصلاح ونحيت عنكم الهموم وفرغتكم للنجدة والاحتفاظ، ولم أكن أخشى أن اراع معكم ولا أتخوف المنون على بنياني وأنتم عكوف مطيفون به فطرقت وأنتم حولي واتيت وأنتم معي، فلئن كان هذا ضعف منكم فما أخذت أمري بثقة وإن كانت غفلة منكم فما أنتم بأهل النصيحة ولا علي بأهل الشفقة، قالوا: أيها الملك أما شئ نطيق دفعه بالخيل والقوة فليس بواصل إليك إن شاء الله ونحن أحياء، وأما ما لا يرى فقد غيب عنا علمه وعجزت قوتنا عنه. قال: أليس اتخذتكم لتمنعوني من عدوي، قالوا: بلي، قال: فمن أي عدو تحفظوني من الذي يضرني أو من الذي لا يضرني؟ قالوا: من الذي يضرك؟ قال: أفمن كل ضار لي أو من بعضهم؟ قالوا: من كل ضار، قال: فإن رسول البلى قد أتاني ينعى إلى نفسي وملكي ويزعم أنه يريد خراب ما عمرت وهدم ما بنيت وتفريق ما جمعت. وفساد ما أصلحت وتبذير ما أحرزت وتبديل ما عملت وتوهين ما وثقت، وزعم أن معه الشماتة من الأعداء وقد قرت بي أعينهم فإنه يريد أن يعطيهم مني شفاء صدورهم وذكر أنه سيهزم جيشي ويوحش انسي ويذهب عزي ويؤتم ولدي ويفرق جموعي ويفجع بي إخواني وأهلي وقرابتي ويقطع أوصالي ويسكن مساكن أعدائي، قالوا: أيها الملك إنما نمنعك من الناس والسباع والهوام ودواب الأرض، فأما البلاء فلا طاقة لنا به ولا قوة لنا عليه ولا امتناع لنا منه، فقال: فهل من حيلة في دفع ذلك مني؟ قالوا: لا، قال: فشئ دون ذلك تطيقونه؟ قالوا: وما هو؟ قال: الأوجاع والأحزان والهموم، قالوا: أيها الملك إنما قد قدر هذه الأشياء قوي لطيف وذلك يثور من الجسم والنفس وهو يصل إليك إذا لم يوصل ولا يحجب عنك وإن حجب قال: فأمر دون ذلك، قالوا: وما هو؟ قال: ما قد سبق من القضاء. قالوا: أيها الملك ومن ذا غالب القضاء فلم يغلب؟ ومن ذا كابره فلم يقهر؟ قال: فماذا عندكم؟ قالوا: ما نقدر على دفع القضاء، وقد أصبت التوفيق والتسديد فماذا الذي تريد، قال: أريد أصحابا يدوم عهدهم ويفوا لي وتبقى لي إخوتهم ولا يحجبهم عني الموت ولا يمنعهم البلى عن صحبتي ولا يشتمل بهم الامتناع عن صحبتي ولا يفردوني إن مت، ولا يسلموني إن عشت، ويدفعون عني ما عجزتم عنه من أمر الموت. قالوا: أيها الملك ومن هؤلاء الذين وصفت؟ قال: هم الذين أفسدتهم باستصلاحكم، قالوا: أيها الملك أفلا تصطنع عندنا وعندهم معروفا فإن أخلاقك تامة ورأفتك عظيمة؟ قال: إن في صحبتكم إياي السم القاتل، والصمم والعمى في طاعتكم، والبكم في موافقتكم، قالوا: كيف ذاك أيها الملك؟ قال: صارت صحبتكم إياي في الاستكثار وموافقتكم على الجمع، وطاعتكم إياي في الاغتفال فبطأتموني عن المعاد، وزينتم لي الدنيا، ولو نصحتموني ذكرتموني الموت، ولو أشفقتم علي ذكرتموني البلاء، وجمعتم لي ما يبقى، ولم تستكثروا لي ما يفنى، فإن تلك المنفعة التي ادعيتموها ضرر، وتلك المودة عداوة، وقد رددتها عليكم لا حاجة لي فيها منكم. قالوا: أيها الملك الحكيم المحمود قد فهمنا مقالتك وفي أنفسنا إجابتك وليس لنا أن نحتج عليك فقد رأينا مكان الحجة، فسكوتنا عن حجتنا فساد لملكنا، وهلاك لدنيانا وشماتة لعدونا، وقد نزل بنا أمر عظيم بالذي تبدل من رأيك وأجمع عليه أمرك قال: قولوا: آمنين واذكروا ما بدا لكم غير مرعوبين فإني كنت إلى اليوم مغلوبا بالحمية والأنفة وأنا اليوم غالب لهما، وكنت إلى اليوم مقهورا لهما وأنا اليوم قاهر لهما، وكنت إلى اليوم ملكا عليكم فقد صرت عليكم مملوكا، وأنا اليوم عتيق وأنتم من مملكتي طلقاء، قالوا: أيها الملك ما الذي كنت مملوكا إذ كنت علينا ملكا، قال: كنت مملوكا لهواي مقهورا بالجهل مستعبدا لشهواتي فقد قطعت تلك الطاعة عني ونبذتها خلف ظهري، قالوا: فقل ما أجمعت أيها الملك؟ قال: القنوع والتخلي لآخرتي وترك هذا الغرور ونبذ هذا الثقل عن ظهري والاستعداد للموت، والتأهب للبلاء، فإن رسوله عندي قد ذكر أنه قد أمر بملازمتي والإقامة معي حتى يأتيني الموت، فقالوا: أيها الملك ومن هذا الرسول الذي قد أتاك ولم نره، وهو مقدمة الموت الذي لا نعرفه، قال: أما الرسول فهذا البياض يلوح بين السواد، وقد صاح في جميعه بالزوال فأجابوا وأذعنوا، وأما مقدمة الموت فالبلاء الذي هذا البياض طرقه. قالوا: أيها الملك أفتدع مملكتك وتهمل رعيتك وكيف لا تخاف الاثم في تعطيل أمتك ألست تعلم أن أعظم الامر في استصلاح الناس وأن رأس الصلاح الطاعة للأمة والجماعة، فكيف لا تخاف من الاثم، وفي هلاك العامة من الاثم فوق الذي ترجو من الاجر في صلاح الخاصة، ألست تعلم أن أفضل العبادة العمل وأن أشد العمل السياسة، فإنك أيها الملك ما في يديك عدل على رعيتك، مستصلح لها بتدبيرك، فإن لك من الاجر بقدر ما استصلحت، ألست أيها الملك إذا خليت ما في يديك من صلاح أمتك فقد أردت فسادهم، وإذا أردت فسادهم فقد حملت من الاثم فيهم أعظم مما أنت تصيب من الاجر في خاصة يديك. ألست أيها الملك قد علمت أن العلماء قالوا: من أتلف نفسا فقد استوجب لنفسه الفساد، ومن أصلحها فقد استوجب الصلاح لبدنه، وأي فساد أعظم من رفض هذه الرعية التي أنت إمامها والإقامة في هذه الأمة التي أنت نظامها حاشا لك أيها - الملك أن تخلع عنك لباس الملك الذي هو الوسيلة إلي شرف الدنيا والآخرة، قال: قد فهمت الذي ذكرتم وعقلت الذي وصفتم فإن كنت إنما أطلب الملك عليكم للعدل فيكم والاجر من الله تعالى ذكره في استصلاحكم بغير أعوان يرفدونني ووزراء يكفونني فما عسيت أن أبلغ بالوحدة فيكم ألستم جميعا نزعا إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها ولا آمن أن أخلد إلى الدنيا التي أرجو أن أدعها وأرفضها، فإن فعلت ذلك أتاني الموت على غرة، فأنزلني عن سرير ملكي إلى بطن الأرض وكساني التراب بعد الديباج والمنسوج بالذهب ونفيس الجوهر، وضمني إلى الضيق بعد السعة، وألبسني الهوان بعد الكرامة، فأصبر فريدا بنفسي ليس معي أحد منكم في الوحدة، قد أخرجتموني من العمران، وأسلمتموني إلى الخراب، وخليتم بين لحمي وسباع الطير وحشرات الأرض فأكلت مني النملة فما فوقها من الهوام وصار جسدي دودا وجيفة قذرة، الذل لي حليف، والعز مني غريب أشدكم حبا إلي أسرعكم إلى دفني، والتخلية بيني وبين ما قدمت من عملي، أسلفت من ذنوبي، فيورثني ذلك الحسرة، ويعقبني الندامة، وقد كنتم وعدتموني أن تمنعوني من عدوي الضار فإذا أنتم لا منع عندكم ولا قوة على ذلك لكم ولا سبيل لكم، أيها الملا إني محتال لنفسي إذ جئتم بالخداع، ونصبتم لي شراك الغرور . فقالوا: أيها الملك المحمود