Usul16
بحار الانوار - ط دارالاحیاء التراث

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

Printed-page view →

12 - كتاب الأربعين [1]: في قضاء حقوق المؤمنين لابن أخ السيد عز الدين أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، عن الشريف أبي الحارث محمد بن الحسن الحسيني، عن الفقيه قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي، عن الشيخ محمد بن علي بن محسن الحلبي، عن الشيخ الفقيه أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي قال: وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل القمي عن الشيخين أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد وأبي محمد عبد الله بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز أبي كامل الطرابلسي، عن الكراجكي، عن الشيخ أبي عبد الله المفيد محمد بن محمد ابن النعمان، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه مثله وفيه بعد قوله " وهوان زخرفها على من مضى من السلف والتابعين، فقد حدثني محمد بن علي بن الحسين قال: لما تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة فأتاه ابن عباس فناشده الله والرحم أن يكون المقتول باللطف فقال: أنا أعرف بمصرعي منك وما كدي من الدنيا إلا فراقها ألا أخبرك يا ابن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا فقال: بلى لعمري إني لأحب أن تحدثني بأمرها

bihar-34637
من الوالد الفان، والمقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن عنها إليهم غدا إلى المولود المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من [قد] هلك، غرض الأسقام ورهينة الأيام ورمية المصائب وعبد الدنيا وتاجر الغرور وغريم المنايا وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الأحزان ونصب الآفات وصريع الشهوات وخليفة الأموات - أما بعد - فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الآخرة إلى ما يزعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما ورائي غير أنه حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدفني رأيي وصرفني هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب. [و] وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا [لو] أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت
Show clickable narrator chain

إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت . فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن [أنت] أخذت به. أحي قلبك بالموعظة وموته بالزهد وقوه باليقين وذلله بالموت وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام و أعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم و انظر ما فعلوا وأين حلوا وعمن انتقلوا فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الديار الخالية أين أهلك؟ ثم قف على قبورهم فقل: أيتها الأجساد البالية والأعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي أنتم بها؟ أي بني و كأنك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلاله فان الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بلسانك ويدك وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فان بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي ولا تذهبن [عنها] صفحا فإن خير القول ما نفع، واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حتى لا يقال به. . أي بني إني لما رأيتك قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن مخافة أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي أو أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما القي فيها من شئ قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت

الهوامش9

[١]تقدم تفسير جملات الحديث في ما نقل عن كتاب كشف المحجة.ص 217

[٢]في النهج " وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة وذلله بذكر الموت ".ص 217

[1]في بعض نسخ الحديث " للحق " مكان " بالموت ". الغمرات: الشدائد.ص 218

[2]في النهج " وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر ". والتصبر:ص 218

[3]الصفح: الاعراض. وفى بعض النسخ " لا تذهبن منك صفحا ".ص 218

[4]في النهج " ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه ". وذلك تنبيه على أن من العلوم ما لا خير فيه وهي التي نهت الشريعة عن تعلمها كالسحر والكهانة والنجوم والنيرنجات ونحوها.ص 218

[5]في النهج " انى لما رأيتني قد بلغت سنا ".ص 218

[6]في النهج " بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلى ".ص 218

[7]وذلك ليكون جد رأيك أي محققه وثابته مستعدا لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها. والبغية بالكسر: الطلب. وفى بعض النسخ " تعقله وتجربته ".ص 218

bihar-34638

وبهذا الاسناد خطبة له عليه السلام: الحمد لله نحمده تسبيحا، ونمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا، موحدا مخلصا، ونشكره في مصانعة الحسنى، أهل الحمد والثناء الاعلى، ونستغفره للحت من الخطايا، ونستعفيه من متح ذنوب البلايا ونؤمن بالله يقينا في أمره، ونستهدي بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر (؟) موجب فضل عدل قضاء نافذ بفوز سابق بسعادة في كتاب كريم مكنون، ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثياب مضلات الفتن، ونشهد غير ارتياب، حال دون يقين مخلص بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في الامر، ولا ولي له من الذل، نكبره تكبيرا، لا إله إلا الله هو العزيز الحكيم. ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده بعيث الله لوحيه، ونبيه بعينه، ورسوله بنوره، مجيبا مذكرا مؤديا، مبقيا مصابيح شهب ضياء مبصر. وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس، فجلا غواشي أظلام لجي راكد بتفصيل آياته من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات، ومشتبهات يتبعها الزايغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن. والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج مستنير، من يطع الرسول يطع الله ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء، قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم إفضاء الخلق إلى الخالق. أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته وصامت ذو لب شغل قلبه بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه على احتلال من عقابه، ومخبر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب. وشتى بين الخصلتين وبعيد تقارب ما بينهما، أوصيكم بتقوى الله بارئ الأرواح وفالق الاصباح.

الهوامش2

[1]الحت بتشديد التاء السقوط، والمتح استقاء الماء بالدلو، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو.ص 2

[2]اللج: معظم الماء.ص 2

bihar-34639

من كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل. لقد شغل من الجنة والنار أمامه. ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجا، ومقصر في النار هوى، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، وخسر من باع الآخرة بالأولى، ولكل نبأ مستقر وكل ما هو آت قريب.

الهوامش6

[1]المصدر ص 28.ص 3

[2]الزعيم: الضامن. والتصريح: كشف الامر وانكشافه.ص 3

[3]الشموس: معرب چموش.ص 3

[4]أمر يأمر - من باب تعب -: كثر.ص 3

[5]أي طرفي الافراط والتفريط.ص 3

[6]هو ما يبقى من أثر مشيه وموضع قدمه كأنه مشى على الطريق الوسطى. وقيل باقي الكتاب هو ما لم ينسخ منه لكن الأول هو الصواب.ص 3

bihar-34640

ومنه: لقد جاهرتكم العبر، وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله بعد رسل الله إلا البشر، ألا وإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة، تحدوكم تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم .

الهوامش2

[7]مطالب السؤول ص 33.ص 3

[8]تحدوكم أي تسوقكم. وقوله " تخففوا تلحقوا " أي تخففوا بالقناعة وترك الحرص أو كناية عن عدم الركون إلي الدنيا واتخاذها دار ممر لا دار مقر. والانتظار بالأول كناية عن كونهم كمن سبق من الرفقة إلى بلدة لا يؤذن لهم في دخولها الا بالاجتماع ولحوق الآخرين أي لابد لكم من ترك هذه الدار ونزول دار القرار والاجتماع.ص 3

bihar-34641

وقال عليه السلام يوما وقد أحدق الناس به: أحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة وليست بدار نجعة هانت على ربها فخلط خيرها بشرها، وحلوها بمرها، لم يضعها لأوليائه، ولا يضنن بها علي أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا، أمر منها جانب فأوبى أولها عناء، وآخرها فناء، من استغنى فيها فتن ومن اقتفر فيها حزن، من ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر فيها بصرته ومن أبصر إليها أعمته، فالانسان فيها غرض المنايا، مع كل جرعة شرق، ومع كل اكلة غصص، لا تنال منها نعمة إلا بفراق أخرى.

الهوامش3

[1]القلعة - بضم القاف - المال العارية أو ما لا يدوم. والنجعة - بالضم - طلب الكلاء وقوله " هانت " من المهانة.ص 4

[2]أوبقها أي أهلكها وأذلها.ص 4

[3]أي يبتلى بالوباء.ص 4

bihar-34642

وقال يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت بسيفه، المعلن بشره والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه ولبئس المتجر أن ترى -

الهوامش2

[4]القارعة: الداهية. ونض الماء نضيضا: سال قليلا قليلا، واصلات السيف هو اعلان الشر والفساد.ص 4

[5]الانتهاز: الانتظار. والمقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب.ص 4

bihar-34643

وقد نقل عنه عليه السلام أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير: اتقوا الله فما خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء ظنه عنده، وما المغرور بزخرفها الذي بناج من عذاب ربه عند مرده إليه.

الهوامش1

[6]الحثالة - بالضم - ما يسقط من قشر الشعير والأرز. والقرظ - بالتحريك - ورق السلم يدبغ به الأديم. وقراضة الجلم يعنى ريزه دم قيچى.ص 5

bihar-34644

وقال عليه السلام: عليكم بالعلم فإنه صلة بين الاخوان، ودال على المروة وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، ومؤنس في الغربة، وإن الله تعالى يحب المؤمن العالم الفقيه، الزاهد الخاشع، الحيي العليم، الحسن الخلق، المقتصد المنصف.

bihar-34645

وقال عليه السلام: من تواضع للمتعلمين وذل للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع، وتركه يضع الرفيع، ورأس العلم التواضع، وبصره البراءة من الحسد وسمعه الفهم، ولسانه الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة أسباب الأمور، و من ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومجانبة الذنوب، ومودة الاخوان والاستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند القدرة واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق. وقول الصدق، والتجافي عن سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العاقل عقلا، ويورث متعلمه صفات حمد، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ويخلع المكر، ويميت البخل، ويجعل مطلق الوحش مأسورا وبعيد السداد قريبا.

الهوامش1

[1]المأسور: الأسير.ص 6

bihar-34646

وقال عليه السلام العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي إلى المنفعة، والموثوق به صاحب العقل والدين، ومن فاته العقل والمروة فرأس ماله المعصية، وصديق كل امرء عقله، وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين، ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، والعقل الكامل قاهر الطبع السوء، وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والأخلاق والأدب فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب

الهوامش1

[2]مطالب السؤول ص 49.ص 6

bihar-34647

وقال عليه السلام: الانسان عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة لم يكن كاملا، وكان بمنزلة من لا روح فيه، ومن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الأصول والفضول، فإن كثيرا من الناس يطلبون الفضول ويضعون الأصول، فمن أحرز الأصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الأمور في الانفاق طلب الحلال لما ينفق والرفق في الطلب، وأصل الأمور في الدين أن يعتمد على الصلوات ويجتنب الكبائر وألزم ذلك لزوم ما لا غنى عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك، فان جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة من الآثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الأحزان. وأصل النجدة القوة وثمرتها الظفر، وأصل العقل القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل، ولا على الأدب إلا بالبحث، ولا على الحسب إلا بالوفاء، ولا على الوقار إلا بالمهابة، ولا على السرور إلا باللين، ولا على اللب إلا بالسخاء، ولا على البذل إلا بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل نجدة يحتاج إلى العقل، وكل معونة تحتاج إلى التجارب، وكل رفعة يحتاج إلى حسن أحدوثة، وكل سرور يحتاج إلى أمن، وكل قرابة يحتاج إلى مودة، وكل علم يحتاج إلى قدرة، وكل مقدرة تحتاج إلى بذل، ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك. فرب متكلم في غير موضعه قد أعطبه ذلك.

الهوامش2

[1]المصدر ص 49.ص 7

[2]كذا وفي بعض النسخ " أصل الفعل ".ص 7

bihar-34648

وقال عليه السلام: لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج الرأي فان أفضل العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، و أفضل المروة استبقاء الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق.

bihar-34649
وعن عبد الله بن عباس قال:
Show clickable narrator chain

ما انتفعت بكلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كتب إلي: أما بعد فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك فيما بعد الموت. والسلام.

الهوامش1

[١]المصدر ص ٥٥. وفى النهج مثله.ص 8

bihar-34650

وقال عليه السلام لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها : لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه.

الهوامش1

[٢]أنضى البعير: هزله.ص 8

bihar-34651

وقال عليه السلام: الشئ شيئان شئ قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت عليه بقوة أهل السماوات والأرض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لأبصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفنى عمري، فكونوا أقل ما يكونون في الباطن أموالا، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا، فان الله تعالى أدب عباده المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال: جل من قائل: " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا " .

الهوامش1

[٣]البقرة: ٢٧٣.ص 8

bihar-34652
وقال عليه السلام: لا يكون غنيا حتى يكون عفيفا، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا، ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه، وكفى به عقلا أن يسلم عن شره، فأعرض عن الجهل وأهله، واكفف عن الناس ما تحب
Show clickable narrator chain

أن يكف عنك، وأكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك، وألن جانبك واكفف عن الأذى، واصفح عن سواء الأخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن نفسك على الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان ولا تنافس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، وتوسط في الهمة تسلم ممن يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن السفيه يكثر أنصارك عليه، عليك بالشيم العالية تقهر من يعاديك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين.

bihar-34653

وقال عليه السلام: قل عند كل شدة " لا حول ولا قوة إلا بالله " تكف بها وقل عند كل نعمة " الحمد لله " تزدد منها، وقل إذا أبطأت عليك الأرزاق " أستغفر الله " يوسع عليك. عليك بالمحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، و لا تردك عن منهج. الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع. مفتاح. الجنة الصبر، مفتاح الشرف التواضع، مفتاح الغنى اليقين، مفتاح الكرم التقوى. من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله، الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم، المغتبط من حسن يقينه.

bihar-34654

وقال عليه السلام: اللهو يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، عليكم بالصدق فان الله مع الصادقين، المغبون من غبن دينه. جانبوا الكذب فإنه مجانب الايمان، والصادق على سبيل نجاة وكرامة، والكاذب على شفا هلك وهون. قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا الحق تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، أوفوا إذا عاهدتم، واعدلوا إذا حكمتم، لا تفاخروا بالاباء، و لا تنابزوا بالألقاب، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وأفشوا السلام، و ردوا التحية بأحسن منها، وارحموا الأرملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم وأطيبوا المكسب، وأجملوا في الطلب.

bihar-34655

وقال عليه السلام: لا راحة لحسود، ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة وعدل السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير لا يعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك لتعلم بذلك منزلتك عندهم، واحذر ممن إذا حدثته ملك، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك، وإن فارقك ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى، وإن وافقته حسدك واعتدى، وإن خالفته مقتك ومارى يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط على من بغى عليه، يصبح صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لاله، ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم للمراء، ويتفقه للرياء، يبادر الدنيا، ويواكل التقوى، فهو بعيد من الايمان، قريب من النفاق، مجانب للرشد، موافق للغي فهو باغ غاو، لا يذكر المهتدين.

الهوامش4

[1]الغنية - بالضم - اليسار والكفاية. والبلغة - بالضم أيضا -: ما يكفي من العيش ولا يفضل.ص 10

[2]الشره: الحريص.ص 10

[3]العطلة - بالضم -: البقاء بلا عمل. والمراد الفقر.ص 10

[4]المماراة: المنازعة والمجادلة [5] مطالب السؤول ص 56.ص 10

bihar-34656

وقال عليه السلام: [5] لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا فتعد مرتابا، ولا تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ملوما وقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرتبن عنهم، واعلم أن من الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في أمانته، ولا تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء ما هو أكثر منه، وخذ الفضل، و أحسن البذل، وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك، وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا تضيعن حق أخيك فتعدم إخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة.

الهوامش1

[6]الكبوة السقوط على الوجه.ص 10

bihar-34657
ونقل عنه عليه السلام: أنه رأى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وقد تنفس الصعداء فقال
Show clickable narrator chain

عليه السلام: يا جبار على م تنفسك أعلى الدنيا؟ فقال جابر: نعم فقال له: يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح و المركوب والمشموم والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى بإباحته وسباحته على وجه الأرض، وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى المنكوحات النساء وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة لأقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل. قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي.

الهوامش1

[1]الصعداء - بضم الصاد وفتح العين المهملتين - التنفس الطويل من هم أو تعب.ص 11

bihar-34658

وقال عليه السلام: في الأمثال: بالصبر يناضل الحدثان، الجزع من أنواع الحرمان، العدل مألوف والهوى عسوف والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب المسكنة، لا تأمنن ملولا، إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر ساعة، خير الأمور أوسطها، القلب بالتعلل رهين، من ومقك

الهوامش2

[2]ناضله مناضلة: باراه في رمى السهام وناضل عنه: حامى وجادل ودافع عنه.ص 11

[3]العسوف - بفتح العين - الشديد العسف أي الجور. والظلم.ص 11

bihar-34659

وقال عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها، الولايات مضامير الرجال، ليس بلد أحق منك من بلد، وخير البلاد من حملك، إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يمنع حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا بأوليائه ولا عقابا لأعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح سائقهم فارتحلوا، من صارع الحق صرعه، القلب مصحف البصر التقى رئيس الأخلاق، ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله. وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله. كل مقتصر عليه كاف الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا تضجر، من طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما يعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز، والبخل جامع لمساوي الأخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم حببها لنفسه فذلك الأحمق بعينه، العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، رسولك ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك. الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه، الطمع ضامن غير وفي، و الأماني تعمى أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، ولا قائد كالتوفيق، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا عقل كالتدبير، ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الامل أساء العمل.

الهوامش3

[1]استعار لفظ المصحف للقلب باعتبار انتقاشه بصور ما ينبغي التكلم به في لوح الخيال وادراك الحس المشترك له من باطن فهو كالمصحف يقرأ منه.ص 13

[2]أي كل ما يمكن الاقتصار عليه فهو كاف.ص 13

[3]في بعض النسخ " ثم رضيها ".ص 13

bihar-34660

وسمع عليه السلام رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك، إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل قدر همته قيمة كل امرء ما يحسنه، المال مادة الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس المرء خطاه إلى أجله.