لسنا الذي كنا كما أنك لست الذي كنت، وقد أبد لنا الذي أبد لك، وغيرنا الذي غيرك، فلا ترد علينا توبتنا وبذل نصيحتنا، قال: أنا مقيم فيكم ما فعلتم ذلك ومفارقكم إذا خالفتموه، فأقام ذلك الملك في ملكه وأخذ جنوده بسيرته واجتهدوا في العبادة فخصبت بلادهم وغلبوا عدوهم وازداد ملكهم حتى هلك ذلك الملك، وقد صار فيهم بهذه السيرة اثنين وثلاثين سنة فكان جميع ما عاش أربعا وستين سنة. قال يوذاسف: قد سررت بهذا الحديث جدا، فزدني من نحوه أزدد سرورا ولربي شكرا. قال الحكيم: زعموا أنه كان ملك من الملوك الصالحين وكان له جنود يخشون الله عز وجل ويعبدونه، وكان في ملك أبيه شدة من زمانهم والتفرق فيما بينهم وتنقص العدو من بلادهم، وكان يحثهم على تقوى الله عز وجل وخشيته والاستعانة به ومراقبته والفزع إليه، فلما ملك ذلك الملك قهر عدوه واستجمعت رعيته وصلحت بلاده وانتظم له الملك، فلما رأى ما فضل الله عز وجل به أترفه ذلك وأبطره وأطغاه حتى ترك عبادة الله عز وجل وكفر نعمه، وأسرع في قتل من عبد الله ودام ملكه وطالت مدته حتى ذهل الناس عما كانوا عليه من الحق قبل ملكه ونسوه وأطاعوه فيما أمرهم به وأسرعوا إلى الضلالة، فلم يزل على ذلك فنشاء فيه الأولاد وصار لا يعبد الله عز وجل فيهم ولا يذكر بينهم اسمه ولا يحسبون أن لهم إلها غير الملك، وكان ابن الملك قد عاهد الله عز وجل في حياة أبيه إن هو ملك يوما أن يعمل بطاعة الله عز وجل بأمر لم يكن من قبله من الملوك يعملون به ولا يستطيعونه، فلما ملك أنساه الملك رأيه الأول ونيته التي كان عليها، وسكر سكر صاحب الخمر، فلم يكن يصحو ويفيق . وكان من أهل لطف الملك رجل صالح أفضل أصحابه منزلة عنده، فتوجع له مما رأى من ضلالته في دينه ونسيانه ما عاهد الله عليه، وكان كلما أراد أن يعظه ذكر عتوه وجبروته ولم يكن بقي من تلك الأمة غيره وغير رجل آخر في ناحية أرض الملك لا يعرف مكانه ولا يدعى باسمه. فدخل ذات يوم على الملك بجمجمة قد لفها في ثيابه، فلما جلس عن يمين الملك انتزعها عن ثيابه ثم وطئها برجله فلم يزل يفركها بين يدي الملك وعلى بساطه حتى دنس مجلس الملك بما تحات من تلك الجمجمة، فلما رأى الملك ما صنع غضب من ذلك غضبا شديدا، وشخصت إليه أبصار جلسائه واستعدت الحرس بأسيافهم انتظارا لامره إياهم، بقتله والملك في ذلك مالك لغضبه، وقد كانت الملوك في ذلك الزمام مع جبروتهم وكفرهم ذوي أناة وتؤدة، استصلاحا للرعية على عمارة أرضهم ليكون ذلك أعون للجلب وأدى للخراج، فلم يزل الملك ساكتا على ذلك حتى قام من عنده، فلف تلك الجمجمة في ثوبه، ثم فعل ذلك في اليوم الثاني والثالث فلما رأى أن الملك لا يسأله عن تلك الجمجمة، ولا يستنطقه في شئ من شأنها أدخل مع تلك الجمجمة ميزانا وقليلا من تراب فلما صنع بالجمجمة ما كان يصنع أخذ الميزان وجعل في إحدى كفيته درهما وفي الأخرى بوزنه ترابا ثم جعل ذلك التراب في عين تلك الجمجمة ثم أخذ قبضة من التراب فوضعها في موضع الفم من تلك الجمجمة. فلما رأى الملك ما صنع قل صبره وبلغ مجهوده، فقال لذلك الرجل: قد علمت أنك إنما اجترأت على ما صنعت لمكانك مني وإدلالك علي، وفضل منزلتك عندي، ولعلك تريد بما صنعت أمرا، فخر الرجل للملك ساجدا وقبل قدميه، وقال: أيها الملك أقبل علي بعقلك كله فإن مثل الكلمة كمثل السهم إذا رمى به في أرض لينة يثبت فيها وإذا رمى في الصفا لم يثبت ومثل الكلمة كمثل المطر إذا أصاب أرضا طيبة مزروعة ينبته فيها، وإذا أصاب السباخ لم ينبت، وإن أهواء الناس متفرقة، والعقل والهوى يصطرعان في القلب، فإن غلب هوى العقل عمل الرجل بالطيش والسفه، وإن كان الهوى هو المغلوب لم يوجد في أمر الرجل سقطة، فإني لم أزل منذ كنت غلاما أحب العلم وأرغب فيه وأوثره على الأمور كلها، فلم أدع علما إلا بلغت منه أفضل مبلغ، فبينا أنا ذات يوم أطوف بين القبور إذ قد بصرت بهذه الجمجمة بارزة من قبور الملوك، فغاظني موقعها وفراقها جسدها غضبا للملوك فضممتها إلي وحملتها إلى منزلي فألبستها الديباج ونضحتها بالماء الورد والطيب ووضعتها على الفرش وقلت إن كان من جماجم الملوك فسيؤثر فيها إكرامي إياها، وترجع إلى جمالها وبهائها، وإن كانت من جماجم المساكين فإن الكرامة لا تزيدها شيئا ففعلت ذلك بها أياما فلم أستنكر من هيئتها شيئا فلما رأيت ذلك دعوت عبدا هو أهون عبدي عندي فأهانها فإذا هي في حالة واحدة عند الإهانة والاكرام، فلما رأيت ذلك أتيت الحكماء فسألتهم عنها فلم أجد عندهم علما بها، ثم علمت أن الملك منتهى العلم ومأوى الحلم فأتيتك خائفا على نفسي فلم يكن لي أن أسألك عن شئ حتى تبدأني به وأحب أن تخبرني أيها الملك أجمجمة ملك أم جمجمة مسكين فإنها لما أعياني أمرها تفكرت في أمرها وفي عينها التي كانت لا يملاؤها شئ حتى لو قدرت على ما دون السماء من شئ تطلعت إلى أن تتناول ما فوق السماء، فذهبت أنظر ما الذي يسدها ويملأها فإذا وزن درهم من تراب قد سدها وملأها، و نظرت إلى فيها الذي لم يكن يملأه شئ فملأته قبضة من تراب، فإن أخبرتني أيها الملك أنها جمجمة مسكين احتججت عليك بأني قد وجدتها وسط قبور الملوك، ثم أجمع جماجم ملوك وجماجم مساكين فإن كان لجماجمكم عليها فضل، فهو كما قلت، وإن أخبرتني بأنها من جماجم الملوك أنبأتك أن ذلك الملك الذي كانت هذه جمجمته قد كان من بهاء الملك وجماله وعزته في مثل ما أنت فيه اليوم فحاشاك أيها الملك أن تصير إلى حال هذه الجمجمة فتوطأ بالاقدام وتخلط بالتراب ويأكلك الدود وتصبح بعد الكثرة قليلا وبعد العزة ذليلا، وتسعك حفرة طولها أدنى من أربعة أذرع، ويورث ملكك وينقطع خبرك ويفسد صنايعك ويهان من أكرمت ويكرم من أهنت ويستبشر أعداءك ويضل أعوانك ويحول التراب دونك، فإن دعوناك لم تسمع، وإن أكرمناك لم تقبل، وإن أهناك لم تغضب، فيصير بنوك يتامى ونساؤك أيامي وأهلك يوشك أن يستبدلن أزواجا غيرك. فلما سمع الملك ذلك فزع قلبه وانسكبت عيناه يبكى ويقول ويدعو بالويل، فلما رأي الرجل ذلك علم أن قوله قد استمكن من الملك، وقوله قد أنجع فيه زاده ذلك جرأة عليه وتكريرا لما قال، فقال له الملك: جزاك الله عني خيرا وجزا من حولي من العظماء شرا، لعمري لقد علمت ما أردت بمقالتك هذه وقد أبصرت أمري فسمع الناس خبره فتوجهوا أهل الفضل إليه وختم له بالخير وبقي عليه إلى أن فارق الدنيا. قال ابن الملك: زدني من هذا المثل قال الحكيم: زعموا أن ملكا كان في أول الزمان وكان حريصا على أن يولد له وكان لا يدع شيئا مما يعالج به الناس أنفسهم إلا أتاه وصنعه، فلما طال ذلك عليه من أمره حملت امرأة له من نسائه فولدت له غلاما فلما نشأ وترعرع خطا ذات يوم خطوة فقال: معادكم تجفون، ثم خطا أخرى فقال: تهرمون، ثم خطا الثالثة فقال: ثم تموتون، ثم عاد كهيئته يفعل كما يفعل الصبي. فدعا الملك العلماء والمنجمين فقال: أخبروني خبر ابني هذا فنظروا في شأنه وأمره فأعياهم أمره، فلم يكن عندهم فيه علم، فلما رأى الملك أنه ليس عندهم فيه علم دفعه إلى المرضعات فأخذن في إرضاعه إلا أن منجما منهم قال: إنه سيكون إماما، وجعل عليه حراسا لا يفارقونه حتى إذا شب انسل يوما من عند مرضعيه والحرس فأتى السوق فإذا هو بجنازة فقال: ما هذا قالوا: إنسانا مات قال: ما أماته؟ قالوا: كبر وفنيت أيامه ودنى أجله فمات، قال: وكان صحيحا حيا يمشي ويأكل ويشرب؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل شيخ كبير فقام ينظر إليه متعجبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل شيخ كبير قد فنى شبابه وكبر، قال: وكان صغيرا ثم شاب؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل مريض مستلقى على ظهره، فقام ينظر إليه ويتعجب منه، فسألهم ما هذا؟ قالوا: رجل مريض، فقال: أو كان هذا صحيحا ثم مرض؟ قالوا: نعم قال: والله لئن كنتم صادقين فإن الناس لمجنونون. فافتقد الغلام عند ذلك فطلب فإذا هو بالسوق فأتوه فأخذوه وذهبوا به فأدخلوه البيت، فلما دخل البيت استلقى على قفاه ينظر إلى خشب سقف البيت و يقول: كيف كان هذا؟ قالوا: كانت شجرة ثم صارت خشبا، ثم قطع، ثم بني هذا البيت، ثم جعل هذا الخشب عليه، فبينا هو في كلامه إذا رسل الملك إلى الموكلين به: انظروا هل يتكلم أو يقول شيئا؟ قالوا: نعم وقد وقع في كلام ما نظنه إلا وسواسا، فلما رأى الملك ذلك وسمع جميع ما لفظ به الغلام، دعا العلماء فسألهم فلم يجد فيه عندهم علما إلا الرجل الأول فأنكر قوله فقال بعضهم: أيها الملك لو زوجته ذهب عنه الذي ترى، وأقبل وعقل وأبصر فبعث الملك في الأرض يطلب ويلتمس له امرأة فوجدت له امرأة من أحسن الناس وأجملهم فزوجها منه، فلما أخذوا في وليمة عرسه أخذ اللاعبون يلعبون والزمارون يزمرون، فلما سمع الغلام جلبتهم وأصواتهم قال: ما هذا؟ قالوا: هؤلاء لعابون وزمارون جمعوا لعرسك، فسكت الغلام، فلما فرغوا من العرس وأمسوا، دعا الملك امرأة ابنه فقال لها: إنه لم يكن لي ولد غير هذا الغلام، فلما دخلت عليه فألطفي به وأقربي منه وتحببي إليه، فلما دخلت المرأة عليه أخذت تدنو منه وتتقرب إليه، فقال الغلام على رسلك فإن الليل طويل، بارك الله فيك، واصبري حتى نأكل ونشرب، فدعا بالطعام فجعل يأكل فلما فرغ جعلت المرأة تشرب فلما أخذ الشراب منها نامت. فقام الغلام فخرج من البيت، وانسل من الحرس والبوابين حتى خرج وتردد في المدينة، فلقيه غلام مثله من أهل المدينة فأتبعه وألقى ابن الملك عنه تلك الثياب التي كانت عليه ولبس ثياب الغلام، وتنكر جهده وخرجا جميعا من المدينة فسارا ليلتهما حتى إذا قرب الصبح خشيا الطلب فكمنا، فاتيت الجارية عند الصبح فوجدوها نائمة فسألوها أين زوجك؟ قالت: كان عندي الساعة، فطلب الغلام فلم يقدر عليه، فلما أمسى الغلام وصاحبه سارا ثم جعلا يسيران الليل ويكمنان النهار حتى خرجا من سلطان أبيه، ووقعا في ملك سلطان آخر. وقد كان لذلك الملك الذي صارا إلى سلطانه ابنة قد جعل لها أن لا يزوجها أحدا إلا من هوته ورضيته، وبنى لها غرفة عالية مشرفة على الطريق فهي فيها جالسة تنظر إلى كل من أقبل وأدبر فبينما هي كذلك إذ نظرت إلى الغلام يطوف في السوق وصاحبه معه في خلقانه، فأرسلت إلى أبيها إني قد هويت رجلا فإن كنت مزوجي أحدا من الناس فزوجني منه واتيت أم الجارية فقيل لها: إن ابنتك قد هويت رجلا وهي تقول كذا وكذا، فأقبلت إليها فرحة حتى تنظر إلى الغلام فأروها إياه فنزلت أمها مسرعة حتى دخلت على الملك، فقالت: إن ابنتك قد هويت غلاما فأقبل الملك ينظر إليه، ثم قال أرونيه فأروه من بعد فأمر أن يلبس ثيابا أخرى ونزل فسأله واستنطقه وقال: من أنت ومن أين أنت؟ قال الغلام: وما سؤالك عني أنا رجل من مساكين الناس، فقال: إنك لغريب، وما يشبه لونك ألوان أهل هذه المدينة، فقال الغلام: ما أنا بغريب، فعالجه الملك أن يصدقه قصته فأبى، فأمر الملك أناسا أن يحرسوه وينظروا أين يأخذ، ولا يعلم بهم، ثم رجع الملك إلى أهله فقال: رأيت رجلا كأنه ابن الملك وماله حاجة فيما تراودونه عليه، فبعث إليه فقيل له: إن الملك يدعوك، فقال الغلام: وما أنا والملك يدعوني ومالي إليه حاجة وما يدري من أنا، فانطلق به على كره منه حتى دخل على الملك فأمر بكرسي فوضع له فجلس عليه ودعى الملك امرأته وابنته فأجلسهما من وراء الحجاب خلفه فقال له الملك: دعوتك لخير، إن لي ابنه قد رغبت فيك أريد أن أزوجها منك فإن كنت مسكينا أغنيناك ورفعناك وشرفناك، قال الغلام: مالي فيما تدعوني إليه حاجة، فإن شئت ضربت لك مثلا أيها الملك؟ قال: فافعل. قال الغلام: زعموا أن ملكا من الملوك كان له ابن وكان لابنه أصدقاء صنعوا له طعاما ودعوه إليه فخرج معهم فأكلوا وشربوا حتى سكروا فناموا فاستيقظ ابن الملك في وسط الليل فذكر أهله فخرج عائدا إلى منزله، ولم يوقظ أحدا منه فبينا هو في مسيره إذ بلغ منه الشراب فبصر بقبر على الطريق فظن أنه مدخل بيته فدخله فإذا هو بريح الموتى فحسب ذلك لما كان به السكر أنه رياح طيبة فإذا هو بعظام لا يحسبها إلا فرشه الممهدة، فإذا هو بجسد قد مات حديثا وقد أروح فحسبه أهله فقام إلى جانبه فاعتنقه وقبله وجعل يعبث به عامة ليله فأفاق حين أفاق ونظر حين نظر فإذا هو على جسد ميت وريح منتنة، قد دنس ثيابه وجلده، ونظر إلى القبر وما فيه من الموتى، فخرج وبه من السوء ما يختفي به من الناس أن ينظروا إليه متوجها إلى باب المدينة، فوجده مفتوحا فدخله حتى أتى أهله فرأى أنه قد أنعم عليه حيث لم يلقه أحد، فألقى عنه ثيابه تلك واغتسل ولبس لباسا أخرى وتطيب. عمرك الله أيها الملك أتراه راجعا إلى ما كان فيه وهو يستطيع؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فالتفت الملك إلى امرأته وابنته، وقال: قد أخبرتكم أنه ليس له فيما تدعونه رغبة، قالت أمها: لقد قصرت في النعت لابنتي والوصف لها أيها الملك ولكني خارجة إليه ومتكلمة، فقال الملك للغلام: إن امرأتي تريد أن تكلمك وتخرج إليك ولم تخرج إلى أحد قبلك، فقال الغلام: لتخرج إن أحبت، فخرجت وجلست فقالت للغلام: تعال إلى ما قد ساق الله إليك من الخير والرزق فأزوجك ابنتي فإنك لو قد رأيتها وما قسم الله عز وجل لها من الجمال والهيئة لاغتبطت، فنظر الغلام إلى الملك فقال: أفلا أضرب لك مثلا؟ قال: بلى. قال: إن سراقا تواعدوا أن يدخلوا خزانة الملك ليسرقوا، فنقبوا حائط الخزانة فدخلوها فنظروا إلى متاع لم يروا مثله قط، وإذا هم بقلة من ذهب مختومة بالذهب فقالوا لا نجد شيئا أعلى من هذه القلة هي ذهب مختومة بالذهب والذي فيها أفضل من الذي رأينا فاحتملوها ومضوا بها حتى دخلوا غيضة لا يأمن بعضهم بعضا عليها ففتحوها فإذا في وسطها أفاع، فوثبن في وجوههم فقتلنهم أجمعين. عمرك الله أيها الملك أفترى أحدا علم بما أصابهم وما لقوه يدخل يده في تلك القلة وفيها من الأفاعي؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فقالت الجارية لأبيها: ائذن لي فأخرج إليه بنفسي وأكلمه فإنه لو قد نظر إلي وإلى جمالي وحسني وهيئتي وما قسم الله عز وجل لي من الجمال لم يتمالك أن يجيب، فقال الملك للغلام: إن ابنتي تريد أن تخرج إليك ولم تخرج إلى رجل قط، قال: لتخرج أن أجبت، فخرجت عليه وهي أحسن الناس وجها وقدا وطرفا وهيكلا، فسلمت على الغلام وقالت للغلام: هل رأيت مثلي قط أو أتم أو أجمل أو أكمل أو أحسن؟ وقد هويتك وأحببتك، فنظر الغلام إلى الملك، فقال: أفلا أضرب لها مثلا؟ قال: بلى. قال الغلام: زعموا أيها الملك إن ملكا له ابنان فأسر أحدهما ملك آخر فحبسه في بيت وأمر أن لا يمر عليه أحد إلا رماه بحجر، فمكث بذلك حينا، ثم إن أخاه قال لأبيه: ائذن لي فأنطلق إلى أخي فأفديه، وأحتال له، قال: فانطلق وخذ معك ما شئت من مال ومتاع ودواب، فاحتمل معه الزاد والراحلة وانطلق معه المغنيات والنوائح فلما دنا من مدينة ذلك الملك أخبر الملك بقدومه فأمر الناس بالخروج إليه وأمر له بمنزل خارج من المدينة فنزل الغلام في ذلك المنزل فلما جلس فيه ونشر متاعه وأمر غلمانه أن يبيعوا الناس ويساهلوهم في بيعهم ويسامحوهم ففعلوا ذلك فلما رأى الناس قد شغلوا بالبيع انسل ودخل المدينة وقد علم أين سجن أخيه، ثم أتى السجن فأخذ حصاة فرمى بها لينظر ما بقي من نفس أخيه، فصاح حين أصابته الحصاة. وقال: قتلتني ففزع الحرس عند ذلك و خرجوا إليه وسألوه لم صحت وما شأنك وما بدا لك وما رأيناك تكلمت ونحن نعذبك منذ حين ويضربك ويرميك كل من يمر بك بحجر، ورماك هذا الرجل بحصاة فصحت منها؟ فقال: إن الناس كانوا من أمري على جهالة ورماني هذا على علم فانصرف أخوه راجعا إلى منزله ومتاعه، وقال للناس: إذا كان غدا فأتوني أنشر عليكم بزا ومتاعا لم تروا مثله قط فانصرفوا يومئذ حتى إذا كان من الغد غدوا عليه بأجمعهم فأمر بالبز فنشروا وأمر بالمغنيات والنايحات وكل صنف معه مما يلهى به الناس فأخذوا في شأنهم فاشتغل الناس فأتى أخاه فقطع عنه أغلاله، وقال: أنا أداويك فاختلسه وأخرجه من المدينة فجعل على جراحاته دواء كان معه حتى إذا وجد راحة أقامه على الطريق، ثم قال له: انطلق فإنك ستجد سفينة قد سيرت لك في البحر، فانطلق سائرا فوقع في جب فيه تنين وعلى الجب شجرة نابتة فنظر إلى الشجرة فإذا على رأسها اثنا عشر غولا وفي أسفلها اثنا عشر سيفا، وتلك السيوف مسلولة معلقة فلم يزل يتحمل ويحتال حتى أخذ بغصن من الشجرة فتعلق به وتخلص وسار حتى أتى البحر فوجد سفينة قد أعدت له إلى جانب الساحل فركب فيها حتى أتوا به أهله. عمرك الله أيها الملك أتراه عائد إلى ما قد عاين ولقى، قال: لا، قال: فإني أنا هو فيئسوا منه، فجاء الغلام الذي صحبه من المدينة وقال: اذكرني لها وأنكحنيها فقال الغلام للملك إن هذا يقول إني أحب أن ينكحنيها الملك، فقال: لا أفعل قال: أفلا أضرب لك مثلا؟ قال: بلى. قال: إن رجلا كان في قوم فركبوا سفينة فساروا في البحر ليالي وأياما ثم انكسرت سفينتهم بقرب جزيرة في البحر فيها الغيلان فغرقوا كلهم سواه وألقاه البحر إلى الجزيرة، وكانت الغيلان يشرفن من الجزيرة إلى البحر فأتى غولا فهويها ونكحها حتى إذا كان من الصبح قتلته وقسمت أعضاءه بين صواحباتها واتفق مثل ذلك لرجل آخر فأخذته ابنة ملك الغيلان فانطلقت به فبات معها ينكحها وقد علم الرجل ما لقي من كان قبله فليس ينام حذرا حتى إذا كان مع الصبح قامت الغولة فانسل الرجل حتى أتى الساحل فإذا هو بسفينة فنادى أهلها واستغاث بهم فحملوه حتى أتوا به أهله فأصبحت الغيلان فأتوا الغولة التي باتت معه فقالوا لها أين الرجل الذي بات معك؟ قالت: إنه قد فرمني فكذبوها وقالوا: أكلته واستأثرت به علينا فنقتلنك إن لم تأتنا به فمرت في الماء حتى أتته في منزله ورحله فدخلت عليه وجلست عنده وقالت له: ما لقيت في سفرك هذا، قال: لقيت بلاء خلصني الله منه وقص عليها ذلك فقالت وقد تخلصت؟ قال: نعم فقالت أنا الغولة وجئت لاخذك فقال لها: أنشدك الله أن تهلكيني فإني أدلك على مكان رجل، قالت إني أرحمك فانطلقا حتى دخلا على الملك، قالت اسمع منا أصلح الله الملك إني تزوجت بهذا الرجل وهو من أحب الناس إلي، ثم إنه كرهني وكره صحبتي فانظر في أمرنا فلما رآها الملك أعجبه جمالها فخلا بالرجل فساره وقال: إني قد أحببت أن تتركها فأتزوجها قال: نعم أصلح الله الملك ما تصلح إلا لك فتزوج بها الملك وبات معها حتى إذا كانت مع السحر ذبحته وقطعت أعضاءه وحملته إلى صواحباتها أفترى أيها الملك أحدا يعلم بهذا، ثم ينطلق إليه؟ قال: لا، قال الخاطب للغلام فإني لا أفارقك ولا حاجة لي فيما أردت. فخرجا من عند الملك يعبدان الله جل جلاله ويسيحان في الأرض، فهدى الله عز وجل بهما أناسا كثيرا وبلغ شأن الغلام وارتفع ذكره في الآفاق فذكر والده، وقال: لو بعثت إليه لاستنقذته مما هو فيه، فبعث إليه رسولا فأتاه فقال له: إن ابنك يقرئك السلام وقص عليه خبره وأمره فأتاه والده وأهله فاستنقذهم مما كانوا فيه. ثم إن بلوهر رجع إلى منزله واختلف إلى يوذاسف أياما حتى عرف أنه فتح له الباب ودله على السبيل، ثم تحول من تلك البلاد إلى غيرها وبقي يوذاسف حزينا مغتما فمكث بذلك حتى بلغ وقت خروجه إلى النساك لينادي بالحق ويدعو إليه أرسل الله عز وجل ملكا من الملائكة فلما رأى منه خلوة ظهر له وقام بين يديه، ثم قال له: لك الخير والسلامة أنت إنسان بين البهائم الظالمين الفاسقين من الجهال أتيتك بالتحية من الحق وإله الخلق بعثني إليك لأبشرك وأذكر لك ما غاب عنك من أمور