الهوامش1

[١]مطالب السؤول ص ٥٧.ص 14

bihar-34661

وقال عليه السلام: أحذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة، حفت بالشهوات، و تحببت بالعاجلة وعمرت بالآمال، وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها، ولا يدوم حبرتها ضرارة غدارة غرارة زائلة بائدة أكالة عوالة، لا تعد و إذا تناهت إلى أمنية أهل الرضا بها والرغبة فيها أن يكون كما قال الله عز وجل " " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح على أن امرءا لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء وحري إذا أصبحت له متنصرة أن تمسى له متنكرة، فإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى أمر عليه جانب فأوبي، وإن لقى امرء من غضارتها رغبا زودته من نوائبها تعبا، ولا يمسي امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في خوافي خوف غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته، وذي أبهة قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا، وذي تاج قد أكبته لليدين و الفم. سلطانها دول، وعيشها رنق وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذائها سمام وأسبابها رمام حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام عزيزها مغلوب، وملكها مسلوب، وضيفها مثلوب، وجارها محروب ثم من وراء ذلك هول المطلع، وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ". ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا، وأعد منكم عديدا، و أكثف جنودا وأشد منكم عتودا، تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا عنها بالصغار. فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المستند، هل أحلتهم إلا الضنك؟ أو زودتهم إلا التعب؟ أو نورت لهم إلا الظلم، أو أعقبتهم إلا النار، فهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون؟ إلى هذه تطمئنون؟ يقول الله جل من قائل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " . فبئست الدار لمن لا يتهمها وإن لم يكن فيها على وجل منها، إعلموا وأنتم لا تعلمون أنكم تاركوها لابد فإنما هي كما نعتها الله تعالى " لهو ولعب " واتعظوا بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون و اتعظوا بالذين قالوا: " من أشد منا قوة " واتعظوا باخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن وكما قال الله عز وجل " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " استبدلوا بظهر الأرض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالأهل غربة، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عز من قائل " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " .

الهوامش21

[٢]أي صارت محبوبة للناس بكونها لذة عاجلة. والنفوس مولعة بحب العاجل.ص 14

[٣]الحبرة: النعمة والسرور.ص 14

[٤]باد أي هلك. وغاله: أهلكه. وعداه يعدوه: جاوزه. والأمنية: ما يتمناه الانسان أي يريده ويأمله.ص 14

[٥]الكهف ٤٥.ص 14

[6]أي غاية موافقة الدنيا لأهلها لا يجاوز المثل المضروب لها في الكتاب الكريم والمراد بالماء المطر، واختلاط النبات به دخوله في خلل النبات عند النمو، والهشيم نبت يابس مكسر. وتذروه الرياح أي تطيره فيصير كأن لم يكن.ص 14

[1]الحبرة بالفتح: النعمة. والعبرة: الدمعة. والسراء مصدر بمعنى المسرة و والضراء: الشدة. ويختص البطن بالسراء والظهر بالضراء لان الاقبال يكون بالأول كما أن الادبار بالثاني، أو لان الترس يكون بطنه إليك وظهره إلى عدوك.ص 15

[2]الطل - بالفتح -: المطر الضعيف. والديمة - بالكسر -: مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق. وهتنت أي انصبت. والحرى: الجدير والخليق.ص 15

[3]الخوافي: ريشات من الجناح إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. وفى المثل " ليس القوادم كالخوافي ".ص 15

[4]أي من أخذ القليل من متاعها أخذ الكثير مما يؤمنه.ص 15

[5]الدولة - بالفتح - الانقلاب للزمان والجمع دول مثلثة. والرنق: الماء الكدر.ص 15

[6]السمام - بالكسر - جمع سم بالضم والفتح. والسبب في أصل الحبل الذي يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشئ. والرمم - بالكسر - جمع رمة - بالضم - وهي قطعة جبل بالية.ص 15

[7]المثلوب: الملوم، وثلبه أي عابه ولامه. والمحروب: المسلوب مالهص 15

[١]أي أكثر جنودا.ص 16

[٢]القوارع جمع القارعة وهي الداهية.ص 16

[٣]أي سلطته عليهم وريب المنون: صروف الدهر.ص 16

[٤]هود: ١٨ و ١٩.ص 16

[٥]لعل العلم المأمور به هو اليقين المستتبع وهو العمل أي أيقنوا بأنكم ستتركونها وترتحلون عنها وأنتم تعلمون ذلك لكن علما لا يترتب عليه الأثر. ويحتمل أن يكون المعنى اعلموا ذلك وأنتم من أهل العلم وشأنكم المعرفة وتمييز الخير من الشر.ص 16

[١]الريع: المكن المرتفع. و " آية " أي علما للمارة ببنهائها.ص 17

[٢]الضيم: الظلم والتعدي. والضغن: الحقد، الناحية، الحضن، الميل.ص 17

[٣]القصص: ٥٨.ص 17

[٤]الأنبياء: ١٠٤.ص 17

bihar-34662

وقال أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك فقال قائل من الحاضرين بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين فقال له: فلم ذممتها؟ أليست دار صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها؟ مسجد أحبائه، ومصلى أنبيائه، ومهبط الملائكة، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الطاعة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت بانتهائها، ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى، وإن أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى ذمها رجال يوم الندامة، ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا، وذكرتهم فتذكروا. فيا أيها الذام لها، المغتر بغرورها متى غرتك؟ أم متى استذمت إليك أبمصارع آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بيديك ومرضت؟ وأذاقتك شهدا وصبرا؟ فان ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم، فقد مثلت لك نفسك حين ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أحباؤك.

الهوامش3

[5]مطالب السؤول ص 51.ص 17

[6]تجرم على فلان إذا ادعى على ذنبا لم أفعله.ص 17

[7]أعصرت: دخلت في العصر. وأسفر الصبح أي أضاء وأشرق.ص 17

bihar-34663

وقال عليه السلام: إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل، من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضره أمله، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه، ونحبه لاحقه فلا تغرنكم الأماني. ولا يغرنكم بالله الغرور، وقد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان، شيدوا فيها البنيان، ووطنوا الأوطان، أضحت أبدانهم في قبورهم هامدة، وأنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي، يا ليتني كنت أطعت ربي.