دنياك وآخرتك، فاقبل بشارتي ومشورتي ولا تغفل عن قولي، اخلع عنك الدنيا وانبذ عنك شهواتها وازهد في الملك الزائل، والسلطان الفاني الذي لا يدوم وعاقبته الندم والحسرة، واطلب الملك الذي لا يزول والفرح الذي لا ينقضي والراحة التي لا يتغير وكن صديقا مقسطا، فإنك تكون إمام الناس تدعوهم إلى الجنة. فلما سمع يوذاسف كلامه خر بين يدي الله عز وجل ساجدا، وقال: إني لأمر الله تعالى مطيع وإلى وصيته منته، فمرني بأمرك فإني لك حامد ولمن بعثك إلي شاكر فإنه رحمني ورؤوف بي ولم يرفضني بين الأعداء فإني كنت بالذي أتيت له مهتما، قال الملك: إني أرجع إليك بعد أيام ثم أخرجك فتهيأ للخروج ولا تغفل عنه، فوطن يوذاسف نفسه على الخروج وجعل همته كله فيه ولم يطلع على ذلك أحدا حتى إذا جاء وقت خروجه أتى الملك في جوف الليل والناس نيام، فقال له: قم فاخرج ولا تؤخر ذلك، فقام ولم يفش سره إلى أحد من الناس غير وزيره فبينا هو يريد الركوب إذ أتاه رجل شاب جميل كان قد ملكهم بلاده فسجد له. وقال أين تذهب: يا ابن الملك وقد أصابنا العسر أيها المصلح الحكيم الكامل: وتتركنا وتترك ملكك وبلادك، أقم عندنا فإنا كنا منذ ولدت في رخاء وكرامة ولم تنزل بنا عاهة ولا مكروه، فسكته يوذاسف وقال له: امكث أنت في بلادك ودار أهل مملكتك فأما أنا فذاهب حيث بعثت وعامل ما أمرت به فإن أنت أعنتني كان لك في عملي نصيبا، ثم ركب فسار ما قضى الله له أن يسير، ثم إنه نزل عن فرسه ووزيره يقود فرسه ويبكي أشد البكاء، ويقول ليوذاسف بأي وجه أستقبل أبويك؟ وبما أجيبهما عنك وبأي عذاب أو موت يقتلاني، وأنت كيف تطيق العسر والأذى الذي لم تتعوده وكيف لا تستوحش وأنت لم تكن وحدك يوما قط؟ وجسدك كيف تحمل الجوع والظمأ والتقلب على الأرض والتراب، فسكته وعزاه ووهب له فرسه والمنطقة فجعل يقبل قدميه ويقول: لا تدعني وراءك يا سيدي اذهب بي معك حيث خرجت فإنه لا كرامة لي بعدك وإنك إن تركتني ولم تذهب بي معك خرجت في الصحراء ولم أدخل مسكنا فيه إنسان أبدا، فسكته أيضا وعزاه، وقال: لا تجعل في نفسك إلا خيرا فإني باعث إلى الملك وموصيه فيك أن يكرمك و يحسن إليك. ثم نزع عنه لباس الملك ودفعه إلى وزيره وقال له: البس ثيابي وأعطاه الياقوتة التي كان يجعلها في رأسه، وقال: انطلق بها معك وفرسي وإذا أتيته فاسجد له وأعطه هذه الياقوتة وأقرئه السلام ثم الاشراف وقل لهم: إني لما نظرت فيما بين الباقي والزائل رغبت في الباقي وزهدت في الزائل ولما استبان لي أصلي و حسبي وفضلت بينهما وبين الأعداء والقرباء رفضت الأعداء والقرباء وانقطعت إلي أصلي وحسبي، فأما والدي فإنه إذا أبصر الياقوتة طابت نفسه، فإذا أبصر كسوتي عليك ذكرني وذكر حبي لك ومودتي إياك، فمنعه ذلك أن يأتي إليك مكروها. ثم رجع وزيره وتقدم يوذاسف أمامه يمشي حتى بلغ فضاء واسعا فرفع رأسه فرأى شجرة عظيمة على عين من ماء أحسن ما يكون من الشجر وأكثرها فرعا وغصنا وأحلاها ثمرا، وقد اجتمع إليها من الطير مالا يعد كثرة، فسر بذلك المنظر وفرح به، وتقدم إليه حتى دنا منه، وجعل يعبره في نفسه ويفسره فشبه الشجر بالبشرى التي دعا إليها وعين الماء بالحكمة والعلم، والطير بالناس الذين يجتمعون إليه ويقبلون منه الدين، فبينا هو قائم إذ أتاه أربعة من الملائكة عليهم السلام يمشون بين يديه فأتبع آثارهم حتى رفعوه في جو السماء وأوتي من العلم والحكمة ما عرف به الأولى والوسطى والأخرى، والذي هو كائن، ثم أنزلوه إلى الأرض وقرنوا معه قرينا من الملائكة الأربعة فمكث في تلك البلاد حينا ثم إنه أتى أرض سولابط فلما بلغ والده قدومه خرج يسير هو والاشراف فأكرموه و قربوه، واجتمع إليه أهل بلده مع ذوي قرابته وحشمه وقعدوا بين يديه وسلموا عليه وكلمهم الكلام الكثير وفرش لهم الايناس وقال لهم: اسمعوا إلي بأسماعكم وفرغوا إلي قلوبكم لاستماع حكمة الله عز وجل التي هي نور الأنفس وتقروا بالعلم الذي هو الدليل على سبيل الرشاد، وأيقظوا عقولكم وافهموا الفصل الذي بين الحق والباطل، والضلال والهدى. واعلموا أن هذا هو دين الحق الذي أنزله الله عز وجل على الأنبياء والرسل عليهم السلام، والقرون الأولى، فخصنا الله عز وجل به في هذا القرن برحمته بنا ورأفته ورحمته وتحننه علينا وفيه خلاص من نار جهنم إلا أنه لا ينال الانسان ملكوت السماوات ولا يدخلها أحد إلا بالايمان وعمل الخير، فاجتهدوا فيه لتدركوا به الراحة الدائمة والحياة التي لا تنقطع أبدا ومن آمن منكم بالدين فلا يكونن إيمانه طمعا في الحياة ورجاء ملك الأرض وطلب مواهب الدنيا، وليكن إيمانكم طمعا في ملكوت السماوات ورجاء الخلاص وطلب النجاة من الضلالة وبلوغ الراحة والفرج في الآخرة، فإن ملك الأرض وسلطانها زائل، ولذاتها منقطعة، فمن اغتر بها هلك وافتضح، لو قد وقف على ديان الدين الذي لا يدين إلا بالحق، فإن الموت مقرون مع أجسادكم وهو يتراصد أرواحكم أن يكبكبها مع الأجساد. واعلموا أنه كما أن الطير لين يقدر على الحياة والنجاة من الأعداء من اليوم إلى غد هذه إلا بقوة من البصر والجناحين والرجلين، فكذلك الانسان لا يقدر على الحياة والنجاة إلا بالعمل والايمان وأعمال الخير الكاملة، فتفكر أيها الملك أنت والاشراف فيما تستمعون وافهموا واعتبروا، واعبروا البحر ما دامت السفينة، واقطعوا المسافة ما دام الدليل والظهر والزاد، واسلكوا سبيلكم ما دام المصباح، وأكثروا من كنوز البر مع النساك، وشاركوهم في الخير والعمل الصالح، وأصلحوا التبع وكونوا لهم أعوانا وأمروهم بأعمالكم لينزلوا معكم ملكوت النور، واقبلوا النور، واحتفظوا بفرائضكم، وإياكم أن تتوثقوا إلى أماني الدنيا وشرب الخمور وشهوة النساء من كل ذميمة وقبيحة مهلكة للروح والجسد واتقوا الحمية والغضب والعداوة والنميمة، وما لم ترضوه أن يؤتى إليكم فلا تأتوه إلى أحد، وكونوا طاهري القلوب، صادقي النيات لتكونوا على المنهاج إذا أتاكم الأجل. ثم انتقل من أرض سولابط وسار في بلاد ومدائن كثيرة حتى أتى أرضا تسمى قشمير فسار فيها وأحيا ميتها ومكث حتى أتاه الأجل الذي خلع الجسد، وارتفع إلى النور، ودعا قبل موته تلميذا له اسمه يابد الذي كان يخدمه ويقوم عليه، وكان رجلا كاملا في الأمور كلها، وأوصى إليه وقال: إنه قد دنا ارتفاعي عن الدنيا، واحتفظوا بفرائضكم، ولا تزيغوا عن الحق، وخذوا بالنسك، ثم أمر يابد أن يبني له مكانا فبسطه هو رجليه وهيأ رأسه إلى المغرب ووجهه إلى المشرق ثم قضى نحبه.