الهوامش3

[1]آذنت أي أعلمت والايذان الاعلام. والاطلاع: الاشراف من مكان عال والمقبل على الانحدار أحرى بالوصول. والمضمار: مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وهو ان تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما. والسباق المسابقة.ص 18

[2]النحب: الموت والأجل.ص 18

[3]في المصدر " أصبحت أبدانهم ".ص 18

bihar-34664

وقال عليه السلام: إن الدنيا ليست بدار قرار، ولا محل إقامة، إنما أنتم فيها كركب عرسوا وارتاحوا ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا، و ارتحلوا عنها ثقالا، فلم يجدوا عنها نزوعا، ولا إلى ما تركوا بها رجوعا، جد بهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا، حتى اخذ بكظمهم، ورحلوا إلى دار قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم، وأعجل بهم إلى الآخرة بعثهم، وأصبحتم حلولا في ديارهم، وظاعنين على آثارهم، والمنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين ولا بطوء، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بأرواحكم ذهوب، وأنتم تقتفون من أحوالهم حالا، وتحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول، والموت بكم نزول، فتلتضل فيكم مناياه، وتمضي بكم مطاياه، إلى دار الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، فرحم الله من راقب ربه، و خاف ذنبه، وجانب هواه، وعمل لاخرته، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا.

الهوامش2

[4]عرس القوم تعريسا: نزلوا في السفر للاستراحة ثم ارتحلوا. وارتاحوا أي نشطوا وسروا واستراحوا، ولعل الصواب " فأناخوا ". واستقل القوم: ارتحلوا.ص 18

[١]الأين: الحين، والتعب والمشقة والاعياء. والدؤوب: الجد والتعب.ص 19

bihar-34665

وقال عليه السلام: كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل. فإنها دار العمل، والدار الآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعد الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها، المطمئنين إليها المغترين بها أن تكون كما قال الله تعالى: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام " ألا إنه لم يصب امرء منكم من هذه الدنيا حبرة إلا أعقبتها عبرة، ولا يصبح امرء في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمه أو زوال عافيته، والموت من وراء ذلكم، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل لتجزى كل نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

الهوامش1

[٢]يونس: ٢٦.ص 19

bihar-34666

وقال عليه السلام: مالكم والدنيا فمتاعها إلى انقطاع، وفخرها إلى وبال، وزينتها إلى زوال، ونعيمها إلى بؤس، وصحتها إلى سقم أو هرم، ومآل ما فيها إلى نفاد وشيك وفناء قريب، كل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى مقارنة البلى، أليس لكم في آثار الأولين وآبائكم الماضين عبرة وتبصرة إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين، منكم لا يبقون، أو لستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى ميت يبكى وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعايد يعود، ودنف بنفسه يجود وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، على أثر الماضي يمضى الباقي وإلى الله عاقبة الأمور.

الهوامش2

[3]الوشيك السريع.ص 19

[1]الصريع: المطروح على الأرض. والدنف: المريض. وجاد بنفسه أي سمح بها عند الموت فكأنه يدفعها كما يدفع الانسان ماله.ص 20

bihar-34667

وقال عليه السلام: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل وكل ما هو آت قريب، فكم من مؤمل مالا يدركه، وجامع مالا يأكله، ومانع مالا يتركه، ولعله من باطل جمعه، أو حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوانا، فاحتمل ما ضره، وباء بوزره وقدم على ربه آسفا لا لاهفا خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

الهوامش2

[2]المترف - كمكرم -: المتروك بنعمته يصنع فيها ما يشاء ولا يمنع.ص 20

[3]باء يبوء إليه: رجع وباء بالحق أو بالذنب: أقر.ص 20

bihar-34668

وقال عليه السلام: الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ما يكون إليها أوحش ما تكون منها فإن صاحبها كلما اطمئن منها، إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته وليحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول، ولتكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك، ولا تكن على ما فاتك من الدنيا حزينا، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا، واجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لات.

الهوامش1

[4]آنس حال و " ما " مصدرية وخبر كان احذر أي كن حال انسك بها أحذر اكوانك منها. وقوله " فان صاحبها - الخ " أي ان سكون صاحبها إلي اللذة بها مستلزم العذاب المكروه في الآخرة.ص 20

bihar-34669

وقال عليه السلام : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها والله عن قليل تشقي المترف، وتحرك الساكن، وتزيل الثاوي صفوها مشوب بالكدر، وسرورها منسوج بالحزن، وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما يغركم منها، فعن كثب تنقلون عنها وكلما هو آت قريب، و " هناك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " .

الهوامش4

[1]مطالب السؤول ص 52.ص 21

[2]الثاوى هو الذي قام في مكان.ص 21

[3]الكثب: القرب، يقال: رماه من كثب أو عن كثب أي رماه إذ كان قريبا منه.ص 21

[4]أي في ذلك المقام تختبر كل نفس ما قدمت من عمل. وقوله تعالى: " ردوا إلى الله " أي إلى جزائه، وقوله " ضل عنهم " أي بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه افتراء على الله سبحانه.ص 21

bihar-34670

وقال عليه السلام: أحذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها، فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار هانت على ربها، قد اختلط حلالها بحرامها، وحلوها بمرها، وخيرها بشرها، ولم يذكر الله شيئا اختصه منها لاحد من أوليائه ولا أنبيائه، ولم يصرفها من أعدائه، فخيرها زهيد، وشرها عتيد وجمعها ينفد، وملكها يسلب، وعزها يبيد. فالمتمتعون من الدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا، ويشتد مقتهم لأنفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها، والآخرة باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة، والآخرة ملجأ الدنيا، وليس للآخرة منتقل ولا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه، ومن آثر الدنيا على الآخرة حلت به الفاقرة .