الهوامش60

[2]مخطوط.ص 378

[1]مائدة: 101.ص 380

[2]التحف ص 513.ص 380

[1]في بعض النسخ " ولا يبطئن " ولعل المراد ولا ينسأ بعضكم بعضا، يقال: بطا عليه وأبطا أي أخره. والتصارم التقاطع.ص 381

[1]متعب - بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة - هو مولى أبى عبد الله عليه السلام بل من خواص أصحابه وأيضا من أصحاب الإمام السابع عليه السلام، ثقة وقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: موالي عشرة خيرهم معتب.ص 382

[1]كمال الدين ص 317 مع اختلاف فيه.ص 383

[2]هو أحد مشايخ أبى على القطان.ص 383

[1]النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشئ ويقال: لله في هذا الامر نهمة " أي شهوة.ص 384

[2]المئناث: التي اعتادت أن تلد الإناث وكذلك الرجل لأنهما يستويان في مفعال.ص 384

[1]النساك: العباد. وزبره أي زجره.ص 385

[1]المربط - بفتح الباء وكسرها - موضع ربط الدواب.ص 386

[2]الذبحة - بضم الذال وفتح الباء والعامة تسكن الباء - ورم حار في العضلات من جانب الحلقوم التي بها يكون البلع. وقال العلامة: وقد يطلق الذبحة على الاختناق. والشيخ لا يفرق بينهما، وقيل هي ورم اللوزتين (بحر الجواهر).ص 386

[1]القموص - على وزن چموش - وبمعناه.ص 387

[2]في بعض النسخ " استمسكت ".ص 387

[3]في بعض النسخ " وبينا هي تشمته إذا تشمت منه ".ص 387

[1]في بعض النسخ " الفجرة مكان البررة ".ص 388

[2]الجدب: القحط، مقابل الخصب.ص 388

[3]الضاري من الكلاب ما لهج بالصيد وتعود أكله.ص 388

[4]السورة: الحدة.ص 388

[1]في بعض النسخ " الحشد " وهو الجماعة.ص 389

[2]الكد: السعي والجد، والكدح في العمل: المجاهدة فيه.ص 389

[3]المجن: الترس وكل ما وقى من السلاح.ص 389

[4]لعله جمع خان وهو الحانوت والفندق. وفى بعض النسخ " المخابى ".ص 389

[1]جمع الظئر: المرضعة.ص 390

[1]أي لا يستطيع تحولا.ص 391

[2]رتق الفتق: أصلحه. يقال هو راتق أي مصلح الامر.ص 391

[1]في بعض النسخ " ما دهاه ".ص 392

[1]الفرق - محركة -: الخوف.ص 393

[1]الحاضن فاعل من حضنه أي جعله في حضنه والحضن ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما أي الحافظ والمؤدب.ص 394

[1]في بعض النسخ " فأتى عليه رجلان من السؤال ".ص 395

[2]تقلص أي انضم وانزوى.ص 395

[1]أي شديد الشهوة يعنى فيل مست، اغتلم الشراب: اشتدت سورته.ص 399

[2]الفاغر الفاتح فاه.ص 399

[1]في المصدر " أهل الحق ".ص 405

[1]في بعض النسخ " قرم " ولعل الصواب " قرلى ".ص 407

[1]في المصدر " وزهاده عن الدنيا.ص 410

[1]في بعض النسخ " وأبصارنا إليه خاشعة ".ص 414

[2]كذا.ص 414

[1]الحتف الموت من غير قتل والجمع حتوف. والراصد: المراقب.ص 417

[2]أي مسرورا والحبر - بفتح الحاء وكسرها - السرور والجمع حبور وأحبار.ص 417

[3]في بعض النسخ " مشعوفا ".ص 417

[1]الأهبة: العدة، يقال أخذ للسفر أهبته أي أسبابه.ص 420

[1]أنبه - بشد النون -: عنفه ولامه.ص 425

[1]أي تام الحسن.ص 426

[2]نضد المتاع - بشد الضاد وتخفيفها - رتبه وضم بعضه إلى بعض متسقا أو مركوما. والسماط: الشئ المصطف. وسماط الطريق جانباه.ص 426

[3]الذعر: الخوف والفزع.ص 426

[1]في بعض النسخ " رسول البلى ".ص 427

[2]أناخ البلاء على فلان: أقام عليه، وأناخ به الحاجة: أنزلها به. أناخ الجمل: أبركه.ص 427

[3]طرق القوم: أتاهم ليلا.ص 427

[4]نحاه عنه أي أبعده عنه وأزاله - والنجدة: الشجاعة والشدة والبأس.ص 427

[1]في بعض النسخ " وان حجب لم يحجب ".ص 428

[1]في بعض النسخ " ولا يستحيل بهم الأطماع عن نصيحتي " وفى بعضها " لا يستميل ".ص 429

[1]الشراك: آلة الصيد.ص 431

[1]صحا السكران: ذهب سكره وأفاق.ص 432

[2]فرك الثوب: دلكه، الشئ عن الثوب أزاله وحكه حتى تفتت.ص 432

[1]يعنى فمها.ص 434

[2]أي لا زوج لهن.ص 434

[3]ترعرع الصبي نشأ وشب.ص 434

[1]جلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم. والجلاب والمجلب - بشد اللام -: المصوت.ص 435

[1]أي على مهلك يعنى امهل وتأن.ص 436

bihar-35733

* (باب) * * " (نوادر المواعظ والحكم) " *

bihar-35734
الخصال، عيون أخبار الرضا (ع) : عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن الهروي وقال:
Show clickable narrator chain

سمعت الرضا عليه السلام يقول: أوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه إذا أصبحت فأول شئ يستقبلك فكله والثاني فاكتمه والثالث فاقبله والرابع فلا تؤيسه والخامس فاهرب منه، قال: فلما أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف وقال: أمرني ربي عز وجل أن آكل هذا، وبقي متحيرا ثم رجع إلى نفسه، فقال إن ربي جل جلاله لا يأمرني إلا بما أطيق فمشى إليه ليأكله فلما دنا منه صغر حتى انتهى إليه فوجده لقمة فأكلها فوجدها أطيب شئ أكله، ثم مضى فوجد طستا من ذهب قال: أمرني ربي أن أكتم هذا فحفر له وجعله فيه وألقى عليه التراب، ثم مضى فالتفت فإذا الطست قد ظهر، فقال: قد فعلت ما أمرني ربي عز وجل، فمضى فإذا هو بطير وخلفه بازي وطاف الطير حوله فقال: أمرني ربي عز وجل أن أقبل هذا ففتح كمه فدخل الطير فيه، فقال له البازي: أخذت صيدي وأنا خلفه منذ أيام، فقال: إن ربي عز وجل أمرني أن لا أويس هذا، فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه، ثم مضى، فلما مضى فإذا هو بلحم ميتة منتن مدود، فقال: أمرني ربي أن أهرب من هذا فهرب منه، ورجع ورأي في المنام كأنه قد قيل له: إنك قد فعلت ما أمرت به فهل تدري ماذا كان؟ قال: لا، قيل له: أما الجبل فهو الغضب إن العبد إذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب، فإذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلتها وأما الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عز وجل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخر له من ثواب الآخرة. وأما الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته. وأما البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه. وأما اللحم المنتن فهو الغيبة فاهرب منها.