الهوامش2

[5]العتيد: الحاضر المهيأ.ص 21

[6]الفاقرة: الداهية الشديدة.ص 21

bihar-34671

وقال عليه السلام: إنما الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر، فمن فنائها أنك ترى الدهر موتر قوسه، مفوق نبله، يرمي الصحيح بالسقيم، والحي بالميت و البرئ بالمتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع مالا يأكل، ويبني مالا يسكن ويأمل مالا يدرك، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما، ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله.

bihar-34672

وقال عليه السلام: اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها فإن من ركن إليها خذلته، ومن أنس فيها أوحشته، ومن يرغب فيها أوهنته، ومن انقطع إليها قتلته، ومن طلبها أرهقته، ومن فرح بها أترحته ومن طمع فيها صرعته، ومن قدمها أخرته، ومن ألزمها هانته، ومن آثرها باعدته من الآخرة ومن بعد من الآخرة قرب إلي النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها كدر، وغنيها فقير، وصحيحها سقيم، وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي، وكل مغرور بزينتها مفتون، وعند كشف الغطاء يعظم الندم، ويحمد الصدر أو يذم.

الهوامش1

[1]الارهاق أن يحمل الانسان على ما لا يطيقه. وأترحه أي أحزنه.ص 22

bihar-34673

وقال عليه السلام يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر ولا يؤتمن فيه إلا الخائن، ولا يخون إلا المؤتمن، يتخذون الفئ مغنما، والصدقة مغرما، وصلة الرحم منا، والعبادة استطالة على الناس وتعديا وذلك يكون عند سلطان النساء، ومشاورة الإماء، وإمارة الصبيان.

الهوامش1

[2]الماحل: الساعي إلى السلطان. ولا يظرف أي لا ينسب إلى الظرافة.ص 22

bihar-34674

وقال عليه السلام: احذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الأمانات، واتبعوا الشهوات، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشى وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء وركنوا إلى الرياء، وتقاطعت الأرحام، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا والامراء فجرة، والوزراء كذبة، والامناء خونة، والأعوان ظلمة، و القراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، ونقضت العهود، وخربت القلوب، و استحلوا المعازف، وشربت الخمور، وركبت الذكور، واشتغل النساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا، وعلت الفروج السروج، ويشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في الموتى، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإن الناس اثنان بر تقي وآخر شقي، والدار داران لا ثالث لهما، والكتاب واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ألا وإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وباب كل بلية ومجمع كل فتنة، وداعية كل ريبة، الويل لمن جمع الدنيا وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره، الدنيا دار المنافقين، وليست بدار المتقين، فلتكن حظك من الدنيا قوام صلبك، وإمساك نفسك، وتزود لمعادك.

bihar-34675

وقال عليه السلام: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثة، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، ووحشة الطريق.

bihar-34676

وقال عليه السلام: احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أتاها فاتته، ومن بعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن بصر بها بصرته، إن أقبلت غرت، وإن أدبرت ضرت.

bihar-34677

في وصفه المؤمنين قال عليه السلام، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت، وهيئتهم الخشوع، وسمتهم التواضع خاشعين، غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، رافعين أسماعهم إلى العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء، لولا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها، فقلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم ضعيفة، ومعونتهم لإخوانهم عظيمة اتخذوا الأرض بساطا، وماءها طيبا، ورفضوا الدنيا رفضا، وصبروا أياما قليلة فصارت عاقبتهم راحة طويلة، تجارتهم مربحة، يبشرهم بها رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فهربوا منها. أما الليل فأقدامهم مصطفة يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم تشوقا فيصيرونها نصيب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا نحلت لها أبدانهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم، مكبين على وجوههم وأكفهم، تجري دموعهم على خدودهم. يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح إذا نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض، وما بهم مرض، ويقول قد خولطوا وما خولطوا إذا ذكروا عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية، لا يرضون بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة التزكية قال: وأنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني كما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون. ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في تقوى، وفهم في فقه، وحلم في علم، وكيس في رفق، وقصد في غنى، وخشوع في عبادة وتحمل في فاقة، وصبر في شدة وإعطاء في حق، وطلب لحلال، ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، وتنزه عن طبع، وبر في استقامة، واعتصام بالله من متابعة الشهوات، واستعاذة به من الشيطان الرجيم، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله الفكر أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم

الهوامش10

[1]مطالب السؤول ص 53.ص 23

[2]الهدى - بالفتح -: الطريقة والسيرة. والسمت: هيئه أهل الخير.ص 23

[1]اصطف القوم: قاموا صفوفا.ص 24

[2]التطلع إلى الشئ: الاستشراف له والانتظار لوروده.ص 24

[3]الفرق - بالتحريك -: الخوف. ونحلت أي هزلت وضعفت.ص 24

[4]برى السهم نحته. والقداح جمع قدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن يراش وينصل وهو كناية عن نحافة البدن وضعف الجسد.ص 24

[5]خولط فلان في عقله إذا اختل عقله وصار مجنونا. وخالطه إذا مازجه والمعنى كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لاحله.ص 24

[١]وجف الشئ اضطرب، والقلب: خفق. وطاش أي ذهب عقله. والحلوم جمع حلم وهو العقل. والذهول. النسيان والغيبة.ص 25

[2]الغائلة الداهية والفساد والمهلكة. وغائلة التزكية عطف على " الله " يعنى خاف الله أولا وغائلة التزكية ثانيا.ص 25

[3]في بعض النسخ " يمسى وهمته الشكر ويصبح وشغله الذكر ".ص 25

bihar-34678

وقال عليه السلام: المؤمنون هم الذين عرفوا أمامهم، فذبلت شفاههم وغشيت عيونهم، وشحبت ألوانهم حتى عرفت في وجوههم غبرة الخاشعين. فهم عباد الله الذين مشوا على الأرض هونا، واتخذوها بساطا، وترابها فراشا، فرفضوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة على منهاج المسيح بن مريم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، صوام الهواجر، قوام الدياجر يضمحل عندهم كل فتنة، وينجلي عنهم كل شبهة، أولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الأرضين، فإن لقيتم منهم أحدا فاسألوه أن يستغفر لكم. - 91 وقال عليه السلام : شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا المتوازرون في أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، أولئك هم السائحون الناحلون، الزابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية دموعهم. يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا خطبوا الابكار لم يزوجوا، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من العطش خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر، الرهبانية عليهم لايحة، والخشية لهم لازمة، كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف، أولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر. تغبطهم الأولون والآخرون، ولا خوف عليهم ولا يحزنون.