الهوامش1

[١]الخصال ج 1 ص 128، والعيون ص 152. وقد مر بنصه في المجلد الأول ص 18.ص 444

bihar-35735
أمالي الصدوق : عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن التفليسي، عن السمندي قال:
Show clickable narrator chain

سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: كان في بني إسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى فأكلوهم، فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا مكتوبا: أنا فلان النبي نبش قبري حبشي: ما قدمناه وجدناه، وما أكلناه ربحناه، وما خلفناه خسرناه.

الهوامش1

[١]المجلس الثامن والثمانون ص ٣٦١.ص 445

bihar-35736
الخصال : عن ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن صالح يرفعه بإسناده قال:
Show clickable narrator chain

أربعة القليل منها كثير، النار القليل منها كثير، والنوم القليل منه كثير، والمرض القليل منه كثير، والعداوة القليل منها كثير.

الهوامش1

[٢]الخصال ج 1 ص 113.ص 445

bihar-35737
أمالي الطوسي : عن المفيد، عن الكاتب، عن عبد الصمد بن علي، عن محمد بن هارون، عن أبي طلحة الخزاعي، عن عمر بن عباد، عن أبي فرات قال:
Show clickable narrator chain

قرأت في كتاب لوهب بن منبه، وإذا مكتوب في صدر الكتاب: هذا ما وضعت الحكماء في كتبها: الاجتهاد في عبادة الله أربح تجارة، ولا مال أعود من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، وأدب تستفيده خير من ميراث، وحسن الخلق خير رفيق، والتوفيق خير قائد، ولا ظهر أوثق من المشاورة، ولا وحشة أوحش من العجب، ولا تطمعن صاحب الكبر في حسن الثناء عليه.

الهوامش2

[1]الأمالي ج 1 ص 185.ص 446

[2]في المصدر " أبى تراب ".ص 446

bihar-35738
أمالي الطوسي : بالاسناد، عن أبي قتادة، عن أبي عبد الله عليه السلام:
Show clickable narrator chain

قال: وصية ورقة بن نوفل لخديجة بنت خويلد عليها السلام إذا دخل عليها يقول لها: يا بنت أخي لا تمار جاهلا ولا عالما فإنك متى ماريت جاهلا أذلك، ومتي ماريت عالما منعك علمه، وإنما يسعد بالعلماء من أطاعهم، أي بنية إياك وصحبة الأحمق الكذاب، فإنه يريد نفعك فيضرك، ويقرب منك البعيد، ويبعد عنك القريب، إن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك أهانك، وإن حدثك كذبك، وإن حدثته كذبك وأنت منه بمنزلة السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، واعلمي أن الشاب الحسن الخلق مفتاح للخير مغلاق للشر وأن الشاب الشحيح الخلق مغلاق للخير مفتاح للشر، واعملي أن الاجر إذا انكسر لم يشعب ولم يعد طينا.

الهوامش1

[3]الأمالي ج 1 ص 308.ص 446

bihar-35739
أمالي الطوسي : عن ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير، عن أحمد بن محمد بن مسروق قال:
Show clickable narrator chain

أنشدني بعض أصحابنا. اجعل تلادك في المهم من الأمور إذا اقترب حسن التصبر ما استطعت فإنه نعم السبب لا تسه عن أدب الصغير وإن شكى ألم التعب ودع الكبير لشأنه كبر الكبير عن الأدب لا تصحب النطف المريب فقربه إحدى الريب واعلم بأن ذنوبه تعدى كما يعدى الجرب

الهوامش1

[4]المصدر ج 2 ص 8.ص 446

bihar-35740
الخصال، معاني الأخبار : عن العطار، عن أبيه، عن الأشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن عثمان، عن محمد بن أبي حمزة، عن محمد بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام:
Show clickable narrator chain

قال: تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما لحق به قال له: يا هذا ما أرفع من السماء؟ وأوسع من الأرض؟ وأغنى من البحر؟ وأقسى من الحجر؟ وأشد حرارة من النار؟ وأشد بردا من الزمهرير؟ وأثقل من الجبال الراسيات؟ فقال له: يا هذا إن الحق أرفع من السماء، والعدل أوسع من الأرض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشد حرارة من النار، واليأس من روح الله عز وجل أشد بردا من الزمهرير، والبهتان على البرئ أثقل من الجبال الراسيات.

الهوامش1

[١]الخصال ج ٢ ص ٥. والمعاني ص ١٧٧.ص 447

bihar-35741
أمالي الصدوق : عن ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن حميد، عن الثمالي قال:
Show clickable narrator chain

دعا حذيفة بن اليمان ابنه عنده موته فأوصى إليه وقال: يا بني أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإن فيه الغنى، وإياك وطلب الحاجات إلى الناس فإنه فقر حاضر، وكن اليوم خيرا منك أمس، وإذا أنت صليت فصل صلاة مودع للدنيا، كأنك لا ترجع، وإياك وما يعتذر منه.

الهوامش1

[٢]المجلس الثاني والخمسون ص ١٩٤.ص 447

bihar-35742
الخصال : عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال:
Show clickable narrator chain

قام أبو ذر - رحمه الله - عند الكعبة فقال: أنا جندب بن سكن، فاكتنفه الناس فقال: لو أن أحدكم أراد سفرا لاتخذ فيه من الزاد ما يصلحه، فسفر يوم القيامة أما تريدون فيه ما يصلحكم، فقام إليه رجل فقال: أرشدنا، فقال: صم يوما شديد الحر للنشور، وحج حجة لعظائم الأمور وصل ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، وكلمة شر تسكت عنها، أو صدقة منك على مسكين لعلك تنجو بها، يا مسكين من يوم عسير، اجعل الدنيا درهمين درهما أنفقته على عيالك، ودرهما قدمته لآخرتك، والثالث يضر ولا ينفع فلا ترده، اجعل الدنيا كلمتين: كلمة في طلب الحلال، وكلمة للآخرة، والثالثة تضر ولا تنفع لا تردها، ثم قال: قتلني هم يوم لا أدركه. مجالس المفيد : عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن الوليد عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله.

الهوامش3

[٣]الخصال ج 1 ص 21.ص 447

[1]مجالس المفيد ص 125 و 126.ص 448

[2]في المصدر محمد بن محمد بن الوليد.ص 448

bihar-35743
مجالس المفيد، أمالي الطوسي : عن المفيد، عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي عن حبيب بن بصير عن أحمد بن بشير، عن هشام بن محمد، عن أبيه محمد بن السائب، عن إبراهيم بن محمد اليماني، عن عكرمة قال:
Show clickable narrator chain

سمعت عبد الله بن العباس يقول لابنه علي بن عبد الله: ليكن كنزك الذي تدخره العلم، كن به أشد اغتباطا منك بكثرة الذهب الأحمر، فإني مودعك كلاما إن أنت وعيته اجتمع لك به خير أمر الدنيا والآخرة لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة الطول الامل، ويقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي ويبغي الزيادة فيما بقي ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض الفجار وهو أحدهم، ويقول: لم أعمل فأتعني ألا أجلس فأتمني، فهو يتمني المغفرة وقد دأب في المعصية قد عمر ما يتذكر فيه من تذكر يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت كان ذخرا لي ويعصي ربه تعالى فيما بقي غير مكترث، إن سقم ندم على العمل وإن صح أمن واغتر وأخر العمل، معجبا بنفسه ما عوفي، وقانطا إذا ابتلي، إن رغب أشر، وإن بسط له هلك، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن، لا يثق من الرزق بما قد ضمن له، ولا يقنع بما قسم له، لم يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، فهو يبتغي الزيادة وإن لم يشكر، ويضيع من نفسه ما هو أكبر، يكره الموت لا ساءته ولا يدع الإساءة في حياته، إن عرضت شهوته واقع الخطيئة ثم تمنى التوبة، وإن عرض له عمل الآخرة دافع، يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في العمل حين يعمل، فهو بالطول مدل وفي العمل مقل، يبادر في الدنيا، يعبأ بمرض فإذا أفاق واقع الخطايا ولم يعرض، يخشى الموت ولا يخاف الفوت، يخاف على غيره بأقل من ذنبه، ويرجو لنفسه بدون عمله، وهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يرجو الأمانة ما رضي ويرى الخيانة إن سخط، إن عوفي ظن أنه قد تاب وإن ابتلي طمع في العافية وعاد، لا يبيت قائما، ولا يصبح صائما، يصبح وهمه الغذاء، ويمسي ونيته العشاء وهو مفطر، يتعوذ بالله من فوقه ولا ينجو بالعوذ منه من هو دونه، يهلك في بغضه إذا أبغض ولا يقصر في حبه إذا أحب، يغضب في اليسير، ويعصي على الكثير، فهو يطاع ويعصي الله، والله المستعان.