الهوامش4

[5]شحبت لونه: تغير من جوع أو مرض ونحوهما.ص 25

[6]الهواجر جمع الهاجرة وهي شدة حرارة النهار. والديجور: الظلام.ص 25

[1]مطالب السؤول ص 53.ص 26

[2]نحل جسمه أي سقم، والناحل الرقيق الجسم من مرض أو تعب. وذبل النبات:ص 26

bihar-34679

وقال عليه السلام: المؤمن يرغب فيما يبقى ويزهد فيما يفنى، يمزج الحلم بالعلم، والعلم بالعمل، بعيد كسله، دائم نشاطه، قريب أمله، حي قلبه، ذاكر لسانه، لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الأصدقاء، ولا يكتم شهادة الأعداء، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين، وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه، لا يعزب حلمه، ولا يعجل فيما يريبه، بعيد جهله، لين قوله، قريب معروفه، غائب منكره صادق كلامه، حسن فعله مقبل خيره، مدبر شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره

bihar-34680

وقال عليه السلام: طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا أرض الله مهادا، وترابها وسادا، وماءها طيبا، وجعلوا الكتاب شعارا والدعاء دثارا، وإن الله أوحى إلى عبده المسيح عليه السلام أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا أجيب لاحد منهم دعوة، ولاحد من خلقي قبله مظلمة.

bihar-34681

وقال عليه السلام: المؤمن وقور عند الهزاهز، ثبوت عند المكاره، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء ، الناس منه راحة ونفسه منه في تعب، العلم خليله، والعقل قرينه والحلم وزيره، والصبر أميره، والرفق أخوه، واللين والده.

الهوامش1

[2]أي لا يحتمل الوزر لأجلهم، أو يتحمل عنهم مالا يطيق الاتيان به من الأمور المشاقة فيعجز عنها.ص 27

bihar-34682

وقوله عليه السلام لنوف البكالي: أتدري يا نوف من شيعتي؟ قال: لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل ائتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم وصفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك أعناقهم وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء، يا نوف شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله شيعتي.

الهوامش2

[1]أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة فإنهم كانوا لا يلبسون السراويل أو المراد شد الوسط بالإزار كالمنطقة ليجمع الثياب. وقيل هو كناية عن الاهتمام في العبادة. (قاله المؤلف) وقوله " وارتدوا على أطرافهم " أي يلبسون الرداءة أو يشدونها على أطرافهم ويشتملون بها.ص 28

[2]جأر إلى الله: تضرع ورفع صوته بالبكاء.ص 28

bihar-34683

قال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس المتعبدين فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا، فأسرعوا إليه قياما وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم: خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟! فأمسك القوم حياء، فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ما سمة شيعتك يا أمير المؤمنين؟ فسكت فقال همام - كان عابدا مجتهدا - أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتك؟ فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا ووضع يده على منكب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون. وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا أياما قليلة، فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم، هذا ليلهم، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون. يرى لأحدهم قوة في دين، وحزما في لين وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة في مجهود، وإعطاء في حق ورفقا في كسب، وطلبا من حلال وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. وإن استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يطعها سؤلها مما إليه تسره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل والعمل بالحلم، ويظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره. لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء. أولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا، آها وشوقا إليهم. فصاح همام صيحة ووقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا - رحمه الله تعالى - فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ونحن معه. فشيعته عليه السلام هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين. وتقدم بعضها.

الهوامش3

[1]بخع نفسه - بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة -: أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب. وبخع - بكسر الخاء - بالحق: أقر وأذعن.ص 29

[2]أي نحتهم خوف ربهم، فإنما يخشى الله من عباده العلماء. والقداح جمع القدح بالكسر فيهما: السهم.ص 29

[3]الحزم في اللين أن يكون لينه حزما وفى موضعه، لا عن مهانة وذلة.ص 29

bihar-34684

وقال عليه السلام: الجنة التي أعدها الله تعالى للمؤمنين خطافة لابصار الناظرين فيها درجات متفاضلات، ومنازل متعاليات، لا يبيد نعيمها ولا يضمحل حبورها ولا ينقطع سرورها ولا يظعن مقيمها ولا يهرم خالدها ولا يبؤس ساكنها، آمن سكانها من الموت فلا يخافون، صفا لهم العيش، ودامت لهم النعمة في أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. على فرش موزونة وأزواج مطهرة وحور عين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ".

bihar-34685
جامع الأخبار، جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: جئتك لأسأل عن أربعة مسائل، فقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

سل وإن كان أربعين. فقال: أخبرني ما الصعب وما الأصعب؟ وما القريب وما الأقرب؟ وما العجب وما الأعجب؟ وما الواجب وما الأوجب؟. فقال عليه السلام: الصعب المعصية، والأصعب فوت ثوابها، والقريب كل ما هو آت والأقرب هو الموت، والعجب هو الدنيا وغفلتنا فيها أعجب، والواجب هو التوبة، وترك الذنوب هو الأوجب.

الهوامش1

[١]جامع الأخبار ص ١٦١. الفصل السادس والتسعون.ص 31

bihar-34686
قيل: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: جئتك من سبعمائة فرسخ لأسألك عن سبع كلمات فقال عليه السلام:
Show clickable narrator chain

سل ما شئت، فقال الرجل: أي شئ أعظم من السماء؟ وأي شئ أوسع من الأرض؟ وأي شئ أضعف من اليتيم؟ وأي شئ أحر من النار؟ وأي شئ أبرد من الزمهرير؟ وأي شئ أغنى من البحر؟ وأي شئ أقسى من الحجر؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: البهتان على البرئ أعظم من السماء والحق أوسع من الأرض، ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم والحرص أحر من النار، وحاجتك إلى البخيل أبرد من الزمهرير، والبدن القانع أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر.