الهوامش3

[3]مجالس المفيد 195، والأمالي ج 1 ص 110.ص 448

[4]في المجالس " حبيب بن نصر ".ص 448

[1]كذا والظاهر " على ترك العمل ".ص 449

bihar-35744
قصص الأنبياء : عن الصدوق، عن محمد العطار، عن الحسن بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، وعن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن منذر، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

لما فارق موسى الخضر قال موسى أوصني، فقال الخضر: ألزم ما لا يضرك معه شئ كما لا ينفعك من غيره شئ، إياك واللجاجة والمشي إلى غير حاجة، والضحك في غير تعجب، يا ابن عمران لا تعيرن أحدا بخطيئته، وابك على خطيئتك.

الهوامش1

[2]مخطوط.ص 449

bihar-35745
إكمال الدين : عن الحسن بن عبد الله، عن علي بن الحسين بن إسماعيل، عن محمد بن زكريا، عن مهدي بن ساق، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال:
Show clickable narrator chain

جمع قس بن ساعدة ولده فقال: إن المعا تكفيه البقلة وترويه المذقة، ومن عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، متى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك، فإذا نهيت عن شئ فابدأ بنفسك، ولا تجمع ما لا تأكل، ولا تأكل مالا تحتاج إليه، وإذا ادخرت فلا تكونن كنزك إلا فعلك، وكن عف العيلة مشترك الغنى تسد قومك، ولا تشاورن مشغولا وإن كان حازما ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا تضعن في عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك، وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد، ولا تستودعن أحدا دينك وإن قربت قرابته فإنك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلا، وكان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد، وكنت له عبدا ما بقيت، فإن جنى عليك كنت أولى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك، عليك بالصدقة فإنها تكفر الخطيئة وكان قس لا يستودع دينه أحدا وكان يتكلم بما يخفى معناه على العوام ولا يستدركه إلا الخواص.

الهوامش1

[3]كمال الدين ص 101.ص 449

bihar-35746
صحيفة الرضا (ع) : عن الرضا عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال:
Show clickable narrator chain

وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن مكتوب فيه أنا الله لا إله إلا أنا، ومحمد نبيي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن اختبر الدنيا [كيف] يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب.

الهوامش1

[1]مجالس المفيد ص 10.ص 450

bihar-35747
مجالس المفيد : عن علي بن محمد القرشي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن نصير، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن محمد ابن علي بن الحنفية قال:
Show clickable narrator chain

سمعته يقول: ما لك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، ويقر بك إلى نومك، فأي اكلة ليس معها غصص؟ أو شربة ليس معها شرق، فتأمل أمرك فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والخيال المخترم، أهل الدنيا أهل سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها.

الهوامش1

[2]صحفية الرضا: ص 35.ص 450

bihar-35748
مجالس المفيد : عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن الأهوازي، عن النضر، وابن أبي نجران معا، عن عاصم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام إنه قال:
Show clickable narrator chain

إن أبا ذر - رحمة الله عليه - كان يقول: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا عملا ينفع خيره ويضر شره إلا من رحمه الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت من عندهم إلى غيرهم والدنيا والآخرة كمنزل نزلته ثم عدلت عنه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله فإنك مرتهن بعملك وكما تدين تدان، يا مبتغي العلم صل قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلي فيه، إنما مثل الصلاة لصاحبها بإذن الله كمثل رجل دخل على سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته كذلك المرء المسلم ما دام في صلاته لم يزل الله ينظر إليه حتى يفزع من صلاته، يا مبتغي العلم تصدق قبل أن لا تقدر أن تعطي شيئا ولا تمنع منه، إنما مثل الصدقة لصاحبها كمثل رجل طلبه القوم بدم، فقال: لا تقتلوني واضربوا لي أجلا لا سعى في مرضاتكم، كذلك المرء المسلم بإذن الله كلما تصدق بصدقة حل بها عقدة في رقبته، حتى يتوفى الله أقواما وقد رضي عنهم ومن رضي الله عنه فقد عتق من النار، يا مبتغي العلم إن قلبا ليس منه من الحق شئ كالبيت الخراب الذي لا عامر له، يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على قلبك كما تختم على ذهبك وورقك، يا مبتغي العلم إن هذه الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون. ما - : عن جماعة من أبي المفضل، عن محمد بن القاسم بن زكريا، عن عباد بن يعقوب، عن عاصم بن حميد، عن يحيى بن القاسم يعني أبا بصير عنه عليه السلام مثله وفيه: يا باغي العلم في المواضع وفي بعض الفقرات تقديم وتأخير.

الهوامش2

[1]المصدر: ص 106.ص 451

[2]الأمالي ج 2 ص 157.ص 451

bihar-35749
أمالي الطوسي بإسناده عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

بكى أبو ذر من خشية الله تعالى حتى اشتكى بصره فقيل له: لو دعوت الله يشفي بصرك فقال: إني عن ذلك مشغول وما هو بأكبر همي قالوا: وما يشغلك عنه، قال: العظيمتان الجنة والنار.

الهوامش1

[3]الأمالي ج 2 ص 313.ص 451

bihar-35750
أمالي الطوسي : بإسناده، عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

سئل أبو ذر ما مالك؟ قال: عملي، قيل له: إنما نسألك عن الذهب والفضة، فقال: ما أصبح فلا أمسي وما أمسي فلا أصبح، لنا كندوج نرفع فيه خير متاعنا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " كندوج المؤمن قبره ".

الهوامش1

[1]الأمالي ح 2 ص 313.ص 452

bihar-35751
أمالي الطوسي : بإسناده، عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain

قال أبو ذر - ره -: جزى الله عني الدنيا مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغذى بأحدهما وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أئتزر بإحديهما وأرتدي بالأخرى.

الهوامش1

[2]الأمالي ح 2 ص 313.ص 452

bihar-35752

الدرة الباهرة : أوصى آدم ابنه شيث عليه السلام بخمسة أشياء وقال له: اعمل بها وأوص بها بنيك من بعدك، أولها: لا تركنوا إلى الدنيا الفانية فإني ركنت إلى الجنة الباقية فما صحب لي وأخرجت منها، الثانية لا تعملوا برأي نسائكم فإني عملت بهوى امرأتي وأصابتني الندامة، الثالثة إذا عزمتم على أمر فانظروا إلى عواقبه فإني لو نظرت في عاقبة أمري لم يصبني ما أصابني، الرابعة إذا نفرت قلوبكم من شئ فاجتنبوه فإني حين دنوت من الشجرة لا تناول منها نفر قلبي فلو كنت امتنعت من الاكل ما أصابني ما أصابني. نقل من خط الشهيد - قدس الله روحه - ينسب إلى محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا.

الهوامش1

[3]مخطوط.ص 452

bihar-35753

دعوات الراوندي : أوحى الله إلى عزير عليه السلام يا عزير إذا وقعت في معصية، فلا تنظر إلى صغرها ولكن انظر من عصيت، وإذا أوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته ولكن انظر إلى من أهداه، وإذا نزلت بك بلية فلا تشك إلى خلقي كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساويك وفضائحك.

الهوامش1

[4]مخطوط.ص 452

bihar-35754

عدة الداعي : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود إني وضعت خمسة في خمسة، والناس يطلبونها في خمسة غيرها فلا يجدونها: وضعت العلم في الجوع والجهد وهم يطلبونه في الشبع والراحة فلا يجدونه، وضعت العز في طاعتي وهم يطلبونه في خدمة السلطان فلا يجدونه، ووضعت الغنى في القناعة وهم يطلبونه في كثرة المال فلا يجدونه، ووضعت رضاي في سخط النفس وهم يطلبونه في رضا النفس فلا يجدونه، ووضعت الراحة في الجنة وهم يطلبونها في الدنيا فلا يجدونها.

الهوامش1

[١]المصدر: ص ١٢٦.ص 453