الهوامش1

[٢]الواشي هو النمام عند الأمير أو الحاكم أو السلطان وجمعه الوشاة.ص 31

bihar-34687
الاختصاص روى عن أمير المؤمنين عليه السلام
Show clickable narrator chain

أنه قال: المفتخر بنفسه أشرف من المفتخر بأبيه لأني أشرف من أبي والنبي صلى الله عليه وآله أشرف من أبيه وإبراهيم أشرف من تارخ.

الهوامش1

[٣]الاختصاص: ١٨٨.ص 31

bihar-34688

قيل: وبم الافتخار؟ قال: بإحدى ثلاث: مال ظاهر، أو أدب بارع أو صناعة لا يستحي المرء منها.

bihar-34689

قيل: لأمير المؤمنين عليه السلام: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت آكل وأنتظر أجلي.

bihar-34690

قيل له عليه السلام: فما تقول في الدنيا؟ قال: فما أقول في دار أولها غم، وآخرها الموت، من استغنى فيها افتقر، ومن افتقر فيها حزن، في حلالها حساب وفي حرامها النار.

bihar-34691

قيل: فمن أغبط الناس؟ قال: جسد تحت التراب قد أمن من العقاب ويرجو الثواب.

bihar-34692

وقال عليه السلام: من زار أخاه المسلم في الله ناداه الله أيها الزائر طبت وطابت لك الجنة.

bihar-34693

وقال عليه السلام: ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة.

bihar-34694

وقال عليه السلام: ثلاثة يضحك الله إليهم يوم القيامة: رجل يكون على فراشه مع زوجته وهو يحبها فيتوضأ ويدخل المسجد فيصلي ويناجي ربه، ورجل أصابته جنابة ولم يصب ماء فقام إلى الثلج فكسره ثم دخل فيه واغتسل، ورجل لقى عدوا وهو مع أصحابه وجاءهم مقاتل فقاتل حتى قتل.

bihar-34695

وقال عليه السلام: التعزية تورث الجنة.

bihar-34696

وقال عليه السلام: إذا حملت بجوانب سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك أمك.

bihar-34697

وقال عليه السلام: من اشترى لعياله لحما بدرهم كان كمن أعتق نسمة من ولد إسماعيل.

bihar-34698

وقال عليه السلام: من شرب من سؤر أخيه تبركا به خلق الله بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة.

bihar-34699

وقال عليه السلام: في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء.

bihar-34700
الاختصاص: محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن بعض رجاله عن أبي الجارود يرفعه قال:
Show clickable narrator chain

قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وكل حديث جاوز اثنين فشى، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، وعليك بإخوان الصدق فكثر في اكتسابهم عدة عند الرخاء، وجندا عند البلاء، وشاور حديثك الذين يخافون الله، وأحبب الاخوان على قدر التقوى، واتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن في المنكر.

الهوامش1

[1]المصدر ص 226 وفيه محمد بن الحسن.ص 33

bihar-34701
أمالي الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب بن نوح، عن الشارب بن ذراع عن أخيه يسار، عن حمران، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله قال:
Show clickable narrator chain

بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا وتصرفها بأهلها فذمها رجل فذهب في ذمها كل مذهب فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الذام للدنيا، أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين، قال: فبم تذمها؟ أليست منزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورجوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاءها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت ببلائها البلى، وشوقت بسرورها إلى السرور، تخويفا وترغيبا فابتكرت بعافية، وراحت بفجيعة، فذمها رجال فرطوا غداة الندامة، وحمدها آخرون اكتسبوا فيه الخير، فيا أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها! متى استذمت إليك أو متى غرتك؟ أم بمضاجع آبائك من البلى، أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى، كم مرضت بيديك، وعالجت بكفيك، تلتمس لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم تنفعهم بشفاعتك، ولم تسعفهم في طلبتك، مثلت لك - ويحك - الدنيا بمصرعهم مصرعك، و بمضجعهم مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك. ثم التفت إلى أهل المقابر فقال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: والله لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خير الزاد التقوى.

الهوامش2

[2]الأمالي ج 2 ص 207.ص 33

[3]في المصدر " بشار بن ذراع ".ص 33

bihar-34702
أمالي الطوسي عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال:
Show clickable narrator chain

قال أمير المؤمنين عليه السلام: الهيبة خيبة والفرصة خلسته، والحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها.

الهوامش2

[1]الأمالي ج 2 ص 237 و 238.ص 34

[2]يعنى من تهيب أمرا خاب من ادراكه. والخلسة - بضم الخاء -: الفرصة المناسبة وفى المثل " الخلسة سريعة الفوت بطيئة العود " ويأتي نظيره عن قريب.ص 34

bihar-34703
أمالي الطوسي عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد، عن أبيه علي ابن الحسين عليهما السلام قال:
Show clickable narrator chain

خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد لله المتوحد بالقدم والأزلية الذي ليس له غاية في دوامه، ولا له أولية، أنشأ صنوف البرية لا عن أصول كانت بدية وارتفع من مشاركة الأنداد وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد، هو الباقي بغير مدة، والمنشئ لا بأعوان، لا بآلة فطر، ولا بجوارح صرف ما خلق، لا يحتاج إلى محاولة التفكير، ولا مزاولة مثال ولا تقدير، أحدثهم على صنوف من التخطيط والتصوير، لا بروية ولا ضمير، سبق علمه في كل الأمور، ونفذت مشيته في كل ما يريد في الأزمنة والدهور، وانفرد بصنعة الأشياء فأتقنها بلطائف التدبير، سبحانه من لطيف خبير، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.

الهوامش2

[3]الأمالي ج 2 ص 315.ص 34

[4]البدء والبديئة: أول الحال والنشأة.ص 34